أريج الرمـاد لأمـل رفـعت.. هـيمنـة قضـايا المـرأة

عمّان ـ العمانية: أول ما يلفت النظر في المتوالية القصصية “أريج الرماد” هو عنوانها، إذ تجمع فيه الكاتبة أمل رفعت نقيضين هما “الأريج” الذي يشير إلى الرائحة الطيبة، و”الرماد”، وهو ما يتبقى من اشتعال النار ولا أريج له.
تتناول الكاتبة عبر 24 قصة ضمّتها المجموعة، عالم المرأة وقضاياها، وتعرض المشكلات التي تواجهها المرأة في المجتمعات العربية، ومنها نظرة الزوج وعائلته للمرأة التي لا تنجب الذكر، إذ تعامَل معاملة العاقر.
وتتعرّض رفعت لمشكلة الطلاق، حيث تقدّمها بشكل سردي حميم يعبّر عن مأزق المرأة حينما ينسلّ الرجل من حياتها تاركًا لها أطفالًا يعانون قسوة العيش، كما في قصة “شيك شاك شوك”، وأيضًا في قصة “خارطة البحر”، والتي ترصد حالة امرأة تعيش حالة من القلق وهي تراجع شريط حياتها قرب البحر، وقد مرّت بظروف مختلفة وتعرّضت للطلاق مما جعلها تتطلّع إلى الحرية والانعتاق من قيد الرجل.
ومن المشكلات التي تتعرّض لها المرأة وتناولتها الكاتبة أيضًا، موضوع الخيانة الزوجية، وذلك في قصة “الحمقى” التي تحكي قصة فتاة مثقلة بالخيبات وبعذابات حياة قلقة، بينما لا يتوقف رجلُها عن مطاردة النساء.
وتروي الفتاة وهي على فراش الموت شريطًا متهالكًا من عهد مضى، تسترجع فيه تفاصيل الحكايات التي مرّت بها، وتكشف من خلاله عن مرارات وعذابات سبّبها ذلك” الأحمق” الذي يرتكب الكثير من الخطايا والأخطاء.
وفي قصة “أبيض وأسود”، تسوق الكاتبة الأحداث بيقظة وتمهّل لتعرض لنا عبر لغة طيّعة مشكلة التحرّش، وفيها تذهب طفلة صغيرة لشراء الحلوى، فيتحرّش بها صاحب المحل، وتكون تلك البداية المبكّرة لانتهاك جسد الأنثى، وهي قضية تشتغل عليها الكاتبة بهدوء وحذر.
وقد يكون النص عند أمل رفعت أنشودة عشق للحياة، رغم أدوات القهر التي تعيق تطلّع المرأة لحياة سعيدة بلا منغّصات كما في قصة” بلا مشاعر” التي تقول لنا إنّنا لسنا وحدنا في هذه الحياة، رغم أنّنا مسوَّرون بالحزن والفقد والغياب، حيث يعاود المفقودون في النص الظهور من جديد، وتعود البطلة للتأقلم مع عاداتها الجميلة التي توقّفت عنها، كإطعام الطيور والسلاحف.
وقد تخرج الكاتبة عن صورة المرأة المظلومة وتتّجه نحو رصد فكرة المرأة التي حرّرت ذاتها بالنضال كما في قصة “الحاوي”، فبطلة هذه القصة ناشطة سياسية متمرّدة، تقوم بتوزيع استمارات للتمرّد في الميدان الذي يعجّ بالبشر تحت مروحيات الجيش وطائراته.
وفي قصة “إيلات” أيضًا، تعالج الكاتبة موقفًا وطنيًا، مبتعدة عن هموم المرأة التي هيمنت على المجموعة، فالبطلة في هذه القصة كانت طفلة حين حدثت العمليات العسكرية المصرية التي نفذها ضفادع بشرية من البحرية المصرية واستهدفت سفنًا وناقلات جنود إسرائيلية في ميناء إيلات ضمن حرب الاستنزاف في أعقاب حرب 1967.
وتستعيد البطلة ذكريات أبيها الذي كان أحد أبطال هذه المعركة وخاضها ببطولة منقطعة النظير، وقد كانت الكاتبة موفّقة في تعبيرها عن حبها لأبيها دون أن تتوقّف كثيرًا أمام تفصيلات العمليات العسكرية، فقد كان همها الأول استعادة مشاهد العلاقة التي تجمعهما بصرف النظر عن بطولات أبيها وقدراته في التعامل مع العدو.
وعلى الرغم من أن هذا النص يختلف عن بقية نصوص المجموعة من حيث صورة المرأة وهواجسها وانكسارها وعبوس الحياة لها، إلّا أنه قد يكون مؤيدًا لفكرة وجود نقطة نور في سياق مؤلم، وبما يجعل الحياة أكثر احتمالا رغم العثرات التي تصيب الجنس البشري، لا سيّما المرأة في المنطقة العربية.
في هذه المجموعة التي صدرت عن “الآن ناشرون وموزّعون”، تعالج أمل رفعت قضايا المرأة بشكل حي وفعّال ومؤثر، وبلغة شجاعة تكشف جذور المأساة، وهي تنحاز لفكرة أن تكون المرأة قوية متماسكة، تملك القدرة على اتخاذ قرارها وتنفيذه لتستطيع العيش في عالم مسوّر بإحباطات غاية في القسوة.