تحديات أمام قمة الناتو القادمة !!

عبد العزيز محمود –

بسبب الخلاف حول التجارة والإجراءات الحمائية والعلاقة مع روسيا وإيران فشلت قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التي عقدت في الثلث الأول من هذا الشهر في كندا ، وكان لابد لها أن تفشل. وبسبب الخلافات نفسها تواجه القمة الـ ٢٨ لحلف شمال الاطلسي (الناتو) والتي سوف تعقد في بروكسل يومي ١١ و١٢ يوليو المقبل بمشاركة ٢٩ زعيم دولة تهديدات بأن تلقى المصير نفسه.
فالخلافات التي أشعلتها الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن على الصلب والألمنيوم المستورد من الاتحاد الأوروبي وكندا ، وما تبعها من إجراءات مماثلة من جانب أوروبا وكندا تهدد بنشوب حرب تجارية بين الجانبين. كما أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعادة الدفء إلى العلاقة مع روسيا تثير جدلا مع حلفائه ، بسبب سياسات روسيا في أوكرانيا وتهديداتها لشرق أوروبا ودول البلطيق من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي .
والمؤكد أن تقاسم الأعباء الدفاعية والالتزام بالبند الخامس من ميثاق الناتو سوف يكون مصدرا إضافيا للانقسام ، و ربما يهدد بتصدع حلف شمال الأطلسي ، المنوط به حماية أمن واستقرار أوروبا منذ تأسيسه في عام ١٩٤٩. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف الحلف في السابق بأنه «منظمة عفا عليها الزمن « ، يكثف ضغوطه على دول الحلف لتقاسم نفقات الدفاع لتصبح في حدود ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة قبل حلول ٢٠٢٤. وهو مطلب أقرته قمة الناتو في ويلز عام ٢٠١٤ عقب التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم ، ولكن لم تلتزم بتنفيذه سوى ٨ دول فقط من أصل ٢٩ دولة أعضاء في الحلف .
بل إن الرئيس الأمريكي يربط التزام بلاده بالبند الخامس من ميثاق الحلف ، والمتعلق بالأمن الجماعي ، بالتزام أعضاء الحلف الآخرين بزيادة نفقاتهم الدفاعية ، وزيادة مشترياتهم من السلاح الأمريكي. كما يرفض أن تواصل الولايات المتحدة إنفاق ٤٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على حلف الناتو الذي تقدر ميزانيته بنحو ٩٤٦ مليار دولار والمنوط به حماية أوروبا بينما لا تتجاوز مساهمة ألمانيا ١٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.
وإزاء هذا التشدد قدم الحلفاء الأوروبيون تنازلات في مجال تقاسم الأعباء الدفاعية وزيادة مشترياتهم من السلاح الأمريكي ، كما وافقوا على مطالب ترامب الأخرى المتعلقة بأن يلعب الناتو دورا أكبر في مكافحة الإرهاب ، والأمن السيبراني ، وتسهيل نقل ونشر القوات عبر أوروبا ، وتدريب القوات العراقية والأفغانية.
المرونة التي أبداها الأوروبيون ، استهدفت إنقاذ قمة الناتو المقبلة من الفشل، وهي قمة تكتسب أهمية خاصة نظرا لتركيزها على قضايا تعزيز الدفاع والردع ضد أي عدوان روسي محتمل على أوروبا الشرقية ودول البلطيق. كما تناقش الشراكة الموسعة بين الناتو والاتحاد الأوروبي لتطوير قدراته الأمنية والدفاعية ومساعدته على إنشاء منظمة دائمة للأمن والدفاع الأوروبي «بيسكو» على ألا تكون بديلا لحلف الناتو أو منافسا له.
كما تستهدف القمة تعزيز قدرة الحلف على تحريك قواته في كل أنحاء أوروبا ، ومكافحة الإرهاب وتدريب القوات المحلية ، لدعم الاستقرار في أفغانستان والعراق وليبيا. لكن الرئيس ترامب يريد ما هو أكثر ، فهو مصمم على ربط التبادل التجاري بتقاسم الأعباء الدفاعية للناتو، ويدعو أعضاء الحلف إلى تلبية مطالب واشنطن التجارية دون قيد أو شرط.
كما يطالبهم بتبني مواقف واشنطن نفسها فيما يتعلق بالعلاقة مع روسيا وإيران وسوريا واليمن والصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ، والتغير المناخي والأمم المتحدة. وهي مطالب قد يكون من الصعب على حلفاء الولايات المتحدة الاستجابة لها. فالخلافات تعتبر عميقة بين الجانبين ، حول التجارة والإجراءات الحمائية والعلاقة مع روسيا والاتفاق النووي مع إيران.
لكن الرئيس الأمريكي يواصل الضغط ، مستغلا حاجة حلفائه الأوروبيين للدعم الأمريكي لحماية أمن أوروبا، مما دفع الأوروبيين وفي مقدمتهم ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة للتهديد بإعادة صياغة العلاقات مع الولايات المتحدة ، واتخاذ إجراءات انتقامية ضد التجارة الأمريكية والتمسك بالاتفاق النووي مع إيران.
كما تقود كل من فرنسا وألمانيا توجها داخل الاتحاد الأوروبي يدعو إلى استقلال استراتيجي، ولو نسبي ، لأوروبا من خلال العمل على زيادة القدرة على القيام بعمليات عسكرية بدون دعم أمريكي، وإنتاج أسلحة بدون تكنولوجيا أمريكية ، والمضي قدما في تشكيل منظمة دائمة للأمن والدفاع الأوروبي.
وفي هذا الإطار تعهدت تسع دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة والدنمارك وهولندا وإستونيا وإسبانيا والبرتغال بتشكيل قوة تدخل عسكري أوروبية مستقلة ، يمكن نشرها خلال الأزمات كجزء من مخطط لإنشاء قوة دفاع أوروبية مستقلة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. وهي مبادرة تختلف عن الاتفاقية الدفاعية الأوروبية المعروفة باسم «بيسكو» والتي تشمل كل أعضاء الاتحاد الأوروبي باستثناء المملكة المتحدة ومالطا والدنمارك.
ورغم كل هذه الخطوات ، يدرك الأوروبيون جيدا أنهم لا يمكنهم في الوقت الراهن حماية أمن أوروبا بدون الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر حرصهم على عدم إغضاب الرئيس الأمريكي بطريقة مباشرة ، قد تدفعه للتخلي عن حلف شمال الأطلسي. وحتى ألمانيا التي تتخذ موقفا متشددا في حرب التجارة والعلاقة مع إيران قررت إرسال وفد عسكري إلى واشنطن لمناقشة زيادة مساهماتها في حلف الناتو إلى ١.٥٪ من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام ٢٠٢٤
ويحاول الأوروبيون إقناع الرئيس الأمريكي بالإعلان صراحة خلال قمة الناتو المقبلة ، عن التزام بلاده بالبند الخامس لميثاق الحلف شمال الأطلسي والمتعلق بمبدأ الأمن الجماعي. لكن الرئيس ترامب مصمم على ربط التزام واشنطن بالدفاع عن أي عضو في الحلف في حال تعرضه لهجوم عسكري ، بالتزام أعضاء الحلف برفع حصتهم من الإنفاق وتقاسم الأعباء الدفاعية.
وهو موقف يدعو الأوروبيين للاقتناع بسلامة توجههم نحو الاستقلال مستقبلا عن الولايات المتحدة ، والتقارب مع روسيا والصين ، وتعزيز التعاون الأوروبي في مجالات الأمن والاستخبارات والدفاع. وفي المقابل هناك تقارب صيني واضح، كما تحاول روسيا إقناع الأوروبيين بأنها يمكن أن تكون شريكا جيدا، بشرط رفع العقوبات التي فرضت عليها عقب تدخلها عسكريا في أوكرانيا وعدم تمدد الناتو شرقا حتى لا يشكل ذلك تهديدا لأمنها القومي. لكن الأوروبيين يرون أن أي تقارب مع روسيا يتطلب أولا أن تقوم موسكو بتصحيح الإجراءات التي اتخذتها في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم ، والكف عن تهديد شرق أوروبا ودول البلطيق.
وهي مطالب قد يكون من الصعب على موسكو تنفيذها ، خاصة فيما يتعلق بأوكرانيا والقرم ، مما يدفع الأوروبيين لتعزيز الوجود العسكري للناتو في شمال وشرق أوروبا.
ومع سعي الرئيس ترامب لإعادة الدفء إلى العلاقات الأمريكية-الروسية من أجل إدارة أفضل للصراعات العالمية ، يتصاعد الخلاف حول هذه القضية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين ، باستثناء بولندا وإيطاليا. ويشعر هؤلاء بالقلق من اهتمام ترامب بلقائه المرتقب مع بوتين والذي يفوق اهتمامه بالمشاركة في قمة الناتو المقبلة.
الأوروبيون يرون أن قمة ترامب- بوتين المقبلة تمثل اعترافا أمريكيا بالإجراءات التي اتخذتها روسيا في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم ، واعترافا بالوضع القائم في سوريا، وقد يترتب عليها تعهدات أمريكية بتقييد توسع الناتو في شرق أوروبا. ومن الواضح أن وجهة النظر الأوروبية لا تثير اهتمام الرئيس ترامب ، الذي يبدو مصمما على قلب النظام العالمي والانفتاح على روسيا وإعادة عضويتها إلى مجموعة السبع الصناعية الكبرى ، التي تمثل القوى الكبرى في العالم.
كل المؤشرات تؤكد أن الرئيس الأمريكي الذي يرفع شعار (أمريكا أولا) يهمه بالدرجة الأولى مصالح بلاده ، بغض النظر عن اهتمامه بتماسك حلف الناتو، وهو ما يثير مخاوف من قيام واشنطن بتخفيض مستوي دعمها لحلف شمال الأطلسي. ويبقى السؤال مطروحا في ظل كل هذه التحديات هل تنجح أم تفشل قمة الناتو المقبلة؟