تواصل: هذه لا تمثلني!

تونس المحروقية –
hlaa202020@ –

ينشأ الفرد منا وهو مؤمن أن أخلاقياته ومبادئه قد تبنى في المنزل والمؤسسات التعليمية وفي تعاملاته مع مؤسسات وأفراد المجتمع الواقعي المحيط ثم يدخل وسائل التواصل الاجتماعي فيشاهد عوالم من الثقافات بأخلاقيات متعددة منها ما ألفها في منزله ومنها تلك التي ربما لم يعتدها في محيطه، ولم يقرأ عنها في الكتب التي اطلع عليها كما لم يدرسها في المؤسسات التعليمية التي التحق بها.
يدخل الفرد منا هذه المنصات فيبدأ في توقع حجم غزارة المعرفة وقرب التواصل اللذين سيحصل عليهما من كم المنشورات في تلك الوسائل سواء من تلك المنشورات الشخصية أو الأخرى ذات المحتوى العلمي والأدبي والفني وغيرها من المجالات سواء كانت لأشخاص مغمورين، أو آخرين مشهورين أو متخصصين في مجالاتهم العلمية والأدبية والإعلامية والرياضية وغيرها.
في خلال ذلك التجوال المتأمل للجمال سيجد المتصفح لهذه الحسابات عبارات تنتشر كثيرا من نوعية تلك المصطلحات ذات الاستخدام الواسع لدى الأجيال حديثة العمر من ذلك مثلا عبارة “تم قصف الجبهة” سيتوقف المستخدم الجديد لهذه الوسائل متعجبا في بداية قراءته لهذه العبارة، وربما تساءل: كيف تقصف الجبهة؟ ولماذا يتم قصفها؟ وماذا يريد هذا الشخص أن يقول بعبارته تلك؟ وربما اضطر أن يسأل البعض عن معناها حتى يتوصل لفكرتها المتلخصة في أن شخصا عابرا في حساب ما رد على آخر بطريقة جعلت ذلك الآخر لا يستطيع الرد بعدها، وكأنها تعني أفحمه بدحض حجته بالمنطق، ولكن بطريقة قد لا تكون لائقة أو مهذبة في نوعية الكلمات المختارة في “القصف”.
وأسلوب “قصف الجبهة” قد يكون واضحا في الرد على تصريحات المسؤولين الحكوميين، وهو الذي دفع عددا كبيرا منهم لتجنب النشر في هذه المنصات، أو حتى فتح حسابات فيها، كما يتكرر في حسابات أناس من ذوي الشهرة في مجالاتهم المتعددة، وهم الذين قد يتعرضون لهذه التصرفات من أشخاص لا يحبون أعمالهم المقدمة في تلك المجالات، كما قد يتعرض للقصف من يعتقد “القاصف” أنه يتفلسف كثيرا بإظهار المعرفة والعلم في تخصصات مختلفة.
ستتعجب أكثر وأنت تشاهد أن هنالك بعض الحسابات التي تخصصت في رصد حالات “قصف الجبهة” بتصوير المنشورات التي تم فيها ذلك القصف ثم إعادة نشرها في حساباتهم مع الإشارة لحسابات “القاصف” و”المقصوف” ستشاهد حجم التعليقات وإبداء الإعجاب بما قام به “القاصف” وكأنه أنجز إنجازا علميا ينبغي أن يحتفل به، ستشعر أنك قلق على أخلاقك ومبادئك من التأثر بالراغبين في التشفي بالآخرين والمباركين لهذا السلوك، فتؤثر أن تبتعد دون تكملة قراءة بقية التعليقات.
ستخرج من ذلك المنشور لتجد نفسك في حساب آخر يتغذى على ملاحقة فضائح المشاهير وعرض صورهم وواقع حياتهم قبل الشهرة وبعدها، ستشاهد حجم التعليقات على تلك المنشورات ومقدار الشماتة في تلك الفنانة أو ذلك المطرب أو تلك المذيعة الذين افتضح أمر مثاليتهم التي يدعونها، وهم أبعد ما يكونون عنها بحسب تلك المنشورات في ذلك الحساب، ستقول لنفسك: وما علاقتي أنا بكل هذا؟ أليس ما يهمني هو الإبداع الذي يقدمونه في مجالاتهم وليس شكل حياتهم؟ سيدفعك الفضول للبقاء أكثر لمعرفة الجديد عن كل من تابعتهم بحب لفترة طويلة، ولكنك ستقلق أيضا على أخلاقك التي بدأ فضولك يدفعها لما لم تعتده، ستتعوذ من الشيطان ثم تغادر ذلك الحساب.
خلال ترددك في حظر تلك الحسابات من عدمه ستجد نفسك وجها لوجه أمام عبارة منتشرة بالقرب من تلك الحسابات هي عبارة “هذا لا يمثلنا” أو”ذلك يمثلنا” ونفخر به، إذ تطلق هذه العبارات غالبا على البارزين في مشهد التواصل الاجتماعي في بلد معين، ستسأل نفسك: ما معايير المستخدمين لهذه الحسابات في إطلاق تلك العبارة؟ فهل عبارة هذا يمثلنا تطلق على من يتشابهون معنا في مبادئهم وقيمهم وتصرفاتهم؟ إن كان ذلك هو المعيار، فهل نتعامل نحن مع مبادئنا على أنها الأصح والأصلح ونعتبر من يسير على نهجها مستحقا لوصفه بالصلاح وتمثيل الوطن وأبناء الوطن ومن يختار أن يكون شخصية مختلفة بمواصفات بعيدة عن شخصياتنا مستحقا لملاحقته بعبارة هذا لا يمثلنا ونعته بمختلف الصفات المشينة التي قد تستغربها ممن يطلقها، وهو يعرف نفسه كشخص مهذب مع استخدامه مفردات لشتم ذلك الآخر لا يمكن أن تصدر من شخص خلوق نهائيا، ستتركهم في جدال العبارات ومن يمثلهم ومن لا يمثلهم، وستسأل نفسك لماذا نشغل أنفسنا بإصدار تلك الصفات على الآخرين؟ ولماذا لا نؤمن أن كلا منا يمثل نفسه في تلك الحسابات؟ وأن الوطن الذي نتباهى بإظهار انتمائنا له وذلك باختيار من يمثله ومن لا يمثله هناك ليس بحاجة إلى كل هذه المهاترات الكلامية التي لن تقود لأبعد من شحن النفوس بالبغض والكراهية وهذا ما لا يحتاجه أبدا الوطن بين أبنائه.
ستتوقف قليلا لتسأل نفسك هل حظوظك التي تقودك لهذه الحسابات التي تشعر أنك بمتابعتها ستفسد أخلاقك وبعض قيمك؟ أم أن عوالم التواصل الاجتماعي لم تعد تفصل بين الجيد والسيئ، وأنه حتى في الحسابات الجادة التي تتابعها قد تجد فيها ما قد يشبه بعض تلك الأخلاقيات المتمثلة في كلمات غير لائقة وردود غير مهذبة تمعن في قراءتها ثم تنتبه لصوت خفي بداخلك يهز وعيك بقوله: هذه الأخلاقيات لا تمثلني !!