كيف تبدأ ممارسة التحكيم ؟

د. عبد القادر ورسمة غالب –
awghalib@hotmail.com –

في مايو المنصرم من 2018 انعقد في سنغافورة مؤتمر التحكيم الدولي الدوري بتنظيم، كلله النجاح التام، من “المنتدي الآسيوي الباسيفيكي للتحكيم الدولي”. ولأهمية هذا اللقاء الدوري شارك فيه العديد من مكاتب المحاماة والقانونيين ومختلف الاستشاريين وخبراء التحكيم بمراكز التحكيم المختلفة في العديد من الدول… وكان تجمعا مشهودا. إذ اجتمع الكثير من الرواد والخبراء في صناعة التحكيم الدولي، وأتوا جميعا لوضع معايير مهنية معينة تساعد في بداية المشوار للولوج في ممارسة هذه المهنة المهمة والتي تزداد أهميتها مع زيادة المعاملات التجارية الدولية وتشابك المصالح وتفاعلها، وما ينجم عن هذه النشاطات من منازعات تحتاج للحلول السريعة الآمنة المنهية للخصومة … وكل هذا عبر بوابة التحكيم التي يجب أن تكون مؤهلة وصالحة للمرور عبرها، وفق رغبة الأطراف، بأمان وسلامة.

تناول المتحدثون العديد من المسائل المهامة التي يجب مراعاتها بواسطة كل من يرغب في ممارسة التحكيم. وفي العادة، وهذا أمر طبيعي، يتطلع كل شخص لنيل الفرصة في ممارسة التحكيم فعلىا كمحكم فرد أو كعضو هيئة تحكيم. ومن الملاحظ أنه وفي أغلب الأحوال، فإن كل من يطلب منه أو تعرض علىه فرصة المشاركة في التحكيم، يوافق مباشرة ويتحفز لدخول هذا المجال وذلك دون مراعاة أو دون التأكد من نقاط مهمة قد يكون لها آثار مباشرة على تاريخ مهنته وتاريخ مهنة التحكيم.
تركز النقاش في أمور مهمة، من ضمنها مثلا، متي يكون الوقت مناسبا لقبول التعيين كمحكم؟ كيف تحصل على التعيين كمحكم؟ متى تقول “لا” عندما يطلب منك قبول التعيين؟ كيف تجهز نفسك لبداية إجراءات التحكيم وممارسته؟ ودارت مناقشات كثيرة وتباينت الآراء لأسباب مهنية أو شخصية..
إن الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه قد تبدو من اللحظة الأولى “سهلة” لكل شخص. ولكن في الواقع هناك أمور صعبة جدا قد تطرأ فور بداية إجراءات التحكيم. ولهذا، يجب أن لا نأخذ الأمر بكل “سهولة” وأريحية، وفي بعض الأوقات يتم القبول الفوري للمشاركة في التحكيم لمجرد اغتنام الفرصة التي قد لا تأتي ثانية أو قد يتأخر وصولها. ولقد تبين جليا، من واقع التجربة في كل الأمكنة والمراكز، أن الموافقة الأولية تأتي من أغلب الأشخاص دون أن يراعي أي منهم أنه لا يملك الخبرة المباشرة في القانون والوقائع المرتبطة بالتحكيم المعني. وتبدأ المعضلة الحقيقية التي يكتشفها وهو في منصة التحكيم حيث يكتشف فعليا أنه غير ملم أو غير مستوعب للوقائع والقوانين ذات الصلة بهذا التحكيم الذي وضع نفسه فيه كمحكم أو رئيس هيئة التحكيم.
ومن مثل هذا التصرف يتضرر التحكيم وتتضرر العدالة ويتضرر الأطراف.. فلماذا نضع نفسنا في هذا الموقف، ولقد أجمع المجتمعون على هذا السؤال؟ أليس من الأفضل الابتعاد اذا لم تتوفر لدينا المعرفة والدراية والخبرة. وللعلم، وفي حالات عديدة تم رفع دعاوى ضد من وافقوا وانضموا لمسيرة التحكيم وتبين فعليا عدم مقدرتهم لعدم توفر المعرفة الكافية الضرورية للعمل. وفي هذا ضرر كبير كان من الممكن تجنبه بقليل من الأمانة والشجاعة الذاتية، ومنح الخبز لخبازه.
اضافة للمعرفة العلمية فإن الخبرة ضرورية خاصة وأن الحلول الفورية والإجراءات التي تتم في أثناء سير التحكيم قد لا يوجد ما يساعد على فهمها في اضابير الكتب والأحكام القانونية في المواد الجافة، بل تنبع من فكر وضمير شخص متمرس ماسك بزمام وتلابيب الأمور وواثق من كل خطواته التي يخطوها استنادا لتراكم الخبرات المتنوعة والمتعددة الأبعاد خاصة عندما يتطلب الأمر اتخاد قرارات فورية وفي نفس اللحظة. وليس المهم هنا إذا كانت القرارات ايجابية أو سلبية، بل المهم تلك المقدرة الذاتية والحضور الذهني والتمكن النفسي من اتخاذ القرار.
ومن المعلوم أيضا، أن هناك قضايا كثيرة في هذا الخصوص ضد المحكم أو هيئات التحكيم، إضافة إلى تشويه السمعة المهنية ولهذا انعكاسات بعيدة المدى لا يقبلها المتطلع للمستقبل المهني الواعد. ولذا، يجب على الجميع النظر في إيجابيات وسلبيات القبول ومن ثم اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. ولا تستعجل، لا تستعجل بل فكر مليا وبروية.
اضافة للمعرفة الفنية والخبرة المتراكمة هناك أمور لوجستية لا بد من أخذها في الحسبان قبل الموافقة للانضمام للتحكيم. وهناك أمثلة كثيرة منها، عدم توفر الوقت الكافي لمنح العناية الكافية للموضوع وعنصر الزمن مهم للتحكيم بل من أولوياته الأولى، عدم ملاءمة المكان، عدم ملاءمة التوقيت، عدم الإلمام الكافي باللغة، وجود خلافات مع أعضاء هيئة التحكيم أو مركز التحكيم مما قد يؤثر على العمل… وغيره..
وقبل كل هذا، لا بد من التأكد التام من توفر الحياد والاستقلال للمحكم من نقطة البداية وحتي نهاية اجراءات التحكيم. لأن السير في التحكيم دون الافصاح التام عن هذه الأمور سيعود بآثار ضارة على التحكيم والمحكم نفسه مع هدم أسس العدالة الناجزة. وننصح بعدم القبول والابتعاد التام عن التحكيم وقفل بابه تماما ومهما كانت درجة عدم توفر الحياد والاستقلال. ان قول “لا” في مثل هذه الحالات يكون هو القرار الصائب ولا بد من توفر الشجاعة لقول “لا” حتى يسير التحكيم لغاياته النبيلة في تحقيق معاني العدالة العادلة بعيدا عن تضارب المصالح والرغبات الذاتية.
وفي ما يخص كيفية السير بإجراءات التحكيم للوصول بسلام للغاية النهائية وفي الوقت المحدد، كان هناك شبه اتفاق على ضرورة اعداد جدول واضح بسير الاجراءات من البداية حتي صدور القرار النهائي النافذ. ويجب على كل محكم المشاركة بفعالية في هذا الاعداد الفني وتجهيز نفسه للمشاركة في المناقشات والمداولات وفحص المستندات والشهود وغيرهم.. مع ضرورة استيعاب الأمور القانونية وكل الوقائع المرتبطة بالنزاع حتي يلعب كل محكم دوره في صياغة القرارات، ولسوء الحظ هناك من يأتي للقاعة وهو غير جاهز وغير مرتب وغير مستعد لمعركة العدالة.. ومن الطبيعي أن تكون مشاركة هذا المحكم غير فاعلة اذ أتى بشخصه فقط وهو غير جاهز وخالي الوفاض.. ومثل هذا الموقف غير المقبول يربك الجميع ويؤثر عليهم سلبا ويحطم روح الفريق وأبجديات المهنة.
لا نستطيع في هذه العجالة تناول كل ما تم في هذا التجمع المهم، ولكن، أشرنا لبعض المعطيات العامة التي لا بد من الإلمام بها للاسترشاد والعمل بموجبها للوصول بالتحكيم لنهاياته بصورة سلسة وسليمة. مع أمل أن نعود لاحقا لذكر المزيد من التجارب الثرية التي تم تقديمها بواسطة دهاقنة ورواد وخبراء مهنة التحكيم. ولنعمل لهذا.