صفقة القرن: قراءة خاطئة لمتغيّرات صحيحة !!

د.صلاح أبونار –

وصل جاريد كوشنر إلى المنطقة العربية يوم 17 يونيو الماضي في زيارة استغرقت أسبوعا، انطلقت من الأردن وانتهت بإسرائيل مرورا بمصر والسعودية وقطر. وعندما نرصد وقائع الزيارة يمكننا رصد مفارقات عديدة وذات دلالة.

كان من المعلن قبيل الزيارة أن الصفقة انتهى إعدادها وستعلن قريبا، ولكن خلالها تقرر تأجيل الإعلان. وخلال الزيارة التقى كوشنر، بقادة الدول الخمس ولم يلتق بالقادة الفلسطينيين الذين رفضوا الاجتماع به. ورغم زخم الزيارة الإعلامي، وحالة الترقب السائدة منذ عام، لم يصلنا من مكونات الصفقة سوى عناصر قليلة ومعروفة أصلا. وبينما كان مدخل الصفقة المعلن هو الحل الشامل للصراع العربي – الإسرائيلي، تمحورت مفاوضات كوشنر حول غزة.
وسنجد فيما وصل إلينا من مكونات الصفقة تفسيرا كافيا لتلك المفارقات. فيما يتعلق بالقدس: تظل القدس الشرقية تحت سيطرة إسرائيل، وتصبح ابوديس عاصمة للدولة الفلسطينية، وتنسحب إسرائيل من 3 أو 5 قرى وأحياء عربية تقع شرق وشمال القدس الشرقية، مع احتفاظها بمستوطناتها في محيط القدس. وابوديس بلدة تقع جنوب شرق القدس، وتبعد عن القدس الشرقية 4 كيلومترات. ومنذ عام 2006 فصلت عنها بالجدار الفاصل، وانحسر نطاقها الجغرافي بعد تأسيس مستوطنة معالية ادوميم اكبر مستوطنات الضفة ومستوطنة قيدار. أما المسجد الأقصى فيحق للمسلمين الوصول إليه للصلاة، مع اقتراح نظام جديد لإشراف إسلامي عام على المسجد، بديلا للإشراف الأردني الراهن. وستحتفظ إسرائيل بمستوطناتها في الضفة الغربية، وستصبح مع غزة مقرا لدولة فلسطينية منزوعة السلاح، يتحدد شكلها النهائي عبر المفاوضات. أما حق العودة فهو غير مطروح. وماذا عن مقترحات تبادل الأراضي والنفق بين غزة والضفة السابق تداولها ؟ لا شيء معلن عنها. لكن المؤكد أن تبادلات الضفة الغربية حاضرة بنفس درجة حضور المستوطنات. وبافتراض صحة ما سبق تداوله عن مقترحات تبادل خاصة بسيناء والنقب، فالمؤكد أنها واجهت رفضا مصريا مبكرا، والأرجح انه لم يعاد طرحها.
سنجد غزة في بؤرة ما تسرب من عناصر الصفقة. وفي مقترحات غزة ميزت التحليلات بين مستويين. أول يسعى لمواجهة سريعة لوضعها الإنساني المتردي، عبر تعبئة الدعم المالي العربي، وإعادة بناء البنى التحتية، والتخفيف من الحصار الاقتصادي. ثم عبر إقامة روافع مؤمنة لتواصل النمو الاقتصادي، مثل منطقة تجارة حرة وميناء ومطار. ويشك بعض المحللين في وجود مستوى ثان ضمني داخل تلك المقترحات، يستهدف إيجاد سياقات اقتصادية دافعة لتعميق انفصال غزة السياسي، عبر توجيه عمليات الدعم والإغاثة إلى غزة مباشرة دونما وساطة السلطة الفلسطينية، ثم عبر الروافع الاقتصادية التي تؤمن لها مجالا اقتصاديا مستقلا.
ولكن غزة لم تستمد مركزيتها من المقترحات فقط، بل أيضا وأساسا من الجهد التفاوضي الموازي. في كل العواصم ركز كوشنر على حشد أقصى دعم لمواجهة وضع غزة المتردي. وخلف اللهفة الأمريكية لإنقاذ غزة، سنكتشف تأثير إنذار مسيرات العودة. إنذار بانفجار سياسي وشيك قد يوجد سياقات عنف تدفع إسرائيل لاجتياح غزة، كفيلة بقلب السياق السياسي الراهن والقضاء على احتمالات تمرير الصفقة.
وليس هناك فارق بين ما يطرحه كوشنر وما يصدر عن اليمين الإسرائيلي الحاكم. وإثبات ذلك لا يقتصر على المقارنة، بين تلك العناصر ونظائرها الواردة في خطط هذا اليمين، لكي نكتشف التماثلات العميقة. فهناك مصادر أمريكية تقترح أن ما يطرحه كوشنر، يكاد أن يكون تبنيا حرفيا لآراء رون ديرمر سفير إسرائيل في واشنطون. نقلت آني كاري في صحيفة بوليتيكو، عن كتاب جديد سيصدر لاميلي جين فوكس بعنوان: (ترامب المولود)، إن خطابه خلال حملته أمام « لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (آيباك)، الذي استعرض فيه مواقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وإيران، كان تفريغا شبه حرفي لما قاله رون ديرمر في مكالمة استغرقت ساعة مع كوشنر المكلف بصياغة الخطاب. وتضيف: إن المكالمة جاءت بينما كان كوشنر يصارع لوضع برنامج ترامب الشرق أوسطي، وكانت تشبه حسب تعبيرها «عثور طالب علي إجابة السؤال النموذجي عشية ليلة الامتحان». ورغم عدم تناول المقال للصفقة، يحيلنا ضمنا إليها عبر مؤشرات مقصودة. فهو منشور في نفس تاريخ بدء جولة جاريد، وعنوانه « من أين يأتي جاريد بكلماته؟»، ونقرأ في مطلعه انه كما جرى العرف علي تسمية ديرمر: (عقل نتنياهو)، يمكن تسميته أحيانا (عقل جاريد).
ولكن إذا كان الأمر كما حللناه أعلاه، كيف حسب صانع القرار الأمريكي إمكانية تمرير صفقة بتلك المواصفات؟ وماهي حظوظ تلك الحسابات من النجاح؟ يمكننا رصد تأثير اكثر من عامل.
هناك – أولا – دور تحولات الواقع العربي في أعقاب عواصف 2011، وحسابات صانع القرار لاحتمالات تأثيرها. انهيار سلطة وهياكل ثلاث دول عربية، وتحولات حادة في موازين القوي الإقليمية رافقها تغيرات في أنماط الأدوار السياسية، وتدفقات سياسية دولية عنيفة أخذت الكثير من استقلالية النظام الإقليمي، وتدفقات جهادية عابرة للحدود توطنت وأعادت تشكيل المجالات السياسية الوطنية وأكسبتها طابعا عنيفا. وكان لذلك تأثيره على القضية الفلسطينية. فلقد أقصتها عن راس أولويات الدول العربية، وفي غمار الفوضي والعنف الأهلي، انحسر الالتفاف الشعبي حولها. والأخطر أن إسرائيل وجدت نفسها في مواجهة نظام إقليمي مضعضع ومفتوح، فكك الحصار من حولها ومنحها أدوارا جديدة، ومكنها من بناء تحالفات إقليمية كان يستحيل من قبل تصورها.
وكان من المتصور أن تقود تلك التحولات، إلى قبول بعض عناصر صفقة القرن، كانت محرمة عربيا من قبل، إلا أن ما حدث جاء عكس ذلك. في حواره مع صحيفة القدس الفلسطينية، تحدث كوشنر عن نقاط الخلاف مع القادة العرب، مكتفيا بعبارة ذات معنى محدد: القادة العرب يصرون على دولة فلسطينية عاصمتها القدس. وبديهي انه لا دولة مستقلة بمستوطنات داخلها، وإزالة المستوطنات تعني العودة لحدود 1967. فماذا عن ذلك ؟ يتهرب كوشنر من طرح مواطن الرفض العربي، ليغرقنا في بلاغيات لا تعني شيئا. أين وقع خطأ الحسابات؟ ليس في إدراك المتغيرات، بل في حساب تأثيرها السياسي المحتمل. كان من شأن هذه التحولات أن تدفع لتوسيع وتعميق عملية المصالحة التاريخية التي أطلقتها كامب ديفيد، وان تفتح المجال الإقليمي أمام إسرائيل عبر أدوار وتحالفات جديدة، وان تهمش التصور القومي الراديكالي القديم لإدارة الصراع. لكن لم يكن في مقدورها تحويل المصالحة إلى مصادرة للقضية الفلسطينية نفسها، وتلك المصادرة هي بالضبط ما تسعى إليه الصفقة وتصورت أن لحظتها التاريخية حانت.
وهناك – ثانيا – دور تحولات الواقع الفلسطيني، وحسابات صانع القرار الأمريكي لاحتمالات تأثيرها. يعاني الواقع الفلسطيني أزمة مركبة. إخفاق لمسار عملية اوسلو، وأزمة في شرعية القيادة، وتراجع في قدرة المنظمات على التعبئة السياسية، وتآكل نسبي في هيمنة منظور التحرر الوطني علي الثقافة الوطنية، وتدهور حاد في مستويات المعيشة والتوظيف وصل إلى أوجه في غزة، وانقسام سياسي بين فتح وحماس وجد قاعدة جغرافية مؤمنة لاستمراره.
ولا تكمن المشكلة في وجود التحولات ولا تأثيرها، فالجميع يتفق على وجودها وتأثيرها السلبي، بل في رؤية صانع القرار للتعامل معها. تتمحور تلك الرؤية حول مفهوم للتسوية السياسية، مستمد من مفهوم الصفقات التجارية وعالم التجارة. وسنعثر في حديث كوشنر مع صحيفة القدس على مؤشرات واضحة. تغيب هنا لغة الشرعية الدولية، والسيادة الوطنية، والأرض، والاستقلال الوطني. بينما تتقدم لغة المصالح و الحياة الافضل، وفرص العمل ذات الأجور الافضل. هذه اللغة المجردة في حوار القدس، ستكتسب في سياق أخبار مفاوضات كوشنر حضورا ماديا، عبر الحديث عن الملايين التي ستتدفق ومحطات الكهرباء والأعمار، والمناطق الحرة.. والمشكلة ليست في تلك المقترحات في حد ذاتها، فلا يمكن تجاهل معاناة الفلسطينيين، بل في طرحها في سياق تهميش مطلب التحرر الوطني.
ولكن أي صفقة تجري بين طرفين، ودونما الطرف الثاني لن تتقدم خطوة، وها هي السلطة الوطنية تعلن أنها لن تشارك فيها. فما العمل؟ هنا سيتقدم خطاب الصفقة محاولا حل المشكلة عبر استخدام تقنيات الخطاب الشعبوي، فيلجأ إلى مخاطبة الشعب الفلسطيني بتلك اللغة: انتم تعانون، وتستحقون حياة افضل، وها نحن نمنحكم الفرصة. لكن قادتكم مهتمون بالسياسة، اهتموا بحياتكم وفرص عملكم ومستقبل أطفالكم، وجربوا ما نطرحه عليكم، وادفعوا قادتكم للتجاوب معنا.!!