الإسراف مرض اجتماعي يقضي على الثروات ويبذرها في غـــير النافع «1-2»

ولا يمنع الإنسان من أخذ بعض الأنواع التي يرفه فيها عن نفسه ولكن كل ذلك بقدر –
تحقيق: أحمد بن علي الذهلي –

يعتبر الإسراف من الآفات الضارة التي تصيب الكثير من المجتمعات، واصبح لها تأثيرها السلبي على حياة الناس، فكما حث القرآن الكريم عن هذه العادة الذميمة، كان للحديث الشريف صمته الواضحة في إرشاد الناس إلى التخلي عن المباهاة والترف والمفاخرة في إقامة المآدب الولائم بشيء من عدم المبالاة بالخيرات وحفظ النعمة التي تستوجب منا المحافظة عليها من الزوال .
وخلال حلقتين سوف نتطرق إلى موضوع الإسراف والتبذير من خلال عدة لقاءات.

اكد الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي أمين فتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن الإسلام حث على الاقتصاد في الإنفاق،ودعا للتوسط فيها من غير إفراط ولا تفريط، ولا بخل ولا إسراف قال الله تعالى : وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) الإسراء، وقال عز وجل : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67)الفرقان، وقال أيضا لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) الطلاق.
وأضاف : كما هو متعارف أن مصطلح الإسراف هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وهو يتجلى اكثر في الإنفاق يقول تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»سورة الأعراف الآية 31.وهذه الآيات الكريمات وغيرها من الآيات الذكر الحكيم ترسم للمسلم الخط الذي يسير عليه في حياته،وهو خط الاعتدال والتوسط،وحتى لا يكون المسلم بخيلا شحيحا مقترا على نفسه وأهله،وممسكا عن إنفاق الأموال في وجوه الخير.

المبذرون إخوان للشياطين

وقال الشيخ إبراهيم الصوافي في حديثه لـ (روضة الصائم) :إن التبذير مرض اجتماعي،يقضي على الثروات ويبذرها في غير النافع،وهو ما يدعو إليه الشيطان،ولذلك حذرنا الله منه،وجعل المبذرين إخوانا للشياطين وقال تعالى : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) الإسراء، وكما حذر الله من التبذير،حذر من الإسراف أيضا وقال سبحانه : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) الأعراف، وشهر رمضان المبارك هو شهر عبادة وطاعة في المقام الأول،وليس شهر طعام وشراب،ومبالغة في إعداد الموائد، نعم نقول لا يمنع المؤمن أن يأخذ نصيبا من الطعام والشراب،ولكن كل ذلك بقدر،على أن الإسراف قد يؤدي إلى مشكلة أخرى وهي رمي الطعام،وإلقائه في القمامة،وهذا فيه كفران للنعمة، والإنسان مسؤول عن النعم،يجب أن يحافظ عليها، ويحذر من يضعها في غير موضعها الصحيح.

عدم الإنفاق في وجوه الخير

وأوضح أمين فتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن الإسراف خاصة في الأكل والشرب،يؤدي إلى أمراض كثيرة مثل : أمراض السمنة والكوليسترول والسكري وتصلب الشرايين وغيرها من العلل التي جمعيها تأتي من العادات غير الصحية من ناحية المأكل والمشرب، واستطرد الشيخ إبراهيم قائلا : مما يعجب له،أن حال الواحد منا، قد يبخل عن الإنفاق في وجه من وجوه الخير كصدقة على المسكين او الإسهام في بناء مسجد، ولكنه بالمقابل لا يبالي أن ينفق الآلاف المؤلفة على الكماليات، والمظاهر، وأيضا فيما يقل فائدته، والعجيب من ذلك أن يقود الإسراف والتبذير صاحبه الى الاقتراض،مما يجعله يغرق في مستنقعات الديون، وأمر الدين خطير فهو مسؤولية في الدنيا والآخرة،(هم بالليل،وذل بالنهار) .
وقد يجر صاحبه إلى القضاء ويعرضه للعقوبة،وفي الآخرة ينال عقوبة أخرى، إن لم يتب إلى ربه،ولذلك جاء الحديث الديني عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي «صلى الله عليه وسلم «قال: ( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )، وهذا يدل على ما تقدم على خطورة أمر الدين، وضرورة الحذر من الوقوع فيه .
وقد وضع لنا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» قاعدة يجب أن نسير عليها في مأكلنا ومشربنا وتصدقنا ومكسبنا قال رسول الله»صلى الله عليه وسلم» كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقول الشيخ إبراهيم الصوافي، أمين فتوى بمكتب الافتاء: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يتسابقون فيه إلى طاعته وأوجب علينا صيامه وحثنا على قيامه، فقال صلى الله عليه وسلم « من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» وقال «من قام رمضان على إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، فيؤمر المسلم أن يغتنم ساعات هذا الشهر المبارك في مزيد من الجهد في العمل الصالح الذي يقربه من الله، وظاهرة الازدحام على الأسواق خلال هذا الشهر هي ظاهرة غير مقبولة وليست بالظاهرة الطيبة لأن ذلك يوحي إلى أن شهر رمضان هو شهر الطعام أو شهر ينبغي أن يخصص له المزيد من الأطعمة وليس الأمر كذلك بل رمضان يجب أن نعد فيه جداول الأعمال الصالحة، ورمضان فرصة للتقليل من الطعام .

شراء الكماليات بالدين

وأضاف : ولا نمنع الإنسان من أخذ بعض الأنواع التي يرفه فيها عن نفسه في هذا الشهر،ولكن كل ذلك بقدر مع الحذر من الإسراف او التبذير والشراء فوق الحاجة لان هذه نعمه ويجب المحافظة عليها والإنسان مسؤول عنها.
كما أن الإنسان ليس له أن يتكلف شراء الكماليات بالدين فإن الدين منهي عنه ولا يدفع الإنسان نفسه للدين إلا في ما لا بد له منه -وهذا ما أسلفت ذكره سابقا_.
وأشار إلى أن رمضان ليس بحاجة إلى هذه الأشياء وإنما هذه نشتريها لأنفسنا، وكثيراً يكون كثرة الشراء سبباً لضياع الوقت أو للتخمة أو الخمول الذي يصيب البدن نتيجة كثرة الطعام وإنما ينبغي للإنسان أن يقتصد وأن يأخذ بقدر.