انتفاضة فلسطينيي غزة واحتمال التهيئة لتغيير المعادلات

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني –

ما زالت مسيرات العودة للفلسطينيين في قطاع غزة تحافظ على زخمها، وسلميتها، وهي على الأرجح، في حال استمرارها، بطريقة مدروسة، على هذا النحو الشعبي والسلمي، ولاسيما في حال شمولها الضفة، وربما مناطق 48، وبلدان اللجوء المجاورة، إذا حدث ذلك، سيكون لها تأثيرها الكبير على معادلات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ما يؤدي إلى معادلات وتفاعلات كبيرة، ربما تتمثل تداعياتها في: أولاً: استعادة الروح لحركة التحرر الوطني الفلسطينية، بعد تحولها إلى سلطة تحت الاحتلال. ثانياً، إطاحة فكرة «الفصل» الإسرائيلية، وفق معادلة: «نحن هنا وأنتم هناك»، وتالياً التخلص من الفكرة التي استمرأها الإسرائيليون عن إيجاد واقع من الاحتلال المريح والمربح لهم، التي تأسست على إقامة سلطة فلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو وملحقاته الأمنية والاقتصادية (1993). ثالثاً، التأثير في إدراكات الفلسطينيين لأشكال النضال الممكنة والمناسبة والفعالة، والخروج من إطار وحدانية الكفاح المسلح، وعدم مساءلة هذه التجربة، ونقدها، أو تقديسها، بإعادة الأمر إلى الأصل إي إلى مقاومة الشعب. رابعاً، التأثير على الإسرائيليين، الذين باتوا يستعيدون مظهراً سبق أن اختبروه في الانتفاضة الأولى (1987ـ 1993)، إذ ثمة فلسطينيون يتظاهرون بشكل سلمي فيما جنود جيش الاحتلال، الذي «لا يقهر»، يطلقون عليهم الرصاص، بدم بارد، وهي الانتفاضة التي كانت أثارت التناقضات في المجتمع الإسرائيلي، وكسرت احتكار إسرائيل لصورة الضحية في الرأي العام العالمي، لصالح الفلسطينيين.

هذه التداعيات، حتى تتطور، ويمكن للفلسطينيين استثمارها سياسياً، تتطلّب عدا عن شموليتها، وتنظيمها، بطريقة لا تخرج عن السيطرة والسلمية، وبالمستويات التي لا تثقل عليهم، أو تحملهم ما لا يستطيعون تحمله، تحت الحصار او الاحتلال، تتطلّب إبقاءها في حيّز الحراكات الشعبية، أي من دون أي محاولة من قبل السلطتين في الضفة وغزة، أو الفصائل، الهيمنة عليها، وإعادة تكرار تجربة السيطرة على الانتفاضة الأولى، أو تجربة إجهاض الانتفاضة الشعبية الثانية، بتحويلها إلى انتفاضة مسلحة؛ والاكتفاء عوض ذلك بالإسناد السياسي والمادي للحراكات الشعبية.
ولعل نقطة ضعف هذه الحراكات تنبع، أولاً، من الانقسام الفلسطيني، بين سلطتي الضفة وغزة، وبين حركتي فتح وحماس، ما يتطلب تحييدها عن هذا الواقع المؤسف، والتعامل معها بمسؤولية وطنية لجهة التأكيد على الحقوق الوطنية الفلسطينية وضمنها الحق في دولة وعاصمتها القدس وحق العودة للاجئين، ورفع الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة. وثانياً، من حال الاضطراب والانهيار الذي تشهده بلدان المشرق العربي، التي تعتبر العمق الحيوي للشعب الفلسطيني، لأن هذا الوضع يفيد إسرائيل بإطلاق يدها في مواجهة الفلسطينيين، ويسهل لها البطش بهم، وهو مسار ينبغي تداركه أو الحذر من الوصول إليه.
أما النقطة الأكثر أهمية هنا فهي تتعلق بمفاعيل تلك الحراكات الشعبية السلمية على الإسرائيليين، والتي تذكر بمظاهرة الـ 400 ألف إسرائيلي في تل أبيب، بعد مجزرتي صبرا وشاتيلا، عقب الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، كما تذكر بالتداعيات التي نشأت معها حركات إسرائيلية متعاطفة مع حقوق الفلسطينيين، مثل حركة السلام الآن، وبيتسيلم، وهناك حد، وحركة الأمهات الأربع، وسيدات في حداد، والمؤرخون الجدد وتيار ما بعد الصهيونية… الخ. وفي الغضون برز عديد من الزعماء والكتاب والصحفيين، الذين يؤيدون حقوق الشعب الفلسطيني، مثل إبراهام بورغ، ويوسي ساريد وعميره هس وجدعون ليفي ويوري افنيري، على سبيل المثال.
ومثلا، فيما يخص الحراكات الجارية وصف جدعون ليفي الجيش الإسرائيلي بأنه جيش الذبح الإسرائيلي، في مقال جاء فيه: «عدّاد الموت ضرب بعنف. قتيل كل نصف ساعة وقتيل آخر وقتيل آخر.. حتى المساء كان هناك 15 جثة و758 مصاباً، جميعهم بالنيران الحية. دبابات وقناصة ضد مدنيين غير مسلحين. هذه مذبحة، لا توجد كلمة أخرى… ماذا كان سيحدث لو أن متظاهرين يهود- إسرائيليين، مستوطنين، حريديين أو غيرهم، كانوا يهددون بالصعود على مبنى الكنيست؟ هل النار الحية المجنونة كهذه من الدبابات والقناصة كان سيتم تفهمها؟ هل قتل 15 متظاهراً يهودياً كان سيمر مرور الكرام هنا؟ …لا يوجد في إسرائيل شيء أرخص من دم الفلسطينيين. حتى لو قتل مائة أو ألف متظاهر..» (هآرتس 1/‏‏4/‏‏2018). ورأت عميرة هس بأن إسرائيل، عبر عمليات القتل في غزة، كشفت وجهها الشرير وتجاوزت شرها المعياري» (هآرتس4/‏‏4). أما حامي شاليف، فاعتبر أنه «للمرة الأولى منذ فترة طويلة، عاد النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني… إلى احتلال مكان مركزي في تقارير وسائل الإعلام الدولية… احتجاجات فلسطينية حاشدة وغير عنيفة، ظاهرا، تجبر الجيش الإسرائيلي على قتل وجرح المدنيين العزل. التشبيه بالمهاتما غاندي، وجنوب إفريقيا، وحتى نضال السود من أجل المساواة في الولايات المتحدة. ستؤطر في نهاية المطاف مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني.» (هآرتس، 2/‏‏4) وبدوره انتقد أوري أفنيري بشده دولته، بقوله: «أنا أخجل من الجيش الذي أقسمت له بالولاء يوم تأسيسه. فهذا ليس الجيش الذي خدمت فيه.. وأنا أخجل من دولتي… تحولت إلى دولة قبيحة.. لا يوجد أدنى شك أن الفلسطينيين هم الذين انتصروا. لم يكن بالإمكان في ذلك اليوم أن تشاهد قناة تلفزة أجنبية دون رؤية الأعلام الفلسطينية وهي ترفرف أمام ناظرينا. بعد سنوات اختفت فيها تقريبا القضية الفلسطينية من وسائل الإعلام الدولية، عادت وبقوة.» («هآرتس»، 4/‏‏4)