ميركل تواجه أكبر خطر على منصبها !!

سمير عواد –

بالأمس القريب مر مائة يوم على فوز المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بولايتها الرابعة وربما الأخيرة كما يقول الكثير من المراقبين في العاصمة الألمانية، وتواجه الآن أكبر خطر يهدد بانقسام الاتحاد المسيحي الذي يجمع حزبها الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري، وإذا حصل ذلك، فإن الائتلاف المسيحي الاشتراكي الحاكم في ألمانيا سوف ينتهي وسوف تجري انتخابات برلمانية جديدة وهذه سابقة في التاريخ الحديث لألمانيا مما يُثير مخاوف الأحزاب التقليدية الكبيرة التي تخشى حصول الشعبويين الألمان على تأييد واسع.
إن ما يجري في برلين من أحداث متسارعة هذه الأيام شيء لا يصدقه العقل. ميركل بالذات، أصبحت تواجه أكبر تهديد لمنصبها، ليس من طرف أحزاب المعارضة وليس نتيجة الشراكة الصعبة مع الشركاء الاشتراكيين، وإنما من قبل هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد المسيحي البافاري الشقيق لحزبها، وزير الداخلية، الذي صعد خلافه مع ميركل حول سياستها تجاه اللاجئين، في إطار خطة يعتقد الكثيرون أن هدفها فوز الحزب البافاري بأي ثمن بالانتخابات القادمة في أكتوبر في ولاية «بافاريا» واستعادة ناخبيه فيها الذين أيدوا حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت بتاريخ 24 سبتمبر 2017 وتسببت بصدمة لقادة الحزب البافاري، الذي أصبح لأول مرة منذ تأسيسه يخشى فقدان انفراده بالسلطة في «بافاريا» التي تُعتبر أغنى ولاية ألمانية بين الولايات الست عشرة.
وكان زيهوفر قد عاند سياسة ميركل تجاه اللاجئين بشدة في عامي 2016 و2017 ومع اقتراب موعد الانتخابات في ولاية «بافاريا» أصبح يشعر أنه في سباق مع الوقت. وقد أمهل ميركل عدة أيام ، حتى تعدل سياستها وتقبل اقتراحه لإغلاق الحدود الألمانية أمام اللاجئين، وتشجيع خطط الإبعاد ضد اللاجئين المرفوضة طلباتهم، والذين ارتكبوا مخالفات. إلا أن ميركل تأمل بالتوصل إلى حل أوروبي لأزمة اللاجئين كي لا يتهمها حزبها ومنتقدوها بالرضوخ للزعيم البافاري. وهذه سابقة في تاريخ ألمانيا حيث لم يسبق وأن هدد عضو في الحكومة المستشار الألماني، بالشكل الذي يتعامل به زيهوفر مع ميركل، لأن الأمر يهدد بانقسام الاتحاد المسيحي، ومعنى ذلك أن حكومتها سوف تفشل وسيعود ذلك بالنفع على الشعبويين الألمان.
في سبتمبر 2015 بدأت مشكلات ميركل التي لم تحسب لها حساب. وكانت في ذلك العام عندما سمحت بعد الاتفاق مع المستشار النمساوي فرنر فايمان للسماح لعشرات الآلاف من اللاجئين الذين كانوا محاصرين في العاصمة المجرية «بودابست»، بمواصلة الطريق إلى النمسا وألمانيا، تأمل بالفوز بجائزة نوبل للسلام، لولا أن جماعة ناشطة في السلام بتونس فازت بها في ذلك العام، ورغم انتشار صور الألمان وهم يستقبلون جموع اللاجئين في محطات القطارات بألمانيا، ويوزعون عليهم الشراب والطعام ويقدمون هدايا للأطفال، كان هذا فرصة للشعبويين الذين استغلوا أزمة اللاجئين للفوز بالانتخابات الإقليمية والبرلمان الألماني «بوندستاج»، حيث توعدوا بملاحقة ميركل حتى يزيحونها عن منصبها.
وكانت ميركل تعتقد قبل عامين بعدما تحولت أزمة اللاجئين من نعمة إلى نقمة، عقب أن خذلها الناخبون الألمان وحزبها وشركاؤها في الاتحاد المسيحي، الذين كانوا ضمن الذين حملوها مسؤولية انتصار الشعبويين الألمان، الذين أصبحوا في هذه الأثناء ثالث أكبر حزب في ألمانيا، قد حاولت تخفيف أعباء اللاجئين عن بلادها، التي تعتبر إضافة إلى السويد، في صدارة الدول التي يقصدها اللاجئون من كل مكان في العالم. وفي نهاية أكتوبر 2015 ظهرت ميركل في مقر المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث كانت تبحث عن حكومات أوروبية تشارك ألمانيا أعباء اللاجئين الذين كان يتوافد الآلاف منهم يوميا على ألمانيا قادمين من اليونان ثم ما يُعرف باسم «طريق البلقان» عبر صربيا وسلوفينيا وكانتا بحاجة ماسة لمساعدات أوروبية لتأمين المساعدة للاجئين خلال توقفهما في أراضيهما. وكانت ميركل في ذلك الوقت تخشى أن تقوم ولاية «بافاريا» بخطوة أحادية بإغلاق الحدود مع النمسا بوجه اللاجئين وحدوث اشتباكات دامية بين اللاجئين وقوات الأمن في بلاد البلقان بعد قطع الطريق عنهم بإجبارهم على العودة إلى اليونان وظلت ميركل تدافع عن سياستها تجاه اللاجئين بحجة الخوف على حياتهم.
الآن وبعد عامين ونصف العام على ظهورها في بروكسل، تحاول ميركل التي تطاردها أزمة اللاجئين بشكل غير مسبوق، البحث عن مؤيدين في الاتحاد الأوروبي لسياستها تجاه اللاجئين وخاصة في النمسا وإيطاليا واليونان والبلقان، وذلك ليس لتقاسم أعدادهم وأعبائهم، وإنما لأن ميركل أصبحت تخشى على منصبها، وذلك أكثر من أي وقت مضى. وقد أمهلها زيهوفر مدة أسبوعين لتجد ما يُسمى بحل أوروبي لأزمة اللاجئين، وحتى ذلك الوقت يسأل كثيرون في برلين ما إذا كانت هذه مهلة لميركل ولمستقبل الشراكة التاريخية بين الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب البافاري، وإذا حصل الانقسام بينهما سوف يتبعه انهيار حكومة الائتلاف المسيحي الاشتراكي. وقال زيهوفر بكل وضوح إذا لم تنجح ميركل بإيجاد حل أوروبي فإن ولاية «بافاريا» سوف تعمل بخطة أحادية وستغلق حدودها مع النمسا بوجه اللاجئين.
وهكذا أصبح واضحا أن أزمة اللاجئين سوف تتصدر مواضيع البحث التي ستبحثها القمة الأوروبية المقررة في نهاية يونيو الجاري، علما أنه كان من المقرر أن تركز القمة على مناقشة مواجهة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإصلاح الاتحاد الأوروبي ويشك الكثير من المراقبين بأن يكون هناك متسع من الوقت لبحث مواضيع غير أزمة اللاجئين التي تشغل الأوروبيين وتهدد بانقسام الاتحاد الأوروبي، لأن دول أوروبية شرقية في الاتحاد، أسست مجموعة «فيزيغارد» من التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا، التي ترفض سياسة ميركل تجاه اللاجئين وتعتبر نفسها في زورق واحد مع زيهوفر والشعبويين الألمان. وأثار ترامب غضب الكثير من الألمان عندما غرّد أخيرا وكتب أن ما يجري في برلين من خلاف بين ميركل ووزير الداخلية في حكومتها، يعبر عن معارضة الألمان لحكومة ميركل بسبب سياسة اللاجئين. واعتبر الألمان هذا تدخلا في شؤونهم الداخلية. أصبحت ميركل جريحة وتواجه أكبر تهديد منذ استلامها منصبها في نوفمبر 2005، وتعرف أن فرصتها ضعيفة جدا في إقناع الأوروبيين بحل أوروبي لأزمة اللاجئين، فقد فقدت الكثير من النفوذ في الاتحاد الأوروبي، وإذا سعت إلى هدف فإنها مضطرة للتعاون مع باريس ولندن لتحقيقه، وأصبح لها منتقدون كانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لخسارتها منصبها، واليوم يرون أن ذلك اصبح ممكنا أكثر من أي وقت مضى.