الـمـؤدون لـزكاتـهم

إعداد: حمادة السعيد –
من الصفات التي تورث جنة الخلد وذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وحث عليها رسوله العظيم صلوات الله وسلامه عليه، إيتاء الزكاة، فهي من أهم مقومات المجتمع المسلم التي تدعو إلى نشر المحبة والإخاء بين طوائفه، ثم فعندما تعطل هذه الصفة وتلك الفريضة إنما هذا يعد إذانا بخلل كبير في المجتمع؛ ولذلك عدها النبي صلى الله عليه وسلم ركنا من الأركان التي بني عليها الإسلام في الحديث المروى من طريق ابْن عمر قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «بني الْإِسْلَام على خمس: على أَن يوحد الله، وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَصِيَام رَمَضَان، وَالْحج « فَقَالَ رجل: الْحَج وَصِيَام رَمَضَان. فَقَالَ: لَا، صِيَام رَمَضَان وَالْحج، هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم».

وَفِي حَدِيث سعد بن طَارق عَن سعد بن عُبَيْدَة: «بني الْإِسْلَام على خمس: على أَن تعبد الله وتكفر بِمَا دونه، وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَحج الْبَيْت، وَصَوْم رَمَضَان « وفي رواية أخرى قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِياً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) رواه البخاري ومسلم. وجميع الروايات في الصحيح، ولأهمية هذا الركن نجده دائما مقترنا بالصلاة في آيات القرآن وفي حديث الحق تبارك وتعالى عن صفات المؤمنين الوارثين للجنة جاءت الزكاة الصفة الثالثة كما قال الله تعالى في مطلع سورة المؤمنون {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ…} لتختتم هذه الصفات أولئك {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
يقول الدكتور حسام الدين موسى فـ»يسألونك عن الزكاة»: فإن الزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل وقد ورد ذكرها مقترنة بالصلاة في كثير من النصوص القرآنية كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ}. وقوله تعالى: {وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. وغير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة. وكل هذا يدل على أهمية الزكاة ومكانتها في دين الإسلام، فهي الركن المالي من أركانه ودعائمه الخمس، ولا شك أن تطبيق نظام الزكاة وفق الأسس والقواعد المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كفيل بحل مشكلة الفقر لدى المسلمين. ولا بد من تصحيح مسيرة لجان الزكاة حتى تصل إلى الهدف المرجو من وجودها».
وهناك فرق بين الزكاة والصدقة، فالزكاة فرض ومحددة بحسب ما يستوجبها كما قال تعالي في سورة المعارج {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}، أما الصدقة فغير محددة وهي من أكبر وأوسع أبواب الخير، وجاءت صفة من صفات أهل الجنة كما في سورة الزاريات {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
يقول ابن القيم في (زاد المعاد) هديه صلّى الله عليه وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها. ويراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه. وقيد النعمة به على الأغنياء. فما أزال النعمة بالمال على من أدى زكاته. بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له.
ثم قال في هديه صلّى الله عليه وسلم في صدقة التطوع: كان صلّى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة مما ملكت يده. وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله، ولا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا أو كثيرا، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان يتنوع في أصناف عطائه وصدقته صلى الله عليه وسلم فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء شيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل بجابر وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها وبحاله وقوله.
فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى.
وكان هديه صلّى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان صلّى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا، فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدور.