قلق عالمي من الحرب التجارية القادمة

حيدر بن عبد الرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

إن قرار ترامب دفع عدة دول بأن تعبّر حتى اليوم عن تنديدها بالتعريفات الجمركية التي أعلن عنها على واردات الفولاذ والألمنيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك والرسوم التي سوف يفرضها على السلع الصينية. وكان نتيجة ذلك أن ردّ قادة الدول المعنية باتخاذ إجراءات مماثلة على صادرات الولايات المتحدة إلى بلدانهم من عدد من السلع والمنتجات الأخرى، حيث يرى قادة أوروبا بأن مثل هذا القرار يعتبر «غير قانوني»، كما تحدث عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاتفيا مع ترامب مؤخرا، محذرا من أن الاتحاد الأوروبي سيرد «بطريقة صارمة ومناسبة». كما أن بعض المسؤولين في أوروبا يرون بأن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الفولاذ يعتبر أمرا سخيفا، وأنه يؤدي إلى مواجهة كبيرة مع الحليف الأمريكي، فيما يرى آخرون في أوروبا أن الإجراءات الأمريكية (بنيت على الادعاء)، وأن الأنظمة يجب أن تبنى على القوانين الدولية، وأن فرض التعريفات سيؤدي إلى مشكلة عالمية في حالة فقدان آلاف العمال لأعمالهم في قطاعات اقتصادية كبيرة.
أمريكا ترى من جانبها أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك لم تتقدم بالصورة التي تتوقعها، الأمر الذي يهيئها بأن تفرض رسوما جمركية بنسبة 25 % على الفولاذ و10 % على الألمنيوم، مشيرة الى أن باب المفاوضات مفتوح في أي وقت، كما أن هذه الدول من جانبها درست كيفية الرد على هذه الإجراءات الأمريكية الجديدة، حيث أصدر الاتحاد الأوروبي قائمة من 10 صفحات بالسلع الأمريكية التي ستخضع لتعريفات ردا على القرار الأمريكي، وأنه بصدد رفع قضية ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية WTO تجاه الإجراءات المزمع اتخاذها ضد المنتجات الأوروبية. أما كندا فقالت إنها بصدد فرض تعريفة بنسبة 25 % على صادرات أمريكية بقيمة 13 مليار دولار اعتبارا من الأول من يوليو من بينها الفولاذ والألبان والمشروبات الكحولية والقهوة. أما المكسيك فتعتزم فرض تعريفات جمركية على الصادرات الأمريكية من الفولاذ ولحم الخنزير والتفاح و الأجبان. ووفقا لبعض البيانات الإحصائية فقد بلغت صادرات كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي مجتمعة نحو 23 مليار دولار من الفولاذ والألمنيوم في عام 2017 أي نسبة 48 % من واردات الولايات المتحدة من الفولاذ والألمنيوم العام الماضي.
ومع دخول الصين في هذه الحرب القادمة وسط سخط ترامب باستهداف هذه الدولة التي تنمو بصورة كبيرة، فإنها وجهت انتقادات باعتزام واشنطن فرض رسوم جمركية على المعادن، مؤكدة أن أية حرب تجارية قادمة مع الولايات المتحدة في ظل هذه المخاوف يعني كارثة للاقتصاد العالمي، متعهدة في الوقت نفسه وعلى نحو متكرر، بالدفاع عن (حقوقها ومصالحها المشروعة) إذا استهدفتها إجراءات تجارية أمريكية. وقد تعرّض البرلمان الصيني لهذه المسألة في جلسته السنوية مؤكدا بأن الصين لا تريد حربا تجارية، وإنها لن تبدأ هذه الحرب، وأنه لا يوجد هناك فائز من اشتعالها، وأنها – الحرب التجارية – لن تجلب كارثة للصين فحسب، بل أن الولايات المتحدة الأمريكية والعالم سوف يتعرضون إلى نتائجها السلبية أيضا. كما أكد البرلمان الصيني أن الصين باستطاعتها التعامل مع أي تحديات قادمة، وإنها ستحمي مصالحها التجارية بقوة.
وتأتي هذه التطورات نتيجة لإعلان الرئيس الأمريكي مؤخرا فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار سنويا، الأمر الذي يدفع الصين إلى الرد بفرض «رسوم مساوية وبالقوة نفسها»، ما يشير إلى بداية حرب تجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. فالمسؤولون الأمريكيون يشتكون من سياسة الصين الصناعية وتوجهاتها وسياستها التصديرية التي أدت إلى زيادة الفجوة في التجارة الخارجية بحيث بلغت قيمة هذه الفجوة 375 مليار دولار لصالح العملاق الآسيوي.
كما أن أمريكا تؤكد مرارا بأنه لا يمكنها أن تخسر التكنولوجيا والملكية الفكرية لها من خلال ممارسات اقتصادية غير منصفة من قبل الشركات الصينية، حسب وجهة نظرها، وأن فرض الرسوم على بعض منتجاتها ضرورية لمنع المزيد من النقل غير المنصف للتكنولوجيا والملكية الفكرية في الصين، حيث أنها تريد حماية الوظائف الأمريكية. وتجاه ذلك، تعتزم الصين القيام بخطوة مماثلة تجاه الاجراءات ضدها، خاصة وأن ترامب قد حذر بكين من اتخاذ أي إجراءات انتقامية على قراره قائلا أن الولايات المتحدة سوف تستهدف واردات صينية بقيمة 100 مليار دولار إذا ردت الصين، وأن أمريكا ستفرض رسوما جديدة على السلع الصينية والمنتجات الزراعية القادمة منها، أو إقامة حواجز غير جمركية أو اتخاذ إجراءات عقابية بحق المصدرين الأمريكيين أو الشركات الأمريكية العاملة في الصين أيضا. ويرى بعض المحللين أن قرار فرض رسوم جمركية على واردات صينية سيحد بالفعل من تدفق السلع الصينية لأمريكا، وسيؤثر على بعض الصناعات الصينية، وسيخفف العجز التجاري بين البلدين، لكنه ليس في صالح الولايات المتحدة على المدى البعيد، لأنه على المستوى السياسي سوف يضرها، وأنه ضد سياساتها الاقتصادية القائمة على قواعد الحرية والعولمة الاقتصادية.
فمنذ الحرب العالمية الثانية تبين الإحصاءات أن نمو الاقتصاد العالمي مرتبط بحرية التجارة، وأن هذه الحرية هي التي أدت إلى ظهور منظمة التجارة العالمية، التي وسعت من آفاق التجارة العالمية بعد تراجع الحواجز التجارية بين دول العالم، وأدى كذلك إلى نمو الاستثمارات العالمية وإلى ظهور الابتكارات والتقنيات الجديدة.
وحتى الآونة الأخيرة لم يتوقع العالم بأن يأتي الصد للتجارة من دولة صناعية كبيرة كأمريكا، إلا أنه يبدو أن أكبر اقتصاد في العالم يريد التخلي عن هذا الأسلوب التجاري الحر ولو جزئيا . فالعديد من الدراسات تؤكد بأن الحماية الاقتصادية تؤدي في النهاية إلى تقليص فرص العمل وارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلك.
ووفقا لآراء آدم سميث، أبو اقتصاد السوق، فإنه من واجب رب الأسرة أن يحرص على ألا يحاول صناعة شيء في البيت إذا كانت تكلفة صناعته أكبر من تكلفة شرائه. وهذا الأمر ينطبق على الدول أيضا، الأمر الذي يتطلب تعزيز مفهوم حرية التجارة وعدم فرض عقبات أمامها.
فالتوجه العام في الاقتصاد العالمي اليوم هو العمل على تعزيز حرية التجارة، وان إحصائيات منظمة التجارة العالمية الجديدة تشير إلى أن القيود التجارية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ 2008، بيد أن التهديد بفرض تعريفات جمركية جديدة سيؤدي حتما إلى اختلال في العمل التجاري العالمي، لأن حرية التجارة لها فوائد جمة منها انخفاض الأسعار عند المستهلك، وتوفير مزيد من فرص العمل بجانب خفض تكلفة السلع المستوردة، وتقليص الفقر في الدول.
وفي جميع الحالات علينا أن نعلم أيضا بأن أمريكا من خلال مسعاها بشأن التحدث عن الصناعات الرديئة واستيراد السلع الرخيصة فإنها تريد الشر بالدول الصناعية الصاعدة، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى ازدياد معدلات البطالة والفقر بين فئة من الناس وإلى إغلاق المصانع في أماكن معينة من العالم. فرئيس أمريكا يعتقد أن حرية التجارة العالمية لم تكن بالطريقة الصحيحة، وأنها كانت غير متوازنة وفي صالح الاقتصادات النامية على حساب الاقتصاديات الكبيرة، وعلى تلك الدول دفع التعريفات الجديدة لتصحيح هذا الوضع.