عش الضياء: «البصير» .. جل جلاله

اختيارات: منار العدوية –

ورد في القرآن «42» مرة. قال تعالى: «واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير»، المعنى: أنه سبحانه يشاهد ويرى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وأنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها، فهو بصير بأحوال عباده خبير بها بصير بمن يستحق الهداية منهم، ومن لا يستحقها بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال وبمن يفسده.

من واقع الحياة

(اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه)، أفضل حالات المؤمن أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه يعني أن تشعر أن الله يراك، هذه درجة في الإيمان عالية جدا أن تشعر دائما أن الله معك، أن الله معك في خلوتك وفي جلوتك وفي مجلسك، ومع ذكرك ومع نطقك، وفي سفرك وفي حضرك، هذا الشعور المستمر من نِعَم الله العظمى وهو درجة من درجات الإيمان العالية.

السيرة النبوية الشريفة

اجتماع قريش إلى الوليد بن المغيرة: اجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة عند اقتراب موسم الحج ليخرجوا برأي واحد في محمد رسول الله، فإن الناس سيفدون إلى مكة وسيسألون عن الأمر الجديد في مكة، فلا بد من توحيد الكلمة في الرد عليهم، فاجتمعوا إلى الوليد؛ فكان ذا سن وشرف في قريش، فقال لهم الوليد: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيُكَذِّبَ بعضكم بعضا ويرد بعضكم قول بعض، فقالوا: فأنت يا أبا شمس فقُلْ وأَقِمْ لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن؟ قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهَّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون؟ قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخَنْقِهِ، ولا تَخالُجِهِ ولا وسوسته، قالوا: فنقول: شاعر؟ قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر،
قالوا: فنقول ساحر؟ قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحَّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد الشمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمغدق أسفله ومثمر أعلاه وإنه يعلو ولا يعلى، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرِفَ أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر؛ جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته، فتفرَّقوا عنه بذلك، فكانوا يجلسون في الطرقات ولا يمر بهم أحد إلا حذروه من محمد رسول الله وذكروا له أمره وأخبروه أنه ساحر.
رأت قريش توافد الناس على رسول الله يسألون عن الدين الذي جاء به، وتبعه جماعة من أهل مكة، بل تبعه بعض أولاد معاديه، وبطلت حيل قريش جميعها،
فعزموا على محاورة رسول الله حتى يكون ذلك عذرا لهم، فاجتمع جماعة من المشركين ثم قالوا: أرسلوا إلى محمد فكلموه حتى تُعْذَروا فيه ولا يلومكم بعد ذلك فيه أحد، فقال المرسَل لرسول الله: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فَأْتِهم، فظن رسول الله أن القوم قد لانت قلوبهم واقتربت من الإسلام، فلما جاءهم وجلس إليهم كان من ضمن ما قالوا له : فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئِيّا (عارض من الجن) تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

غراس الجنة

آيات المحبة: «لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ»، التفسيـر: لا تقم -أيها النبي- للصلاة في ذلك المسجد أبدًا؛ فإن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم -وهو مسجد (قباء)- أولى أن تقوم فيه للصلاة، ففي هذا المسجد رجال يحبون أن يتطهروا بالماء من النجاسات والأقذار، كما يتطهرون بالتورع والاستغفار من الذنوب والمعاصي. والله يحب المتطهرين. وإذا كان مسجد (قباء) قد أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كذلك بالطريقة الأولى والأخرى.