غزوة أحد .. دروس وعبر

الشيخ متولي الصعيدي –

كانت هذه المعركة بسبب حقد قريش ومن على شاكلتهم على المسلمين بعد هزيمتهم في غزوة بدر، حيث كونت قريش في مكة جيشاً اشترك فيه أبناء وأهالي الذين قتلوا في بدر؛ وذلك لينتقموا لهم، وتحالف مع كفار مكة بعض اليهود الذي كانوا يسكنون المدينة، وبدأوا في الاستعداد من وقت هزيمتهم، وأخذوا يتحينون الفرصة لقتال الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فخرجوا وصحبوا نساءهم لتشجيعهم وإثارة الحمية فيهم.

حين يريد الله بنا خيرا يلهمنا مطالعة سيرة سيدنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؛ لأخذ العبرة ومحاولة الاقتداء وفتح الآفاق أمام العقول والقلوب للاهتداء والقرب من الله وطاعته وعبادته وعمارة الأرض على الوجه الذي ينبغي، قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)، وفي الخامس عشر من شهر شوال على أرجح الأقوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية كانت معركة أحد، وهو الجبل الذي يبعد عن المدينة المنورة مسافة خمسة كيلو مترات، وكانت هذه المعركة بسبب حقد قريش ومن على شاكلتهم على المسلمين بعد هزيمتهم في غزوة بدر، حيث كونت قريش في مكة جيشاً اشترك فيه أبناء وأهالي الذين قتلوا في بدر؛ وذلك لينتقموا لهم، وتحالف مع كفار مكة بعض اليهود الذي كانوا يسكنون المدينة، وبدأوا في الاستعداد من وقت هزيمتهم، وأخذوا يتحينون الفرصة لقتال سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فخرجوا وصحبوا نساءهم لتشجيعهم وإثارة الحمية فيهم، وكانت من أشهرهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان التي أصرت على الانتقام من حمزة بن عبد المطلب؛ لأنه قتل أباها وأخاها في معركة بدر، ولما وصل الخبر إلى سيد البشرية -صلى الله عليه وسلم- اجتمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع المسلمين في المسجد ليتدارسوا ما يجب عليهم عمله في مواجهة الكفار وحلفائهم، فخرج إليهم وتلاقوا عند جبل أحد فلم يكن للإسلام أن يجبن ولم يكن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك، بل كان -صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجبل من خلفه والمدينة أمامه، وكانت هناك ثغرة في جبل عينين فجعل عليها عبد الله بن جبير؛ حتى لا يأتيهم منها أحد من وراء ظهورهم، وذلك من حسن إعداده -صلى الله عليه وسلم- وتخطيطه، الأمر الذي ينبغي أن يلتفت إليه المسلم في كل حياته من حيث التخطيط والإعداد لكل شؤونه.

ثم سأل رسول الله –صلى الله عليه وآله– عن حامل لواء المشركين، فقيل نفر من بني عبد الدار فقال: نحن أحق بالوفاء منهم، فدعا مصعب بن عمير من بني عبد الدار وأعطاه اللواء، فكان يحمله أمام النبي -صلى الله عليه وآله-، فمعرفة ودراسة أحوال العدو يساعد بلا شك على النصر، وبعد ذلك خطب رسولنا صلوات الله عليه وسلامه خطبة عن العمل بطاعة الله والبعد عن معاصيه وحفظ الدين والعرض والبعد عن محارم الله، ومن أبرز ما جاء فيها لتعبئة الجيش وإعداد الجند وملاقاة العدو قوله: (إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم)، فكان توجيه القائد -صلى الله عليه وسلم- لهم بما يحمي ظهورهم ويؤمنهم من ورائهم حتى لا يأخذهم عدوهم على غرة.
وعلى الجانب الآخر استعد المشركون أيضا فجعلوا خالد بن الوليد مع خمسمائة رجل على الميمنة، وعكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة رجل على الميسرة، وصفوان بن أمية مع عمرو بن العاص على الفرسان، وعبدالله بن ربيعة على الرماة، وكانوا مائة رام، وكان جيش الكافرين ما يقرب من ثلاثة أضعاف جيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، وبدأ القتال واندفع المسلمون بهتافهم الله أكبر حي على الجهاد، ذلكم الهتاف الذي يزلزل الأعداء زلزالا، وأصبح التراشق بالسهام بداية القتال وبعدها تلاقت السيوف وانتصر المسلمون وانسحبت قريش ومن والاها من ميدان المعركة، وهنا وقعت الكارثة من لحظة ارتفاع الأصوات بالنصر في المعركة، فنسي الرماة نصيحة الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- وشرعوا في جمع الغنائم تاركين أماكنهم فكانت الفاجعة، حيث انتهز خالد بن الوليد وكان لم يسلم وقتها الفرصة سانحة أمانة، فهاجم بمن معه منطقة الرماة والتفوا حول رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وجرحوه، بل وأشاعوا قتله لزلزلة روح المسلمين، ويا لها من مصيبة «مخالفة أوامر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» لحلول الهزيمة بعد النصر، وهنا نتذكر أن هزيمتنا في كل شيء وعلى كل المستويات إنما تكون بمخالفة تعاليم الإسلام قرآنا وسنة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي)، فمن الدروس والعبر المهمة درس الثبات، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قوة عبادته وقربه من ربه سبحانه وتعالى يسأل ربه الثبات ويكثر من قول: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك)، وقال شداد بن أوس (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا كلمات ندعو بهنّ في صلاتنا: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر وأسألك عزيمة الرشد).
والقول الجامع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان حقيقة الإسلام أنه إيمان وثبات (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم).
ومن الأدوار المهمة دور المرأة المسلمة فهي شقيقة الرجل في كل الميادين والأعمال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (النساء شقائق الرجال)، فها هي صحابية جليلة تسمى نسيبة بنت كعب وتكنى بأم عمارة كانت تداوي الجرحى ما إن سمعت خبر قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى حملت السيف وراحت تدافع عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فأصابها أحد الكفار بسيفه وجرحها، فكانت هذه المرأة مثلاً حياً لشجاعة النساء المسلمات في هذه المعركة وفي غيرها من الغزوات والمواقف المختلفة، وفي نفس اللحظة التي انتبه فيها الصحابة للأمر فأسرعوا نحوهم مدافعين عن سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام نادمين على ترك أماكنهم فكان درسا لهم.
ولا ننسى دور حمزة بن عبدالمطلب الذي أبلي بلاء حسنا وجاهد جهادا بإصرار حتي قتل رضي الله عنه، فأطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- سيد الشهداء، لما وقع له من التمثيل بجثته من جانب هند بنت عتبة فأخرجت كبده ولاكتها بأسنانها، فحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه حزنا كبيرا.
لكن النصر بعد أحد كان حليف المسلمين، لأنه نصر للحق والإنسانية وصدق الله تعالى حين قال: (ولا تهنوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم).