الاقتصاد العالمي بين جديد مجهول وقديم يهتز

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

ترك اجتماع مجموعة السبع الكبار في كندا الأيام الماضية العالم على صورة أسوأ مما كان عليه قبلها. ولا أظن أن الاقتصاد العالمي بسبب كل ما يجري عاش من قبل تحت رحمة المصادفات والتخمينات كما يعيش حاليا. قبل قمة كندا حبس الجميع أنفاسهم في البداية انتظارا لمشاركة ترامب  ونوع التدوينات التي سيطلقها قبل أن يلتحق بالاجتماع، ثم تصاعدت خيبات الأمل أولا لأن ترامب قصر مشاركته في القمة على يوم واحد، ثانيا لأنه كرر فيها ما قاله قبلها عن الذين يعتدون على حقوق عمالنا ومزارعينا ومنتجاتنا ومصانعنا، ودون بذل أي جهد للالتقاء مع الحلفاء في منتصف الطريق، ورغم كل التصعيدات المتناغمة من كل من ميركل وماكرون وترودو – والتي بدت وكأنها متفق عليها – وكان هدفها الضغط على ترامب قبل الحضور ليعرف أن ثمة غضب حقيقي أوروبي وكندى عليه أن يأخذه في اعتباره، إلا أن الرئيس الأمريكي مضى إلى غايته وكأن هذا الزحام لا أحد، وعلى القارئ أن ينظر إلى الصورة التي أدهشت العالم وفيها تجمع القادة وقوفا لمناقشة ترامب الجالس ومحاولة إثنائه عن رأيه بينما جلس هو بوجه جامد تماما وكأنه لا يسمعهم أو كأنه يستهين تماما بما يقولون. ثم اذهل ترامب الجميع ثالثا بسحب توقيعه علي البيان الختامي في واقعة لا سابقة لها علي مر تاريخ المجموعة. ما جرى في كندا ليس كل ما في جراب المقادير، حيث كان المشهد قد تأزم مرات من قبل من لحظة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبى الى انسحاب ترامب من اتفاقيات التجارة عبر الأطلسي ، ومن اتفاق باريس للمناخ ، ثم من الاتفاق الإيراني ، ولكل ذلك تأثيراته الضاغطة على الأوروبيين بحيث إن الساسة هناك على وشك إما أن يفقدوا صوابهم أو يفقدوا ناخبيهم. ويزيد المشهد تعقيدا بقيام الصين برفع درجة تعاونها مع روسيا وذلك خلال قمة كندا بالذات إلى مستوى غير مسبوق في إعلان واضح المغزى عن أن بكين لن ترهن علاقاتها الدولية بمزاج الرئيس الأمريكي وان ظلت ممسكة بشعرة معاوية في العلاقات معه ومع فريقه، وان روسيا أيضا قادرة على تشكيل نظام دولي – بمعنى ما – جديد إذا كان ترامب مصمما على تحطيم الحالي. في تلك الأثناء ظل تردد الشركاء الأوروبيين قائما حيال العقوبات والعلاقات مع روسيا فتارة ترفض الدول الأوربية الرئيسية عودة روسيا إلى مجموعة السبع، وتارة تقول أنها تريد تصحيح أخطاء الماضي في علاقاتها مع موسكو. ويوجد كل ما تقدم وغيره حالة غير عادية ليس من عدم اليقين فحسب – فعصرنا طابعه العام يقين اقل- ولكن أيضا من التذبذبات الحادة القصيرة المدى والاستراتيجية في آن واحد بحيث بات من الصعب على الدول ومجتمعات الأعمال أن تبني قرارا أو تقيم سياسة. إنها حالة تشويش كاملة الأركان. وربما من اجل ذلك فإنها ليست صدفة أن تشهد تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود هذا القدر من التراجع والتقلب في الأشهر الأخيرة بالتحديد وان ترتفع الديون العالمية في معادلة تشبه اللغز. مبعث الحيرة الكبري فيما يجري هو انه لا أحد يستطيع أن يتنبأ هل سيستمر النظام الاقتصادي العالمي والسياسي الذي أقيم  بعد الحرب العالمية الثانية أم يتفكك أو ينهار تحت صيحة ترامب الكبري: أمريكا أولا!.
تارة يبدو أن ثمة أمل وان هدف ترامب من هجماته التويترية والسياسية ليس إلا لتحسين شروط التبادل الأمريكي مع الدول وليس هدم النظام القديم. في ساعة أخرى يرى المعلقون أن ما يقوم به ترامب ويدعمه فكريا بمجهود لافت اقرب معاونيه ومعهم وبأسلوب غريب ومثير «ستيف بانون» الذي يطوف أوروبا – انطلاقا من بريطانيا – للترويج للفكر القومى الاقتصادي والانغلاق وتشجيع الأحزاب الشعبوية والتضييق على الأجانب وبخاصة القادمين من الدول الإسلامية… أقول يرى المعلقون أن كل ذلك ليس مجرد شطحات شخصية أو حيل تفاوضية وإنما هو مسعى لهدم كامل النظام القديم والعولمة الاقتصادية التي صاحبته فعلا حيث يعتقد تيار في الولايات المتحدة أن تلك العولمة أفادت دول كثيرة على حساب الولايات المتحدة .
إزاء هذه الحالة هناك من يعتقد أن الحل هو الصمت ومتابعة ما يجرى بطريقة «يراقب عن كثب». وهناك من يقول إن منهج التشجيع الكروي هو الحل بمعنى تنحية العوامل المنطقية جانبا والتشجيع الحار للفريق /‏‏ الدولة، ورفع الدعوات والابتهالات طمعا في نصر مباغت أو أملا في فرج يأتي من حيث لا نحتسب. ويفكر أناس أيضا في العمل بمذهب يوم بيوم وصفقة بصفقة ومعاملة بمعاملة، أي غض النظر عن كل ما هو طويل المدى إلى أن ينقشع الغبار وتتضح ملامح ما هو آت … آت لكى يستقر أو يعيد الاستقرار. هناك من يأمل في أن يبزغ نظام آسيوي تقوده الصين وروسيا والهند وكوريا واليابان – وهو أمر بات واردا أو محتملا – وقد يكون ركيزة مناسبة في المرحلة الانتقالية للفوضى الراهنة، وإلى أن تتشكل ملامح النظام المقبل، وبالتالي يبني حساباته على هذا الأساس. هناك من يقول إن انبعاثا أوروبيا جديدا ومن رحم المعاناة والإهانات الحالية القادمة من أمريكا هو أمر يمكن، وان القارة التي قيل أنها أصبحت عجوزا يمكن أن تولد مرة أخرى ككيان قائد وقدرة محركة.
وتوضح الاتجاهات السابقة كيف أن الحيرة تضرب أطنابها في كل العالم وفى كل الاتجاهات، وان لا أحد يبيت مرتاحا أو راضيا أو لديه أمل في أن الغد سيكون أفضل. فما العمل في وسط كل هذا الهيولى؟ .
تعطي اتفاقيات الصين وروسيا مؤشرا على نوع الحلول التي يمكن العمل عليها في وقت الأزمات هذا. اقصد اتفاقيات ثنائية مؤثرة وذات معنى أو مغزى. عربيا فقد لفت الأنظار الاتفاقيات التي عقدت بين المملكة العربية السعودية وبين الإمارات في المجالات الاقتصادية والاستراتيجية. نمطان من الحلول يجب التوقف عندهما. في الحالة الأولى فان الاتفاقيات ليست مجرد ترتيب ثنائي وإنما هي طلقة إشارية للتنويه الى أن التكامل الإقليمي الآسيوي قادم وان ما لا يمكن لترامب أن يوقفه هو وفريقه هو هذا النوع من الأعمال، بل إن مثل ذلك التكامل هو بذاته من شأنه أن يغل يد ترامب أو غير ترامب على استكمال مسعاه/‏‏ مسعاهم الى هدم النظام التجاري والمالي والنقدي وبالمجمل الاقتصادي العالمي الراهن.
في اتفاق السعودية والإمارات هناك الكثير مما يمكن قوله عن منافعه وأهميته ودوافعه بيد أن الطرفين لم يعلنا أي موقف يخص الترتيبات الإقليمية والتي منها مجلس التعاون الخليجي أو مؤسسات عربية تحت مظلة الجامعة العربية وان كان المفهوم ضمنا أن البلدين ربما يريدان أن يبعثا بإشارة الى أن لديهما تصورا لعالم إقليمي وعربي من نمط جديد، بيد أن الملامح لم تتضح بعد. من اجل كل ما فات أرى أن الاتفاقيات الثنائية الجيدة والمحسوبة بين الجيران ضرورة حياة في المرحلة المقبلة، وان مقدار نجاحها وتأثيرها سيتوقف على كيفية ربط الثنائي بما هو أوسع أو اشمل ويخص الإقليم أو مجموعات إقليمية، وان قوة الاتفاقيات ستزيد اكثر واكثر إذا ارتبطت برؤية أو بتصور مستقبلي واضح لنمط التبادل والتنسيق والتعاون في القضايا التجارية والاستثمارية والنقدية والمالية والعمالية والمهنية. في النهاية فان قوة اليقين في أن المنطقة تملك أوراقا قوية يمكنها أن تدخل بها مضمار النزاع العالمي حول شكله الجديد وهل يكون قوميا انغلاقيا أو عالميا منفتحا ولكن على أسس اكثر عدالة وشفافية … تدخل بها واثقة من أن لها وزنها وان أحدا لا يمكنه أن يغمطها حقها إذا استخدمت تلك الأوراق ببراعة واقتدار ومصداقية.