فلسطين .. مقاومة قانونية ودبلوماسية دؤوبة وتأييد عالمي

مختار بوروينة –
mokhtarbourouina@yahoo.fr –

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة غير ملزمة للدول الأعضاء لكنها تكتسب أهميتها من كونها وسيلة ضغط دبلوماسية ومعبرة عن اتجاهات الرأي العام العالمي للدول الأعضاء.
وأخذ قرار الرفض إجماعا دوليا ضخما ، ووقفت إسرائيل والولايات المتحدة وعدد قليل من الدول في مواجهة المنظومة الدولية ، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد خسرت المواجهة.
تتوالى الخسائر الدبلوماسية والسياسية لإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة على المستوى الدولي في سياق تضافر الجهود الفلسطينية والعربية لتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة والتي تجسدت ، الأربعاء 13 يونيو الماضي ، بإقرار أممي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بموافقة 120 دولة واعتراض 8 وامتناع 45 دولة أخرى عن التصويت ، وفي المقابل فشلت الولايات المتحدة في الحصول على تأييد ثلثي الأعضاء على الأقل لتمرير تعديل على قرار يدين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» ويعتبرها الطرف المتسبب في تدهور الوضع في قطاع غزة.
وصف الرئيس الفلسطيني اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار يدعو إلى توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ، بأنه انتصار للحق الفلسطيني والعدالة والقانون الدولي ، ورغم ما يقال عن ضعف وتفكك الدول العربية إلا أنها وقفت موقفاً موحداً ، وتنتصر في ما يتعلق بتوفير الحماية الدولية لشعب فلسطين ، الذي مضى وقت طويل وهو يطالب بها ، فيما قال وزير الخارجية الفلسطيني أن ذلك يعد نجاحا للدبلوماسية الفلسطينية وللدول الحرة المساندة لفلسطين بتحقيق انتصارين يسجلان ضد الولايات المتحدة ، التي تستمر في عزل نفسها سياسيا خاصة في داخل الأمم المتحدة .
وكانت واشنطن قد استخدمت في وقت سابق ، بقليل من ذلك اليوم ، حق النقض (الفيتو) لإفشال صدور قرار مماثل في مجلس الأمن ، أعدته دولة الكويت العضو بالمجلس ، يدعو لحماية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ويندد باستخدام الاحتلال الإسرائيلي القوة ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة ، على خلفية ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة فيها ، يومي 14 و15 مايو الماضي ، استشهد فيها العشرات وأصيب المئات من الفلسطينيين ، خلال مشاركتهم في احتجاجات قرب السياج الأمني الفاصل بين غزة وإسرائيل .
ولم يمض عليه وقت طويل حتى عادت دول المجموعة العربية برئاسة الجزائر ودول منظمة التعاون الإسلامية برئاسة تركيا لطرح مشروع قرار أممي جديد لتأمين الحماية الدولية للشعب العربي الفلسطيني وإدانة عمليات القتل الإسرائيلية للفلسطينيين الأبرياء في الأراضي الفلسطينية عموما ، وفي قطاع غزة خصوصا ، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة .
وتم تقديم المشروع على أساس قرار «متحدون من أجل السلام» لرفع الصوت عاليا على الحرب المفتوحة ، التي تشنها إدارة ترامب ضد الشعب الفلسطيني ، ووقوفها بشكل واضح مع جرائم الحرب الإسرائيلية ، وتسوق لشراكتها مع إسرائيل في تبديد عملية السلام عبر الجهود الحثيثة لتصفية القضية الفلسطينية.
ويدين القرار الذي تم إقراره قتل المتظاهرين الفلسطينيين علي يد قوات الاحتلال الإسرائيلي ، ويدعو لتوفير حماية دولية للسكان المدنيين في أراضيهم المحتلة حيث إنه ، ومنذ 30 مارس الماضي، يتجمهر آلاف الفلسطينيين في عدة مواقع قرب السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل ضمن المشاركة في مسيرات «العودة» للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948 ، فيما يقمع الجيش الإسرائيلي تلك المسيرات السلمية بقوة مفرطة أدت إلى سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى وسط استنكار وإدانات محلية ودولية واسعة.
مثلما يلزم القرار ، الذي تم إقراره ، الأمين العام للأمم المتحدة ، انطونيو غوتيريس ، تقديم اقتراح بشأن آليات عملية لتنفيذه في ظرف 60 يوما من تاريخ التصويت ، وهو مطالب أيضا بحسب نسخته النهائية بأن يتم اتخاذ اجراءات فورية لوضع حد للانسداد والتضييق الذي تفرضه إسرائيل على التنقل والدخول والخروج من وإلى قطاع غزة بما في ذلك الفتح الدائم لنقاط العبور نحو قطاع غزة لإيصال المساعدات الإنسانية وتنقل البضائع والأشخاص.
إضافة إلى طلب منح مساعدة إنسانية فورية ودون أي عرقلة للسكان الفلسطينيين بغزة ، يحث القرار على تبني إجراءات ملموسة تحسبا لمصالحة بين الفلسطينيين بما في ذلك دعم عمل الوساطة الذي بادرت به مصر قصد توحيد قطاع غزة والضفة الغربية تحت سلطة حكومة فلسطينية شرعية.
وطالب القرار من المجموعة الدولية مضاعفة الجهود قصد توفير الشروط الضرورية لإطلاق مفاوضات ذات مصداقية حول كافة المسائل المتعلقة بالوضع النهائي قصد وضع حد للاحتلال الإسرائيلي والتوصل إلى سلم عادل وشامل ومستدام.
ويرى مراقبون للشأن الفلسطيني بان تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية لصالح القرار يعتبر هزيمة للولايات المتحدة التي تقاتل في الساحات الدولية بالوكالة عن إسرائيل ضمن جهودها القانونية والدبلوماسية بعد قرار الرئيس الأميركي ، دونالد ترامب ، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وتسعى القيادة الفلسطينية في مواجهة الانتهاكات الصهيونية من خلال استراتيجية دبلوماسية وسياسية محددة ، ووضع المجتمع الدولي ومؤسساته في مواجهة مع الأدوات ذاتها التي أقرها هذا المجتمع وحدّدها عبر قانونه الدولي كأساس لحل أي صراع ، وهو ما يعطي المشروعية لمطالبها بتوفير الحماية الدولية لشعبها ، ويعد أمرا مشروعا لأنه يريد من العالم أن يحميه من العدوان ، ومع ذلك فإن دولا مثل أمريكا ترفض مثل هذا القرار.
كما جاء خيار القيادة الفلسطينية للذهاب إلى كل ما هو ممكن من أدوات القانون الدولي (الأمم المتحدة والجنائية الدولية) بعد أن أدركت تماما أن الولايات المتحدة ، بإداراتها المتعاقبة ، لن تعطي الفلسطينيين أي حق أو استحقاق عبر المفاوضات مع إسرائيل حيث يقول رئيس إدارة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة في وزارة الخارجية الفلسطينية ، عمر عوض الله، في حديث صحفي : «نسعى أن يكون المجتمع الدولي ومؤسساته متسق مع أدواته وهي القانون الدولي، وأن تقرر مؤسساته ولجانه أن إسرائيل مجرمة حرب وتمارس النظام العنصري على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة».
في نهاية شهر ديسمبر 2017 عندما أعلن الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب ، عن اعترافه بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، وقرر نقل سفارة بلاده إلى هناك ، صوتت كل دول مجلس الأمن لرفض القرار باستثناء الولايات المتحدة ، وبعد ذلك ذهبت دولة فلسطين إلى جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار قرار «متحدون من أجل السلم» حيث يجوز للجمعية العامة ، عملًا بقرارها المعنون «متحدون من أجل السلام» المؤرخ 3 نوفمبر 1950 أن تعقد «دورة استثنائية طارئة» إذا بدا أن هناك تهديدًا أو خرقًا للسلام أو أن هناك عملًا من أعمال العدوان ، ولم يتمكن مجلس الأمن من التصرف بسبب تصويت سلبي من جانب عضو دائم.
ويمكن للجمعية العامة أن تنظر في المسألة على الفور من أجل إصدار توصيات إلى الأعضاء باتخاذ تدابير جماعية لصون أو إعادة السلام والأمن الدوليين ، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة غير ملزمة للدول الأعضاء لكنها تكتسب أهميتها من كونها وسيلة ضغط دبلوماسية ومعبرة عن اتجاهات الرأي العام العالمي للدول الأعضاء.
وأخذ قرار الرفض إجماعا دوليا ضخما ، ووقفت إسرائيل والولايات المتحدة وعدد قليل من الدول في مواجهة المنظومة الدولية ، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد خسرت المواجهة.