قائد عماني: الإمام ناصر بن مرشد (30)

حمود بن عامر الصوافي –

ينقض البرتغاليون كعادتهم العهود، ويأبوا من دفع الجزية، والالتزام بالاتفاقات السابقة، اعتقادا من القائد الجديد أنه ليس كسلفه، وأن ثقة لشبونة به ستظهر عما قريب.

 يأمر الإمام بالزحف من جديد نحو العاصمة مسقط بقيادة الشيخ الفقيه: مسعود بن رمضان النبهاني حتى نزلوا بطوي الرولة في مطرح، فخرج إليهم البرتغاليون، فتعاطوا كؤوس الحمام، وعظم بينهم الالتحام، وثار الغبار من هول المعركة واشتد اشتباك الفريقين، فنصر الله جند الإمام حتى اضطر البرتغاليون إلى عقد صلح مهين، ألزموا بدفع 200 ألف (بارادوس) لحكومة الإمام ناصر، وهدم التحصينات البرتغالية في صور أو قريات أو مسقط، وإزالة القلعتين العربية والبرتغالية في مطرح، وجعل مطرح منطقة محايدة حرة التجارة، ولا تدفع أية رسوم للبرتغاليين من العرب والمسلمين، وأن يعامل البرتغاليون المسلمين معاملة حسنة.
يعود الإمام منتصر إلى مقر حكمه، وقد استقبل بالأهازيج والأفراح على هذه الانتصارات الساحقة، كل يعبّر عما وقر في نفسه من فرح وسرور وغبطة لما قام به أبناء عمان من أمجاد وقائدهم المفدّى.
لقد لاح نور الحق والرشد قد بدا
              وأشرق برهان الإمامة والهدى
وأصبح ركن الغي والجهل طامسا
        وركن الهدى والدين أضحى مؤيدا
وأمسى به الدين الحنيف أبلجا
   وما انفك دين الشرك والإفك أسودا
دخل الشيخ الشقصي على الإمام منشرح الصدر، طيب البال، سعيد الحال، مالي أراك سعيدا يا إمامنا؟
لا شيء شيخي، ولكني أرجو أن يتمم خلفي هذا الأمر، فما زالت علة في البلد فلن تستقيم حتى تطرد، وترمى خلف المحيطات؟ الأيام المقبلة مرهونة بتحركنا يا إمامنا أرجو من الله ذلك يا شيخي، وإن كنت أشعر أن أجلي قريب، وأن مهمتي في هذه الدنيا قد أوشكلت على الأفول وأن شوقي لمقام المصطفى أحسبه يعجل منيتي… فما بعد الكمال إلا النقصان.
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
ما زلت شابا يا إمامنا، وندعو الله أن يبقيك حيا حتى تخلّص هؤلاء النفر القلائل من شرهم وأحقادهم.
 يا شيخي، لا ندري متى يحين الأجل، ولكن شعور الشوق يشدني إلى مقامات الأنبياء والصحابة الكرام فلا أوصيك شيخي في خلفي فأنتم أهل لذلك، وأعرف من تضعون مكاني.
شعور غريب ينتاب الشيخ الشقصي من كلمات الإمام، وكأنه يتراءى له ما يحاول أن يغض الطرف عنه، ولكن أنى للأفكار أن تتركه طرفة عين، وأنى للنوم أن يدعه قرير العين.
 فعمان أهم من أي مهم ، فما بذل خلال المرحلة الماضية لا يمكن أن يضيع في لحظات، أو عند أول سانحة لذلك التقى بأهل الحل والعقد، وعرض عليهم ما يجول في خاطره من أمر، ليكونوا على مقربة لو لزم الأمر، أو حصل حدث مهم.
ما هي إلا أيام معدودة، ويصل نعي الإمام إلى عامة العمانيين، والصدمة تكاد تخرس ألسنتهم وتكل حناجرهم من شدة النحيب … إنه بكاء على قامة قل نظيرها، وعجزت النساء أن يلدن مثلها.
 بيد أن ما فعله الإمام للعمانيين، وما قام به، يكشف عن معدن العماني الصافي، ومقدرة أمهاتهم على إنجاب مئات الأئمة والعظماء فليعمل العماني باقتدار، وليكمل مسيرة العظماء بالبذل والعطاء، وليرفع علم عمان شامخا في البر والبحر والمحيطات.