تباطؤ الهجوم على ميناء الحديدة على وقع محادثات المبعوث الدولي في صنعاء

منظّمة الصحة العالمية تدعو إلى ضمان وصول الإمدادات للسكان –
صنعاء- «عمان» – جمال مجاهد – (أ ف ب) –
تباطأ الهجوم الذي تشنه القوات الموالية للحكومة اليمنية للسيطرة على ميناء الحديدة أمس، في وقت واصل مبعوث الأمم المتحدة لليمن مارتن غريفيث مهمته الدبلوماسية في صنعاء سعيا للتوصل الى حل سلمي يمنع الحرب عن شوارع الحديدة بعدما وصلت الى مشارفها.

وفي اليوم الخامس للهجوم، أكد «أنصار الله» للمبعوث الدولي انهم يؤيدون «تسوية سياسية» للنزاع في اليمن، من دون أن يعلنوا عن موقف واضح من إمكانية تسليم إدارة ميناء الحديدة، الهدف الأهم للهجوم، الى الأمم المتحدة.
وشهد محيط مطار الحديدة أمس قصفا متبادلا واشتباكات متقطعة بعد أيام من المعارك، بينما عمد «أنصار الله» إلى قصف مواقع القوات الموالية للحكومة على طول الطريق الساحلي الغربي لليمن، حسبما أفادت مصادر في هذه القوات وكالة فرانس برس.
وتسيطر القوات الموالية للحكومة على الطريق الساحلي من جنوبه وحتى مشارف مدينة الحديدة شمالا عند مدخل المطار الواقع في جنوبها، بينما يسيطر «أنصار الله» على المناطق الداخلية الواقعة شرق الطريق الساحلي.
وكانت القوات الموالية للحكومة بدأت الأربعاء بمساندة قوات إماراتية هجوما واسعا تحت مسمى «النصر الذهبي» بهدف اقتحام مدينة الحديدة، في أكبر عملية تشنها هذه القوات ضد جماعة «أنصار الله» منذ نحو ثلاث سنوات.
وتضم مدينة الحديدة ميناء رئيسيا تدخل منه غالبية المساعدات والمواد التجارية والغذائية الموجهة الى ملايين السكان في البلد الذي يعاني من أزمة إنسانية كبيرة ويهدد شبح المجاعة نحو 8 ملايين من سكانه.
لكن التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن ويضم الإمارات، يرى فيه منطلقاً لعمليات عسكرية يشنّها «أنصار الله» على سفن في البحر الأحمر ولتهريب الصواريخ التي تطلق على السعودية.
ويدعو التحالف الى تسليم إدارة الميناء للأمم المتحدة أو للحكومة المعترف بها دوليا لوقف الهجوم.
ونجحت القوات الحكومية في بداية الهجوم بالوصول سريعا الى مشارف مطار الحديدة، لكنها اصطدمت بمقاومة شرسة من قبل
«أنصار الله».
وأعلنت القوات الموالية للحكومة السيطرة على المطار، في تطور لم تؤكده مصادر في هذه القوات لمراسل وكالة فرانس برس على الأرض ولا التحالف العسكري الداعم لهذه القوات بقيادة السعودية.
كما نفى «أنصار الله» خسارة المطار. ونقلت وكالة الأنباء «سبأ» المتحدثة باسمهم عن مسؤولين قولهم إن صورا تم تداولها في وسائل إعلام قريبة من القوات الحكومية لعناصر داخل المطار هي صور قديمة.
ونشروا تسجيلا مصورا لمسلحين من «أنصار الله» يجولون في سيارات داخل حرم مطار.
وتحدث «أنصار الله» أمس عبر وكالة «سبأ» عن غارات شنتها طائرات التحالف العسكري على عدة مناطق في محافظة الحديدة ومحافظات أخرى، علما أن التحالف لم يعلن عن شن غارات جديدة.
وكان «أنصار الله» نجحوا في قطع الطريق الساحلي في منطقة التحيتا على بعد نحو 100 كلم جنوب مدينة الحديدة بعدما هاجموا موقعا للقوات الموالية للحكومة اليمنية. وتسبّب الهجوم في قطع الطريق بين مدينة الحديدة ومنطقتي المخا (150 كلم جنوب الحديدة) والخوخة (130 كلم جنوب الحديدة) الساحليتين اللتين تضمان مراكز عسكرية رئيسية للقوات الموالية للحكومة.
وقال مصدر في هذه القوات إن المواجهات في التحيتا مستمرة وان الطريق مقطوع، موضحا أن «هذا الأمر أثر على العملية العسكرية» وعلى إرسال التعزيزات من جنوب الطريق الساحلي الى شماله.
وتشهد محافظة الحديدة منذ مايو الماضي عملية عسكرية كبرى للقوات الموالية للحكومة، توّجتها بالهجوم على مدينة الحديدة، مركز المحافظة، الأربعاء الماضي.
ومنذ الأول من يونيو الحالي، نزحت نحو خمسة آلاف عائلة عن منازلها بسبب أعمال العنف التي طالت ستة مناطق مختلفة في محافظة الحديدة، بحسب ما أفاد أمس الأحد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ويشهد اليمن منذ سنوات نزاعا بين القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا وجماعة «أنصار الله». وتدخلت السعودية على رأس تحالف عسكري في 2015 لوقف تقدم ( أنصار الله) الذين سيطروا على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وبعدها على الحديدة.
وتتهم السعودية ايران بدعم «أنصار الله» بالسلاح، لكن طهران تنفي هذا الاتهام.
وستمثل السيطرة على مدينة الحديدة التي يسكنها نحو 600 ألف شخص، في حال تحققت، أكبر انتصار عسكري لقوات السلطة المعترف بها دوليا في مواجهة جماعة «أنصار الله»، منذ استعادة هذه القوات خمس محافظات من أيدي «أنصار الله» في 2015. وتبعد مدينة الحديدة نحو 230 كلم عن صنعاء.
وعلى وقع القصف المتبادل وأعمال العنف جنوب المدينة والتي أدت الى سقوط 139 قتيلا على الأقل من الجانبين، واصل غريفيث في صنعاء زيارته العاجلة الهادفة لمنع الحرب من بلوغ شوارع المدينة.
وقالت وكالة «سبأ» المتحدّثة باسم «أنصار الله» إن «وزير» الخارجية في حكومة «أنصار الله» هشام شرف ونائبه حسين العزي التقيا غريفيث أمس.
ونقلت عن شرف أن الهجوم على مدينة الحديدة هدفه عرقلة «أية احتمالية لاستئناف عمليات المفاوضات للسلام»، مشددا على أن «اليد» لا تزال ممدودة «نحو التسوية السياسية والسلام المشرّف».
وتخشى الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن تؤدي الحرب في مدينة الحديدة الى وقف تدفق المساعدات، لكن السعودية والإمارات سعتا الى طمأنة المجتمع الدولي عبر الإعلان عن خطة لنقل المساعدات في حال توقف العمل في الميناء.
وأدى النزاع في اليمن منذ التدخل السعودي الى مقتل نحو عشرة آلاف شخص وإصابة نحو 53 ألفا في ظل أزمة إنسانية تعتبرها الأمم المتحدة الأسوأ في العالم حاليا. في السياق، قال مستشار الرئيس اليمني وزير الخارجية السابق عبد الملك المخلافي: إن المبعوث الأممي مارتن غريفيث «يبدي تفاؤل في إمكانية الاتفاق مع «أنصار الله» بصورة عامة أو حول الحديدة بصورة خاصة، ولا يستند هذا التفاؤل على أي معطيات حقيقية ولا يأخذ بعين الاعتبار التجارب السابقة معهم، وإنما يستند فقط على وعود غامضة وكلام عام، ومن يعرف (أنصار الله) يدرك أنه لا يزيد عن مناورة».
وقال المخلافي أمس في سلسلة تغريدات على حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، «بعد ما يقارب العامين منذ مشاورات الكويت وما بذل من جهود كبيرة من قبل المبعوث السابق بشأن الحديدة والتعنّت الذي أبدته الميليشيات برفض كل مقترحات الحل التي قدّمت يبدو الترويج اليوم لإمكانية قبول أنصار الله باتفاق ضرب من الأماني أو في أحسن الأحوال مجرّد مناورة معهودة لن توصل إلى شيء».
وشدّد المخلافي على أن الاتفاق المطلوب «يجب أن يشمل انسحاب فوري وكامل وغير مشروط من الحديدة والتزام واضح ومعلن بالاستعداد لتنفيذ القرار الأممي 2216 والانسحاب من المدن ومؤسّسات الدولة وتسليم السلاح قبل الذهاب لمشاورات لوضع التفاصيل وتوقيع الاتفاق، فهل الحوثي على استعداد لذلك الآن ؟!».
وقال «سيقدّم المبعوث الأممي غريفيث خطته للسلام إلى مجلس الأمن وسيكون متسرّعاً إن لم يأخذ بعين الاعتبار التطورات الجارية في اليمن ويحصل على التزامات واضحة من «أنصار الله» بشأن إنهاء الانقلاب وتسليم السلاح والإفراج الفوري غير المشروط عن كافة المختطفين وفقاً لقرارات مجلس الأمن والمواثيق الدولية».
إلى ذلك طالبت «رابطة أمهات المختطفين» بمحافظة الحديدة بإنقاذ المئات من المختطفين والمخفيين قسراً المحتجزين في سجن القلعة القريب من الساحل، وسجن حنيش وسجن البحث الجنائي القريبين من أماكن تتعرّض للقصف الجوي، والعشرات من السجون السرية التي تبتلع أبناءهن أحياءً وتعيدهم إليهن أمواتاً أو مفقودين لا يعلمن شيئاً عن سلامتهم.
ودعت الرابطة في بيان أمس الأمم المتحدة ممثّلة بالمبعوث الأممي إلى العمل لإنقاذ وحماية أبنائهن المختطفين والمخفيين قسراً، كما طالبت المفوّضية السامية لحقوق الإنسان بالوفاء بالتزاماتها الإنسانية بالضغط لإطلاق سراح المختطفين والمخفيين قسراً دون قيد أو شرط، وضمان سلامتهم.
ووجّهت الرابطة نداءً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتواجد بالحديدة إلى جانب المدنيين والمختطفين والمخفيين قسراً، والعمل مع جميع الأطراف لإجلائهم إلى مناطق آمنة، وتمكينهم من حقوقهم الإنسانية.
وحمّلت الرابطة جماعة «أنصار الله» المسلّحة المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة أبنائهن المختطفين والمخفيين قسراً، إذ أنها هي التي قامت باختطافهم واحتجازهم حتى اليوم في مناطق خطرة جداً، وحرمانهم من أبسط الحقوق للنجاة بحياتهم رغم الاشتباكات العنيفة القريبة.
في غضون ذلك، أعرب المدير العام لمنظّمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس عن قلقه العميق بشأن تأثير اشتداد القتال حول مدينة الحديدة على حياة وصحة ورفاه الـ 1.6 مليون شخص الذين يعيشون في المدينة وضواحيها، وعلى شعب اليمن بشكل أوسع.
وقال في بيان أمس: إن ميناء الحديدة يشكّل شريان الحياة الأساسي للبلد، إذ أن أكثر من 70% من جميع الأغذية والأدوية الأساسية ولوازم الرعاية الصحية يتم إحضارها من خلال هذا الميناء.
وأكد غيبرييسوس «نحن نقف مع شركائنا في الأمم المتحدة لكي ندعو جميع أطراف الصراع إلى حماية الميناء، والسماح له بالعمل دون انقطاع. كما ندعو جميع الأطراف إلى حماية العاملين في مجال الصحة ومرافقهم من الأذى، فضلاً عن ضمان وصول الفرق الطبية التي تسعى إلى معالجة الجرحى دون عوائق».