المواءمة والتوازن بين التراث والمعاصرة

من المعروف، على نطاق واسع، أن من أهم الملامح المميزة لمسيرة النهضة العمانية الحديثة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ انطلاقتها، هو الحرص على تحقيق المواءمة والتوازن بين التراث والتقاليد العمانية الأصيلة من جانب، وبين التحديث والمعاصرة في مختلف المجالات من جانب آخر، ومن ثم فإن التراث والتقاليد العمانية شكلت دوما، ولا تزال تشكل، ركيزة أساسية، وسمة مميزة، في عمليات البناء والتنمية والتحديث في مختلف المجالات، وعلى نحو يحقق الانسجام والتكامل، على مختلف المستويات.
واستمرارًا لهذا النهج الواعي والبعيد النظر، فإنه ليس مصادفة على أي نحو، أن تجمع كل المشروعات العمرانية، السكنية والخدمية، بين متطلبات العمارة الحديثة وبين السمة التراثية العمانية، في تمازج وتناسق جميل، والأمثلة في هذا المجال عديدة ومتنوعة، كما أنه لم يكن مصادفة كذلك أن تقوم الهيئة العامة للصناعات الحرفية بجهود عديدة، ليس فقط للحفاظ على الصناعات الحرفية العمانية وتسجيل عدد متزايد منها في سجل التراث العالمي، ولكن أيضا لتطوير الكثير من تلك الصناعات، وبما يحافظ على طبيعتها وسماتها العمانية الأصيلة في الوقت ذاته، وتقوم الورش والمصانع التابعة للهيئة العامة للصناعات الحرفية بدور كبير في تدريب الحرفيين والعاملين في هذا المجال من أبنائنا وبناتنا في مختلف محافظات السلطنة، وعلى نحو يجعل من المنتجات الحرفية منتجات تراثية وسياحية، وموردًا اقتصاديا، ذا عائد مناسب للعاملين فيه وبما يفيد الاقتصاد الوطني أيضا .
وفي هذا الإطار، فإن موافقة مجلس الدولة على اقتراح لجنة «الثقافة والإعلام والسياحة » في المجلس، حول التحديات التي تواجه الحرف التقليدية في السلطنة وسبل معالجتها، وتأكيد المجلس على صياغة استراتيجية وطنية لتطوير وتنمية الصناعات الحرفية ودمجها في القطاعات الصناعية ضمن « رؤية عمان 2040 »، تتسم بالكثير من الأهمية، وذلك في ضوء الجوانب والإجراءات والخطوات المطروحة، والتي تمت مناقشتها من جانب أعضاء مجلس الدولة لدفع وتطوير قطاع الصناعات الحرفية في السلطنة، وزيادة إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة أهميته الاقتصادية والاجتماعية والسياحية بالطبع، خاصة وأن هذا القطاع تتوفر له إمكانات عديدة يمكن الاستفادة منها، بما في ذلك عملية المسح والتوثيق التي قامت بها الهيئة العمانية للصناعات الحرفية، والتي تشكل ركيزة وأساسًا لقاعدة معلومات مفيدة في مجال الاستثمار والتطوير والترويج لهذه الصناعات وحمايتها أيضا .
من جانب آخر فإن مما له دلالة عميقة أن يتزامن مع ذلك، التوقيع على اتفاقية شراكة استراتيجية بين شركة « عمران » الذراع التنفيذية لتنمية القطاع السياحي في السلطنة وبين مجموعة « ماجد الفطيم » لتطوير المرحلة الثانية من مدينة العرفان في مسقط، وباستثمارات تصل إلى خمسة مليارات ريال عماني، أي نحو 13 مليار دولار» وعلى مساحة 4.5 مليون متر مربع لإنشاء وتطوير وجهة متكاملة تشكل المركز الحضري الجديد للعاصمة مسقط، وهو مشروع ضخم ومتعدد الجوانب والمراحل ويمتد على مدى عشرين عاما، ويبدأ العمل مع نهاية هذا العام، ومن ثم فإنه يشكل إضافة اقتصادية واجتماعية وسياحية، تسهم في الوقت ذاته في تحقيق التكامل بين الجوانب التراثية العمانية وبين متطلبات التحديث، وهو ما نجحت فيه مسقط على مدى السنوات الماضية.