التحكيم والحصانة

عبدالقادر ورسمة غالب –
awghalib@hotmail.com –

يعتبر التحكيم من أهم ان لم يكن أهم، الوسائل البديلة لتسوية المنازعات التي تنشأ بين الأطراف. وكقاعدة، التحكيم إرادة الأطراف، وهم بطوعهم واختيارهم يتم الاتفاق بينهم على اللجوء للتحكيم للفصل في ما يطرأ من خلاف أو منازعات. وقوانين التحكيم وأنظمته جميعها، تنص على مبدأ أن التحكيم يمثل الإرادة الحرة للأطراف. وعند اتفاقهم على اللجوء للتحكيم لا يجوز للمحاكم نظر النزاع لأن الأطراف بطوعهم واختيارهم قرروا سلوك طريق آخر بعيدا عن القضاء وأروقة المحاكم للأسباب التي يرونها وحدهم.
في حقيقة الأمر، أن اللجوء للتحكيم يخفف من العبء الثقيل الملقي على عاتق المحاكم. وإذا أراد الأطراف تسوية منازعاتهم بعيدا عن المحاكم، فهذا في نظرنا أمر محمود، وخاصة في المنازعات التي يجوز نظرها أمام هيئات التحكيم. نقول هذا، لأن المحاكم ستتفرغ لنظر القضايا الأخرى وهي في حد ذاتها كثيرة وتتكاثر.
من أهم دعائم التحكيم وأركانه الأساسية، توفر ووجود هيئات تحكيم مستقلة ومحايدة بالإضافة لضرورة أن يكون لديها الكفاءة والمقدرة لإدارة التحكيم حتي الوصول للقرار النهائي. وفي بعض الحالات قد تكون هناك صعوبة في إيجاد المحكم أو أعضاء هيئة التحكيم لعدة أسباب، منها الشخصية أو المهنية أو الخبرة المرتبطة بالتحكيم. وعدم وجود المحكم أو هيئة التحكيم المناسبة المؤهلة، قد يسبب ضررا للتحكيم من حيث لا يحتسب. وبسبب هذا، تم الطعن بالنقض في العديد من أحكام التحكيم وتم إبطالها.
من جانب آخر، نلاحظ وجود كفاءات مقتدرة تتمتع بالخبرة والدراية والدربة لتولي زمام التحكيم وقيادته بنجاح لتحقيق العدالة التي تسعى مهنة وصناعة التحكيم لتثبيت دعائمها خدمة للعدالة الناجزة. ولكن، وهذه حقيقة نجد أن بعض الكفاءات لا ترغب في المشاركة في التحكيم خوفا من العواقب بسبب غياب وانعدام الحصانة للمحكم. وهناك من لا يقبل الدخول في المخاطر ويفضل الابتعاد بنفسه، لأنه لا يملك الحصانة التي تحميه في مواجهة من لا يقبل قرارات التحكيم لأي سبب كان.. ولذا، فان وجود الحصانة للمحكم ولهيئات التحكيم أمر هام ومحوري، لأنه يفتح الباب لشهية الجميع للمشاركة بدون تردد لأن القانون والأنظمة تصبغ عليهم الحماية عبر الحصانة المطلوبة لمثل هذه الحالات.
ونشيد هنا بنظام مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي يتضمن نصوصا خاصة بالحصانات والامتيازات ويفرد لها بابا خاصا في نظام وقانون مركز التحكيم لدول الخليج (دار القرار).
ووفق أحكام هذا النظام فان رئيس وأعضاء مجلس الادارة وأمين عام المركز وأعضاء هيئة التحكيم وأعضاء سكرتارية هيئة التحكيم يتمتعون بالحصانات المتمثلة في الحصانة ضد أي إجراء قانوني وذلك عند ممارستهم لأعمال وظائفهم، الا إذا قرر المركز التخلي عن هذه الحصانة بقرار من مجلس الإدارة. إضافة، للحصانات والمزايا المقررة لأعضاء السلك الدبلوماسي والتي تمنح لهم بمناسبة السفر، كما يعفون من أية قيود على تداول النقد ان وجدت، مع مراعاة أن الفقرة الأخيرة لا تنطبق على مواطني دولة المقر (البحرين).
وعدا الأفراد، فان المركز وجميع أملاكه وأمواله يتمتع بالحصانة ضد أية إجراءات قضائية أو إدارية، وذلك عند ممارسته لأعماله طبقا لأحكام النظام والقانون. وأيضا تتمتع أوراق المركز ووثائقه ومحفوظاته بالحصانة ضد أي إجراء من أي نوع.
وهذه الحصانات الممنوحة لجميع الأشخاص ذوي الصفة، وخاصة أعضاء هيئة التحكيم، وكذلك للمركز والماديات المرتبطة به.. تعطي مركز التحكيم التجاري لدول الخليج في البحرين (دار القرار) وضعا مميزا وسليما ويتماشى مع التوجهات العالمية في هذه المسائل المطلوبة لمنح التحكيم القوة الضرورية للسير بأمان وفي ثقة تامة لإرساء قواعد العدالة بين من يختار اللجوء للتحكيم لحسم المنازعات عبر هيئات التحكيم .. وهم كثر وفي ازدياد متواصل.
ان التحكيم كما يقول العلامة السنهوري، قضاء خاص. وقرار التحكيم بموجب القانون يتمتع بالنفاذ والتنفيذ الكامل عبر كل الوسائل المتاحة بما فيها القضاء والمحاكم. والقضاة بحكم مركزهم القضائي وطبيعة عملهم يتمتعون بالحماية القانونية ولا يستطيع شخص ملاحقتهم قضائيا بسبب أعمالهم القضائية الروتينية السليمة، ولهذا فالقضاة يؤدون دورهم بدون خوف أو وجل من أي طرف. ولذا، فان الحماية مطلوبة كذلك للمحكم ولأعضاء هيئة التحكيم بحكم دورهم.. وهذه الحماية تتوفر في منح الحصانة الضرورية لهم وللدرجة التي تمكنهم من القيام بدورهم دون خوف من الملاحقات القضائية أو غيره طالما التزموا بأداء واجبهم وفق الأحكام القانونية وبدون إهمال أو تقصير أو سوء سلوك.
إن وجود الحصانة، كما بيناها في نظام مركز تحكيم دول الخليج (دار القرار) يشجع الكفاءات للولوج في التحكيم في هذا المركز، وقبول المشاركة في التحكيم حتى نهايته، عند اختيارهم لهذه المهمة القضائية الخاصة. ومن دون شك، فان النص على هذه الحصانة الحمائية يمنح هذا المركز امتيازا خاصا ويفتح شهية كبار أهل التحكيم لقبول المشاركة في التحكيم تحت راية “دار القرار”. ونشيد بالاهتمام الكبير الذي توليه إدارة المركز لتطوير صناعة التحكيم والسعي لتوسيع نطاقه لأهميته البالغة في هذا الجزء الهام من العالم… ولنا عودة مع دار القرار.