يوسف الكمالي: لم أجد من حولي شيئا أتغزل به أجـمل من وطني

الإنشاد فن يستهوي الشباب ( 4 )
لا أرى للإنشاد الديني مزية على ما سواه من ألوان الفن المسموع إلا تلك الرســــــــــــــــالة الأخلاقية والاجتماعية –
اجرى الحوار: أحمد بن علي الذهلي –

الشاعر يوسف بن عبدالقادر بن عبدالرحمن الكمالي أحد الوجوه العمانية الشابة التي سجلت حضورها على الساحة المحلية والخليجية من خلال صوت الفصاحة في الشعر، بدأ كتابة الشعر منذ نحو ١١ عاما، ويؤمن الكمالي بأنه قد لا تكون هناك قصة نجاح ، بقدر ما هي قصة حياة استسلم صاحبها إلى شغفه.. واتبع هواه، والشغف الذي أتحدث عنه ليس أكثر من عملية «إزعاج» وانهماك مفرط بمتابعة برامج الشعر مثل: شاعر المليون وقنوات الشعر مثل قناة المختلف والمشاركة بالتصفيق للشاعر الأكثر «إثارة» تلتها محاولات التقليد الأعمى والبحث عن إشباع الحاجة إلى الاهتمام والتقدير في نفسية ذلك المراهق من خلال استعراض الشعر الركيك في مجالس العائلة ومناسباتها وفي إذاعة المدرسة ومسابقاتها، وما زالت تتجاذبه الحوافز والمؤثرات الخارجية ذات الغرور مرة وذات الإحباط أخرى. وجدير بالذكر أن أبي وعددا من أقربائي كان لهم دور بارز في مضي تجربتي الشعرية قدما.
ويحلق الشاعر يوسف الكمالي في حديث خاص لـ(ملحق روضة الصائم) قائلا: لا أرى للإنشاد الديني مزية على ما سواه من ألوان الفن المسموع إلا تلك الرسالة الأخلاقية والاجتماعية وتلك القيم الإنسانية والإسلامية التي ينشدها ويروّج لها، وأعتقد أن كل فن مسموع بلا استثناء يحاول أن يبعث روحا جمالية أو قيمية ما في جسد المجتمع هو إنشاد ديني رائع.

«الحقنا إلى قطر»

وحول تجربته في برنامج فصاحة قال: يبدو أنني بعد ٣ أعوام من البرنامج لا أستحضر تفاصيل تلك التجربة إلا أنني لا أنسى قصة التحاقي بالبرنامج حين كنت في مسندم وتواصل معي الدكتور زكريا المحرمي بشكل طارئ ملحا علي بالمشاركة، وكان اليوم الأخير للتصفيات هو مساء يوم الجمعة، فحزمت أمري وتوكلت على الله وقطعت عناء ذلك المشوار لأصل الساعة الثامنة مساء إلى فندق قصر البستان في مسقط حيث المقابلة، ولكن يبدو أنني تأخرت قليلا، وتم إغلاق الباب وسحب الاستمارات أمام المشاركة والاكتفاء بالعدد الموجود. فذهبت إلى دورة المياه لأفكر ما إذا كان الأمر يستدعي أن أشرح لهم حالتي الإنسانية أو أن أحتفظ بماء وجهي وأعود من حيث أتيت. قررت أن أخبرهم بأنني جئت من مسندم وقطعت مشوار ٥ ساعات فقط من أجل المشاركة وفعلا أشفقت عليَّ اللجنة وقبلت استثنائي لأكون المتسابق الأخير. بضع دقائق من استعراض الأفكار والأشعار كانت كافية ليقول لي الاستاذ عبدالله العذبة: «الحقنا إلى قطر».

تسويق الشعر

سألت الشاعر الشاب يوسف الكمالي عن المقومات الأساسية التي يجب أن تتوفر في الشاعر الفصيح حتى يستطيع الوصول إلى الجمهور فاجاب قائلا: سهولة الوصول تعتمد على الذكاء الإعلامي في تسويق الشعر وقدرة الشعر على تسويق نفسه من خلال ملامسته للمخاطب لغة ومضمونا، نخبا ومجاميع.
ثم انتقلت للحديث عن التحديات والصعوبات التي يواجهها كل من يدخل مجال الشعر فرد كعادته مبتسما: قد تكون أكثر العقبات خطورة هي عقبات نفسية لدى الشاعر بالدرجة الأولى، مثل ذلك التطلع غير الواقعي لانتزاع الأضواء واختراق القلوب (وأن يملأ الدنيا ويشغل الناس) كما فعل الأوائل من خلال الشعر وهذا لم يعد ممكنا كما كان في السابق.. وكذلك تطلعه لأن يكون اسما عظيما وشيئا مذكورا على نطاق واسع وفي وقت قصير.. ومثل هذه الأوهام بطبيعة الحال لن ينال منها الشاعر إلا الإحباط وعدم الاتزان ورفض النقد بكل أشكاله ما ينعكس على تجربته ومزاجه سلبا وربما يجنح بالشاعر للبحث عن مجال آخر لتحقيق ذاته. ولا أنكر أنني مررت بشيء من ذلك (وكان الإنسان عجولا).

استطاعوا أن يخترقوا ذائقة الناس
عدت لأسئله عن وجهة نظره حول توجه البعض نحو الإنشاد الديني، لكنه سرعان ما يحيد عن طريقه فقال مختصرا: الذي لا يعرف ماذا يريد أن يقول للناس. في النهاية سيقول ما يريد الناس سماعه، سألته إذا كان الإنشاد الديني أو لنقل الشعر المتزن أن يؤثر في المجتمع خاصة مع قلة الإمكانيات، وضعف الإقبال عليه في فترة من الفترات، الأمر الذي دفع عددا من المنشدين إلى ترك هذا المجال بدون عودة فأجاب: للأمانة.. لا أعرف. بعض الأصوات تظهر بقوة، لكن سرعان ما تتلاشى رويدا رويدا، إلى أن تسجل غيابا مفاجئا عن الساحة، ترى ما هي الأسباب من وجهة نظرك؟
أكثر الذين أعرفهم من هذا النوع لم يكونوا يعيرون الجودة في أعمالهم اهتماما كبيرا بقدر اهتمامهم وعنايتهم بالتسويق، واستطاعوا أن يخترقوا ذائقة الناس حينا بكثافة الضوء ويعبروا لاوعيهم بضجيج الإيقاع حينا آخر، لكن البقاء في النهاية لما هو حقيقي وأصيل.
• بعض الشعراء والمنشدين يعتذر عن المشاركة في بعض الفعاليات الصغيرة التي تنظمها الفرق الأهلية، على الرغم من أن مشاركتهم في تلك المحافل، وإن كانت بسيطة سوف يساهم في تحفيز الأصوات الناشئة على دخول هذا المجال، ما وجهة نظرك في ذلك ؟
-المشاركة مهما بلغ حجم الفعالية ومهما كانت نوعية المناسبة- هي قضية اختيارية، وكون الإنسان أصبح شاعرا أو مشهورا لا يسلبه حقه في الاختيار بكل حرية، وأنا أعتقد أن الاعتذار عن المشاركة أحيانا يتيح للشاعر أن يبقى على صلة جيدة مع ذاته، وأعتقد أن الانتقائية في المشاركة أمر مهم أيضا خاصة إذا كان ذلك الشاعر أو المشهور مطلوبا بشكل شبه يومي للمشاركة في محفل ما، وخاصة إذا كانت معايير انتقاء هذه المشاركة ستخدم الطرفين فلا ضرر ولا ضرار.

أمر مقبول في نظري
•هل العائد المادي والشهرة هي سبب مقنع في تغير بعض الشباب لرسالتهم ومبادئهم في مجال الانشاد الديني ؟
-لا أعتقد أنه العامل الوحيد؛ لأن الكثير من هؤلاء الشباب لم يكن يمتنع عن الغناء أو تقديم محتوى مفارق لما هو سائد في وسط الإنشاد، الكثير من الشباب لم يكن يفعل ذلك استجابة لمبدأ أو قناعة بقدر ما كان استجابة لرغبة الجماهير في وسط ما، ولما تغير ذلك الوسط واختلف توجه الجماهير تغير ذلك الشاب تكيفا مع هذه المتغيرات،وهذا أمر مقبول في نظري.
• هل ترى أن هناك نوعا من القصور في الفهم لدى بعض شرائح المجتمع العماني، وبعض المؤسسات المجتمع المدني حول اهمية البرامج التي تهتم بالمواهب ومن ضمنها الفصاحة ؟
-أعتقد أن الوعي موجود، ولكن الجهاز الإعلامي والموارد الداعمة له لا تواكب ذلك الوعي، أفترض ذلك وليست لدي معلومات مؤكدة فيما يتعلق بهذا الأمر.
• ما أهم الأعمال التي قدمتها منذ بداياتك وحتى الآن ؟
-قد يكون أحدها: «خارطة عودة إلى عماني مجهول»، وكذلك «نومي على نشرة الأخبار»، وكذلك «أغنية الخليج الثانية». وربما لا تقل أهمية عنها القصائد العاطفية التي شكلت متنفسا لمشاعر الكثير من الناس مثل: «نكاد نهلك يا قلبي من الجوع» و«أطبق على وجه السماء أديما» وغيرها من القصائد الموثقة في اليوتيوب.
•هناك اعتقاد لدى بعض أفراد المجتمع بأن تطور الشعر الديني ساهم في الخلط بينه وبين الغناء خاصة بعد إدراج الموسيقى في العديد من الأناشيد والمؤثرات الصوتية بشكل ملفت. كيف تردون على ذلك؟
-تطور الوعي الديني هو الذي فعل ذلك من وجهة نظري، وازدهار مدارس دينية تنظر إلى الدين باعتباره مجموعة من المقاصد ومجموعة من الأنساق المتآزرة بدلا من النظر إلى كل جزئية منه على أنها وحدة مستقلة وبدلا من النظر إلى الأحكام الشرعية مجردة من سياقاتها ومقاصدها، والذي بدوره ساهم بظهور فتاوى أكثر انفتاحا على الفنون وأكثر تسامحا مع المدارس الفكرية والفلسفية المختلفة في المجتمع.

تجربة جديرة بالنظر والاستفادة
• قدمت مجموعة من الأشعار منها للوطن وأخرى أعلنت توبتك عن الحب ماذا تقول عن ذلك ؟
-أحب أن أتغزل بكل ما هو جميل وأؤمن أن الجمال في حد ذاته غاية كما قال الله ملفِتا إلى إحدى نعمه (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون)، ولم أجد من حولي شيئا أجمل أن أتغزل به من وطني. وما أقوله في الوطن ليس تعبيرا عن انتماء مجرد إلى أرض وإنسان. بل هو تعبير عميق ودقيق أيضا عن مدى إعجابي وافتتاني بما في هذه الأرض من طهر ووئام وبما في هذا الإنسان من خير وسلام. أما زفراتي في الحب فهي فضيحة لا أتورع عن المجاهرة بها صادقا، ولذلك أصف نفسي دائما بالصادق المفضوح !
• وسط الفضائيات المنتشرة، هل نحتاج إلى إطلاق قنوات إسلامية تبث مواد إنشادية على غرار قنوات الأغاني أم أن الموجود يكفي بالغرض؟
-لم أقف على مدى تأثير القنوات الإسلامية على المجتمع، ولكن تجربة قنوات مثل: فورشباب والرسالة واقرأ وغيرها.. تجربة جديرة بالنظر والاستفادة.
• هل يتحمل كتاب الشعر جزءا من قلة المنتج في مجال الإنشاد الديني أم أن هناك وفرة من الشعر واللوم يلقى على بعض المنشدين وعزوفهم عن التنويع في الأعمال التي يقدمونها ؟
-من الذي يقع عليه العتب وهل هناك شح فعلا في إنتاج الأناشيد الدينية، لا أعرف حقيقة على الرغم من عدم اقتناعي بجدوى إيصال رسالة ما في قالب إنشادي في عصر أصبح الغناء فيه هو لغة العالم !
• في الآونة الأخيرة كثرة برامج المسابقات للإنشاد الديني، وترصد جوائز قيمة للفائزين، من وجهة نظركم ماهي الجوانب الإيجابية التي تقدمها والمقترحات لتطويرها؟
-لا ناقة لي في هذا ولا جمل.

أسأل نفسك بعد كل مشاركة

• ومن وجهة نظرك: ما المنطلقات التي يركز عليها الشعراء أو الملحنين في تقديمهم للأعمال التي تخص الإنشاد الديني ؟
-ربما يلتفتون إلى سمعة هذا المنشد وصدى أعماله السابقة وماذا يمكن لإنشاده أن يضيف إلى كلماتهم ومن هي الشريحة التي يستهدفها عمل هذا المنشد.
• الجانب الآخر والمهم، إلى أي مدى يسعى الشاعر المثقف إلى تحقيقه وهل هناك سقف محدد لجميع الطموحات ؟
-أؤمن أن السقف الوحيد الذي يحد الشاعر هو السماء السابعة.
• ما أوجه الدعم التي تراها مناسبة حتى يستطيع الشعر بشكله الإيجابي من النهوض والانطلاقة بشكل أفضل ؟
-تركيز إعلامي نوعي على كل عمل شعري يمكن أن يخدم الإنسان والمجتمع العماني.
• في الأخير، ما النصحية التي تتوجه بها إلى كل من يمتلك الإمكانيات التي تؤهله ليكون منشدا أو شاعرا فصيحا في المستقبل ؟
-اسأل نفسك بعد كل مشاركة، من أنا؟ ماذا أريد؟