معضلات في أسواق العمل

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

شاركت مؤخرا في مؤتمر “سوق العمل الأردني بين الضعف والصمود “ والذي انعقد بالعاصمة عمان يومي 13و 14 مايو الجاري. ناقش المؤتمر مخرجات مسح العمل التتبعي الثاني بالأردن ونتائج مسح موسع عن تأثير اللاجئين السوريين على كل من سوق العمل والتعليم والإسكان والخصائص السكانية بالأردن. ادهش غيري وادهشني بروز ظواهر لافتة لا يمكن القول إن الأردن تنفرد بها وحدها في عالمنا العربي أولها ارتفاع نسبة المتعلمين الجامعيين وفي الوقت نفسه انخفاض مشاركة الشباب حتى سن 29 سنة في سوق العمل ؛ وذهبت بعض التفسيرات الى القول بأن انخفاض المشاركة قد يعود إلى عدم وجود طلب كاف على العمل أو أن هناك طلبا ولكن تتم تلبيته خارج الأردن أي من دول مثل الخليج أو لأن البعض خرجوا من سوق العمل . وسأعود إلى تلك النقطة.
وأعرب الخبراء عن خشيتهم من استمرار رهان الحكومة الأردنية في الاعتماد على القطاع العام أو الحكومي في التشغيل رغم أن حصته في سوق العمل كانت قد تراجعت نسبيا ما يدل على أن صعود دور القطاع الخاص وزيادة الاعتماد عليه كان مرتبطا بفترات النمو القوي لكن ما إن يبدأ التباطؤ الاقتصادي حتى يكون الحل الأسهل هو التوظيف في الحكومة حتى دون اعتبار لمدى قدرة الحكومة على تحمل ذلك في المستقبل وبالتأكيد فإن الأصح والأصعب هو تسهيل ممارسة الأعمال وتغيير السياسات لتحقيق الاستدامة والمؤسف أن الباحثين لاحظوا قلة نصيب الأقل ثروة في فرص العمل الحكومية وهذه أيضا ربما تكون ظاهرة عربية ولا تعليق.
فاجأ الدكتور راجي اسعد الخبير العربي البارز في أسواق العمل والأستاذ بجامعة مينسوتا الأمريكية وزميل البحوث بمنتدى البحوث الاقتصادية الجميع بالقول إن الأردن يكاد أن يكون دولة نفطية بلا نفط حيث تعتمد أعداد هائلة من الأسر على تحويلات ذويهم ويفسر هذا جانبا من مشكلة ضعف نسب المشاركة في سوق العمل التي أشرنا إليها وتستخدم البلاد التحويلات في استيراد عمالة رخيصة حتى في وقت ضعف النمو كما هو حاصل منذ 2009 حتى الآن وقال إن الأردن يعد من بين الدول العربية الأكثر تميزا في التعليم وعليه أن يستمر في ذلك رغم ارتفاع بطالة المتعلمين أو تراجع مشاركتهم في سوق العمل، مضيفا أن المطلوب في ظل هذا الوضع ليس الحد من التعليم الجامعي فأهمية التعليم كما تقول الأمم المتحدة وكما يؤمن الجميع تفوق مسألة المشاركة في سوق العمل ولكن المطلوب وضع استراتيجية تنموية جديدة توجد وظائف ذات قيمة مضافة اعلي وتتيح للمتعلمين أصحاب المهارات المرتفعة ان يجدوا فرصة للمشاركة في سوق العمل واقترح أن تكون الخدمات الجديدة والمعتمدة على التكنولوجيا عماد هذه الاستراتيجية بل وأكد انه افضل للأردن أن توظف الأيدي العاملة الأردنية الماهرة بالداخل مقارنة بتصديرهم وجلب تحويلات، ورأي أيضا أن الاعتماد على التحويلات يقتل الحافز للتصدير ولذلك فإن من الأنفع أيضا أن تسعى الأردن لجعل الشركاء يفتحون أسواقهم لمنتجاتها بدلا عن تقديم مساعدات أو منح.
وفي اعتقادي أن ما طرحه الدكتور أسعد مفيد لبلدان عربية كثيرة كما ينطوي على نهج تفكير أهملنا التعاطي معه طويلا.
كانت هناك أيضا دعوات قوية إلى تنظيم القطاع غير المنظم والذي يزداد تمددا كلما زاد عدد الوافدين أو النازحين أو اللاجئين من أصحاب المهارات المحدودة والأجور القليلة بحيث لم يعد أحد يعرف متى يتوقف توسعه، وكنتيجة منطقية دعا حاضرون إلى إيجاد توازن جديد بين رغبة أصحاب الأعمال في قوى عاملة رخيصة ورغبة العمال في أجور وشروط افضل معتبرين أن التوازن الحالي لصالح أصحاب الأعمال ، حيث يعمل العامل عدد ساعات أطول بأجر أقل وبلا أي ضمان صحي أو اجتماعي ونبه الدكتور راجي أسعد مرة أخرى – وهو الباحث الرئيس للمسحين المشار إليهما – إلى أن الفقر في الأردن لا يرتبط بالبطالة بقدر ما يرتبط بالعمل في القطاع غير المنتظم الذي يتوسع بشدة في البلاد وبما يعني انه لا يمكن خفض الفقر من غير تعديل التوازن القائم في سوق العمل حاليا.
لفتت المناقشات إلى أن النساء الأردنيات يفضلن العمل بالحكومة وهذا نمط تمت ملاحظته في مصر أيضا والتي يجري فيها حاليا مسح العمل التتبعي الرابع وأنهن يفضلن قطاعي التعليم والصحة ويفضلن أيضا القطاع الخاص الكبير عن الصغير وتقل فرصة الإناث في العمل كلما تقدمن في العمر عكس الشباب الذكور ؛ وتم التنويه الى أن توظيف النساء في قطاعي التعليم والصحة بالأردن زاد بسبب تدفق اللاجئين وزيادة الطلب على هاتين الخدمتين غير أنه يحب التحسب لمرحلة عودة اللاجئين لاحقا .
أبانت البحوث أيضا وجود نسبة ليست بالقليلة من الشباب الذكور في فئة من لا يظهرون على شاشة التعليم أو التوظيف، ورأى حاضرون أن السبب قد يكون لأنهم محبطون أو خاملون أو لديهم مصادر دخل أو لأنهم يرون أن ما هو معروض من أجور لا يستحق عناء الانشغال بالبحث عن عمل أو حتى النزول من المسكن أو أن للأمر أسبابا خافية ، و الغريب كذلك بحسب المناقشات أن العمال المصريين الذين فقدوا أعمالهم بسبب إزاحة سوريين لهم لم يعودوا إلى مصر ما يدل على استمرار الرهان على فرصة في الأسواق الأردنية أو قد يعني وبسبب صلات القرابة القوية بين مجموعاتهم أن هناك من يعول من لا يعمل الى أن يجد عملا ولو بعد وقت وقد تبين لي أن نحو 15% من المصريين بالأردن لا يعملون حاليا علي الرغم من الإجماع حول انهم الأكثر تفضيلا بسبب الجدية والتحمل والجلد ، وأكدت البحوث والمناقشات أن المصريين هنا يشكلون أغلبية العاملين في الزراعة وأعمال البناء والتشييد وفي المقابل يشاركهم السوريون في ذلك وقد يزيدون عليهم في مجال الضيافة لكن لا هؤلاء ولا أولئك ينشطون في التصنيع حيث يفضل أصحاب الأعمال الأردنيين من الصناع قوى عاملة جنوب شرق آسيا، كما تفضل شركات الخدمات المنزلية العاملات من تلك المنطقة أيضا. بالمناسبة ظهر من البحوث أن وجود اللاجئين السوريين أثر على عمليات الحراك الداخلي في السكن والعمل حيث زاد التنقل بين شمال وجنوب ووسط بشكل لافت .
المؤتمر شاركت فيه دائرة الإحصاء الأردنية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأردن وجامعتا اليرموك والحسين بن طلال وقدمت التمويل لبعص بحوثه فورد فونديشن والأكاديمية البريطانية وحضره ممثلون للأمم المتحدة وهيئاتها المعنية وممثلون لمنظمة العمل الدولية.
وقد أوصى المؤتمر باستخدام حصيلة البيانات الضخمة للمسحين والتي ستتاح للجميع مجانا على موقع منتدى البحوث الاقتصادية لعمل مزيد من البحوث حول الظواهر المستجدة وأسبابها والمقارنة بين الدول العربية التي لديها مسوحات تتبعية وبعضها البعض ؛ والمعروف أن مصر بدأت المسوحات التتبعية من 1998 وبدأت الأردن من 2010 وتونس من 2014 وستبدأ السودان من 2019 . والمسح التتبعي هو ذلك الذي يبحث نفس الأسر والأفراد على فترات زمنية طويلة وهو يتم في الأصل كل 5 سنوات لكن الأردن لظروف عملية جعل المدة البينية 6 سنوات.
ورغم الاتفاق على وجوب مساندة المجتمع الدولي والمنظمات المانحة والدول العربية القادرة للأردن حكومة وشعبا لكي يتمكن من مواصلة دوره في استيعاب اللاجئين وتوفير متطلباتهم الأساسية ، إلا أن وجهات النظر العلمية والسياسية اختلفت حول قياس الأثر الصافي للاجئين على كل من التعليم والإسكان والتشغيل والخصائص السكانية والإنجابية بل وذهب البعض الى حد القول إن اللاجئين هم تحد وفرصة أيضا وانه لولا حاجة الاقتصاد الأردني اليهم ما بقوا فيه رغم انهم ينافسون العامل الوطني ، مثلما يتنافسون بين بعضهم البعض ، غير أن الجانب الأردني الحاضر أصر على رفض دعاوى البعض بأن الأثر الشامل لوجود اللاجئين متعادل أو انه لا يوجد تأثير يذكر على أسواق العمل او تكوين الأسر مشيرين إلى انه لا يمكن تجاهل تأثير غير الأردنيين وهم نحو 2.9 مليون يشكل السوريين نصفهم تقريبا على ارتفاعات الأسعار وعلى الخدمات والمرافق والموارد الطبيعية والمالية والحالة الأمنية بل وعلى المتنزهات و نمط العيش والسكن والسلوك .
كان وزير التخطيط والتعاون الدولي بالأردن قد قال في الافتتاح ان بلاده استوعبت موجات من النازحين على مدار العقود الماضية وآخرهم اللاجئين السوريين وذلك بدوافع أخلاقية ووطنية وعروبية وإنسانية غير أن لكل بلد ولمواطنيه قدرة استيعابية محدودة في النهاية داعيا المجتمع الدولي الى النهوض بدوره في مساندة الأردن واطلق مفهوما جديدا لعلنا نسمعه لأول مرة
وهو أن استقبال اللاجئين وخدمتهم هو من قبيل (السلعة العامة العالمية) (جلوبال ببليك جوود) والمعروف أن السلعة العامة هي تلك التي تقدمها الدولة لمواطنيها بلا مقابل أو بأقل القليل .
وبدوره قال وزير التعليم الأردني إن الدولة التي تفتح حدودها لا يجبان تجد نفسها وحيدة . وقد أثار الجانب الأردني بشكل خاص ما قالته الباحثة المخضرمة الدكتورة كارولين كرافت من جامعة سانت كاثرين ان السوريين يمكن أن يكونوا فرصة للتنمية مثلما يشكلون ضغطا على سوق العمل وان وجودهم بذاته خلق طلبا على سلع وخدمات ووحدات سكنية وبالتالي أوجد وظائف ومكاسب لشركات الإنشاءات والعقارات وأضافت ان المتيقن منه انهم يؤثرون على غير الأردنيين بشكل واضح لكن لا أثر ظاهر لهم على الأردنيين في سو ق العمل.
دراسات أسواق العمل لا تزال لا تلقى ما يجب من عناية في عالمنا العربي لكنها غنية بالدروس والعبر ولا غنى عنها لصناع السياسات إذا أرادوا أن يروا وان يخططوا بطريقة واقعية ومؤثرة. وكل عام وانتم بخير.

جريدة عمان

مجانى
عرض