ترجمـات : مصير التحالف الغربي في يد ماكرون !!

حين وصل إيمانويل ماكرون إلى البيت الأبيض في أواخر الشهر الماضي في أول زيارة دولة لزعيم أجنبي في عهد إدارة ترامب كان لقاء الزعيمين تذكيرا شديد الوضوح بأن مصير التحالف الغربي الآن في يد أحد أغرب الثنائيات الدبلوماسية في التاريخ فماكرون(40عاما) والذي يصغر ترامب (70 عاما) بثلاثة عقود، يزدري خشونة الرئيس ترامب والعديد من سياساته الأخرى ، خصوصا تجاه إيران والتغير المناخي. ويفضل الرئيس الفرنسي الكتب والأفكار والحوار الفكري الرفيع على أسلوب الصفقات العدائي الذي يجسده ترامب.هذا في حين يفضل هذا الأخير مشاهدة التلفزيون على مطالعة النصوص المكتوبة. ورغما عن ذلك توطدت العلاقة بينهما على نحو لم يتحقق لأسلافهما من رؤساء البلدين. لقد تأثر ترامب حين كان ضيفا لماكرون في أثناء العرض العسكري بمناسبة عيد الباستيل في العام الماضي مما دفعه إلى الرغبة في احتذاء هذا الاحتفال التقليدي في بلده الولايات المتحدة. واشتهر عن الرئيسين انسجامهما خلال أول اجتماعاتهما الأمر الذي دفع حتى أقرب مساعديهم إلى التعبير عن دهشتهم لعاطفة الأخوة الحميمة التي توطدت بينهما. و الشهر الماضي تشاور الرئيسان كثيرا عبر الهاتف حول الضربات الجوية المشتركة التي شنت لمعاقبة سوريا على ما يظهر أنه استخدام للأسلحة الكيماوية. ويتحدث ترامب إلى ماكرون على الأقل مرة أو مرتين أسبوعيا حول نطاق واسع من المواضيع بأكثر مما يتحدث مع أي زعيم آخر. كما يشترك الرئيسان في كونهما جاءا من خارج النخبة السياسية ولم يشغلا أبدا منصبا بالانتخاب، وكذلك في تقويضهما التام لطريقة أداء المؤسسات الحاكمة التقليدية في بلديهما.
لقد اشتهر عن ماكرون استخدامه المقصود للمجاملة. وهو يوظف مهاراته بنجاح في التعامل مع البيت الأبيض. ويصفه القادة الأوروبيون الآخرون بأنه الهامس في أذن ترامب ( من يسر إليه بالنجوى) ويشجعون الرئيس الفرنسي على استخدام نفوذه الفريد لتلطيف الاحتكاكات التي تنشب (بين أوروبا وأمريكا) في مختلف النزاعات عبر- الأطلسية. لقد عزز تقدير ترامب لماكرون من نفوذ فرنسا. وعلى الرغم من قوة ألمانيا الاقتصادية إلا أن فرنسا تتمتع بمكانة أرفع بصفتها قوة نووية معترف بها وأحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة . وكثيرا ما هاجم ترامب ألمانيا لسياستها التجارية المركانتيلية لكنه في المقابل أبدى تقديرا لتعاون فرنسا العسكري. ففي ظل رئاسة ماكرون صارت القوات الفرنسية أنشط حليف عسكري للولايات المتحدة في محاربة داعش في سوريا والعراق وإفريقيا. حقا في أقل من عام ظهر ماكرون، بعد أن أصبح أصغر رئيس دولة في فرنسا منذ نابليون بونابرت، كزعيم محوري للعالم الغربي وشغل الفراغ الذي نشأ بتقهقر الولايات المتحدة بعد سبعة عقود من بسط هيمنتها الدولية. ومع انحدار شمس الحياة السياسية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نحو المغيب بعد 12 عاما من توليها منصب المستشارية وأيضا مع انشغال رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بقضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي انتزع ماكرون المبادرة واتخذ مواقف جريئة نيابة عن أوروبا. فبحسب دبلوماسيين في عدة بلدان، تولي ماكرون شخصيا تنسيق طرد الدبلوماسيين الروس من البلدان الغربية عقب استخدام غاز الأعصاب لتسميم سيرجي سكريبال العميل الروسي المزدوج سابقا والذي يقيم في بريطانيا. وفي أثناء مكالمتين هاتفيتين على الأقل، حث ماكرون ترامب على اتخاذ إجراءات صارمة وممارسة أقصى خيار بطرد 60 روسيا يشغلون مناصب دبلوماسية بالولايات المتحدة. وطردت فرنسا بدورها أربعة دبلوماسيين روس لكن ماكرون حافظ على خط اتصال مفتوح مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين. وتحدث إلى بوتين يوم الجمعة(13 أبريل الماضي ) بشأن الضربات الجوية الغربية ضد سوريا. كما يخطط أيضا للقاء بوتين في شهر مايو الجاري في سان بطرسبورج. وفي أثناء رحلتين له مؤخرا إلى الصين والهند سعى ماكرون إلى إقامة حوار استراتيجي جديد لأوروبا حول قضايا التجارة والأمن مع أهم قوتين صاعدتين في العالم. وفي الوقت ذاته استفاد من الإرث الاستعماري لفرنسا في لبنان وسوريا للعب دور بالغ الأهمية في تطوير استراتيجية غربية جديدة للتوسط في إنهاء الحرب الأهلية. وحول إيران يسعى ماكرون لإقناع ترامب بعدم التخلي عن الاتفاق النووي واستكشاف إمكانية التوصل الى حل وسط مع طهران يبقي على الاتفاق. ومن جهة أخرى، يثير نشاط ماكرون المحموم (يقال إنه لا ينام أكثر من 4 ساعات في اليوم) قلق مؤيديه الذين يخشون من أنه يحاول فعل الكثير بأسرع مما يلزم خلال فترة رئاسته. لقد دشن موجة من الإصلاحات الاجتماعية وأيضا في مجال العمل بهدف تحديث فرنسا ومواءمة اقتصادها مع ظروف التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين. أدت السرعة المربكة للتغيير إلى خروج مظاهرات إلى للشارع لكن ماكرون يصر على عدم إمكانية النكوص عنها ، وإلا فإن فرنسا ستتخلف كثيرا عن باقي العالم. كما يريد ماكرون أيضا تنشيط الاتحاد الأوروبي وتحويله إلى قوة عالمية ويرفض القومية الشعبوية ، التي تهدد بتقويض نجاح الاتحاد في بناء علاقات سلمية ومزدهرة بين الخصوم السابقين. ولكنه أيضا يدرك أن فرنسا وأوروبا يمكنهما تحقيق مثل هذه الطموحات فقط جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة ، مما يضفي أهمية حاسمة لحليفه في البيت الأبيض في تنفيذ أجندته.

• الكاتب محرر سابق للشؤون الخارجية بصحيفة واشنطن بوست ومؤلف كتاب بعنوان « قارة متشظية : أزمات أوروبا ومصير الغرب»