دراسة ألمانية : مخاطر متعددة لانسحاب تركيا من الناتو

بقلم: سمير عواد –
كشفت دراسة متخصصة في ألمانيا عن مخاوف حكومات غربية من مغبة انسحاب تركيا من حلف شمال الأطلسي «ناتو»، لاسيما بعد التراجع الخطير لعلاقات أنقرة مع عدد من الدول الغربية الأعضاء في الحلف، وخاصة ألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية، مقابل حصول تقارب ملفت للنظر بين أنقرة وموسكو. واعتبرت الدراسة الألمانية أن الغرب سوف يقع في خطأ فادح إذا ترك تركيا تنسحب من الحلف وهو ما سيؤدي إلى حدوث ثغرات أمنية خطيرة ينبغي تفادي حدوثها.

وقد وضع الباحثون في معهد «السياسة» في برلين (SWP) الذي يزود الحكومة والبرلمان الألمانيين بالتقارير والدراسات والمقترحات حول القضايا والأزمات الدولية، دراسة تتضمن سيناريو حول احتمال انسحاب تركيا من الحلف العسكري الغربي وأوضحوا أن الدوافع هو أن تركيا في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا تشعر أن الحلف يمنحها الأهمية التي كان يعبر عنها خلال الحرب الباردة، حين كانت تحمي البوابة الشرقية للحلف من الاتحاد السوفييتي السابق، وأن الدول الغربية تتدخل في الشؤون الداخلية في بلاده، ولا يساعده الحلف في مكافحة الإرهاب. وعلى العكس من ذلك، حصل تقارب كبير بين أنقرة وموسكو في الفترة الأخيرة ويرى البعض أن ذلك قد يساعد في إيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية.
ورغم عدم قيام تركيا حتى الآن بإعلان انسحابها من الحلف، أو نيتها في ذلك، فإنها صرفت النظر عن الانضمام إلى منظومة الاتحاد الأوروبي، بحيث يعتقد الباحثون في معهد «السياسة» في برلين، أن يتم ذلك لاحقاً. وتشعر الحكومة التركية أنها مهددة من قبل الغرب وتعزز لديها هذا الشعور خلال الاحتجاجات التي وقعت بمدينة «جيزي» عام 2013، حيث حصل المتظاهرون ضد الحكومة التركية على تعاطف كبير من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا الغربية، وبلغ أوجهه في صيف 2016 عندما فشلت محاولة انقلاب حمّل أردوغان غريمه «فتح الله جولن» الداعية التركي، الذي لجأ إلى الولايات المتحدة منذ سنوات، مسؤوليتها ويطالب حتى الآن بتسليمه لتركيا لمحاكمته. وليس هناك ما يوحي أن الأمريكيين يرغبون في الاستجابة إلى الطلب التركي. وفي تلك الفترة ترددت دول الغرب أيضا في الإعلان عن تضامنها مع الحكومة التركية، الأمر الذي ولّد لديها الانطباع بأن الغرب متعاطف مع الانقلابيين. بالإضافة إلى أن ألمانيا ودولا أوروبية أخرى، منحت اللجوء السياسي إلى عشرات الدبلوماسيين والضباط الأتراك الذين تتهمهم تركيا بالتواطؤ مع الانقلابيين وعبرت الحكومة التركية مراراً عن انزعاجها من هذه المواقف.
في هذا السياق، يمكن القول إن العلاقات التركية – الأمريكية، عانت على الأكثر. بينما كانت تركيا تأمل عندما بدأت حملتها العسكرية ضد الفصائل الكردية المعادية لها في سوريا أن يقف الحلف إلى جانبها، كما شعرت أن الولايات المتحدة الأمريكية بالذات تقف مع أعدائها الأكراد، إذ أنها تعمل في تمويل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردي بالسلاح وخدمات التجهيز، فمن وجهة نظر واشنطن، يُعتبر الأكراد قوة ضاربة ضد تنظيم داعش، لكن تركيا تعتبرها- تلك الميلشييات – تابعة لحزب العمال الكردستاني المعارض، وأنها منظمة إرهابية ينبغي مكافحتها بأي ثمن. وتُعتبر محاولات الأكراد الحصول على استقلالهم وإقامة دولة مستقلة بهم، تهديدًا بالنسبة لتركيا وازدادت مخاوفها بعد انتفاضة الأكراد في الشطر التركي من جزيرة قبرص.
وجاء في الدراسة أن احتمالات الانسحاب التركي من«الناتو» سوف تزداد إذا ظل أردوغان في منصبه وسيطر حزب العدالة والتنمية الحاكم على السلطة بعد الانتخابات البرلمانية القادمة. ويرى الباحثون أن أردوغان ليس وحيداً في تشكيكه بموقف الغرب تجاه تركيا، حيث جاء في عملية استقراء للرأي تمت في عام 2017 أن 72 % من الأتراك يعتبرون الولايات المتحدة الأمريكية خطراً على بلادهم، وكان 44% منهم يؤيدون هذا الرأي قبل أربعة أعوام. في المقابل يؤيد 23% من الأتراك استمرار عضوية بلادهم في حلف «الناتو». كما فقد غالبية الأتراك الأمل في انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي رغم الوعد الذي حصلت عليه في عقد الستينيات بالتفاوض معها بشأن العضوية الكاملة وأقصى ما حصلت عليه كان وعدها باتفاقية متميزة مع الاتحاد الأوروبي بينما كُتب عليها أن ترى الاتحاد الأوروبي يفتح باب العضوية إلى الشطر اليوناني من جزيرة قبرص وبلدان أوروبية شرقية فيما استمر الباب موصدا أمامها.
وتعبر الدراسة الألمانية عن القلق من قيام أنقرة بتسريح 25 ألف عسكري بعد الانقلاب الفاشل بعد اتهامهم بتأييد فتح الله جولن، حيث إن كثيرين منهم حصلوا على تدريباتهم العسكرية في الغرب وكانوا يشكلون دعماً قوياً للحلف بسبب قدراتهم وخبراتهم الأمر الذي أصبح يشكل نقطة ضعف في العلاقة بين أنقرة والناتو .
وترى الدراسة انه إذا انسحبت تركيا من الحلف العسكري الغربي سيكون ذلك صفعة قوية للحلف، حيث لم يسبق وأن انسحبت منه دولة وسوف يؤدي ذلك لإضعاف الحلف الذي تعصف فيه الخلافات خاصة بعد دخول دونالد ترامب البيت الأبيض. وبحسب الدراسة سوف يخسر الحلف العديد من المنشآت العسكرية التابعة له في تركيا علاوة على مشاركة تركيا في مهمة حفظ السلام في أفغانستان وسيحصل تقارب أكثر بين تركيا وروسيا وتصبح تركيا دولة شبه معادية للغرب بحسب دراسة معهد «السياسة» في برلين.
ويحذر الباحثون من ترك الغرب تركيا تتخذ خطوة الانسحاب ويقترحون على الحلف العسكري الغربي إيجاد طريقة لإعادة العلاقات لسابق عهدها مع تركيا وتطوير العلاقات معها لأن انسحابها من الحلف يشكل تهديداً كبيراً للحلف بغض النظر عن مواقف بعض دوله لنهج أردوغان.