قراءة في نتائج الانتخابات اللبنانية

عبد العزيز محمود –
الحكومة اللبنانية الجديدة مطالبة أيضا بإصلاحات هيكلية ومالية عاجلة للحصول على ١١ مليار دولار تعهد بها مؤتمر للمانحين بهدف تطوير البنية التحتية والخدمات، كما ستواجه تحديا أكبر يتمثل في الحد من عجز الميزانية وتحفيز النمو وسط مطالبات من صندوق النقد الدولي بزيادة الضرائب ورفع الدعم.

بإعلان نتائج الانتخابات اللبنانية التي أجريت في ٦ مايو الجاري كان الفائز الأكبر تحالف حزب الله المدعوم من إيران وسوريا والذي فاز بأكثر من نصف مقاعد مجلس النواب البالغ عددها ١٢٨ مقعدا بينما كان الخاسر الأكبر تيار المستقبل بقيادة سعد الدين الحريري رئيس الوزراء المدعوم من الغرب والذي خسر ثلث مقاعده.
وبهذه النتيجة يشكل حزب الله أقوى كتلة داخل البرلمان اللبناني يمكنها تعطيل أي تشريع، كما يلعب دور اللاعب الرئيسي مع حلفائه حركة أمل والتيار الوطني الحر والمردة والسوري القومي الاجتماعي في تشكيل الحكومة اللبنانية المقبلة.
النتيجة التي حققها تحالف حزب الله تعكس تنامي نفوذ الحزب سياسيا وعسكريا بدعم من إيران وسوريا ، وفي ظل نفوذ سوري كبير في لبنان، وكلاهما يثير قلقا لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
الانتخابات اللبنانية كان يفترض أن تجري في عام ٢٠١٣ لكنها تأجلت بعد فشل مجلس النواب في إصدار قانون جديد للانتخابات ثم تسببت أزمة انتخاب رئيس جديد خلفا للرئيس ميشال سليمان في أن يظل لبنان بدون رئيس لمدة ٢٩ شهرا بين عامي ٢٠١٤ و٢٠١٦وهكذا مدد مجلس النواب ولايته مرتين حتى انتخب الجنرال ميشال عون رئيسا للبنان في أكتوبر ٢٠١٦ .
وبعد 11 شهرا من إصدار قانون الانتخابات الجديد الذي يقوم على نظام التمثيل النسبي أجريت الانتخابات لكن نسبة المشاركة فيها لم تتجاوز ٤٩.٢٪ مقابل ٥٤٪ في انتخابات عام ٢٠٠٩ مما عكس حالة عامة من الإحباط بسبب سوء الإدارة وتدهور الخدمات.
ولعل هذا ما تسبب في خسارة تيار المستقبل بقيادة سعد الدين الحريري رئيس الوزراء لثلث عدد مقاعده في مجلس النواب بعد أن فاز بـ ٢١ مقعدا مقابل ٣٣ مقعدا كان يشغلها في مجلس النواب المنتهية ولايته لكن ذلك لن يحول دون ترشح الحريري لرئاسة الحكومة الجديدة.
فالنظام السياسي اللبناني يراعي نظام محاصصة طائفيا يتم بموجبه تقاسم مقاعد مجلس النواب الـ ١٢٨ بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين على أن يتولى منصب رئيس الجمهورية مسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة مسلم سني، ورئاسة مجلس النواب مسلم شيعي.
الخسارة التي حققها تيار المستقبل هي الثانية له بعد الخسارة التي حققها في انتخابات البلديات عام ٢٠١٦،وهو ما يعكس تراجعا واضحا في شعبيته على خلفية الأداء الحكومي والتنازلات التي قدمها لحزب الله والأحزاب المسيحية.
في المقابل فاز التيار الوطني التابع للرئيس ميشال عون برئاسة جبران باسيل بـ ٢٩ مقعدا وسط مؤشرات على استمرار تحالفه الاستراتيجي مع حزب الله، بينما كانت المفاجأة نجاح حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع المناهض لحزب الله والخصم التاريخي للرئيس عون في مضاعفة عدد مقاعده في مجلس النواب من ثمانية إلى ١٥ مقعدا.
الأرقام كشفت أيضا فوز حركة أمل بـ 16 مقعدا والتقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط بـ9 مقاعد وحركة العظم 6 والكتائب 3 والمردة 3 والسوري القومي الاجتماعي 3 والطاشناق الأرمني 3 والتيار المدني فاز بمقعدين. كما فاز كل من الأحباش والاستقلال والليبرالي الديمقراطي والحوار والاتحاد والناصري بمقعد واحد لكل منهما وحصل المستقلون على 16 مقعدا.
النتائج كشفت تزايد النفوذ السياسي لتيار 8 آذار الداعم لسوريا وإيران وتضاؤل نفوذ تيار 14 آذار المناوئ لهما – إيران وسوريا – في ظل قانون الانتخابات الجديد الذي أعطى المرشحين مساحة أوسع من الاستقلال وغير تركيبة التحالفات السياسية والطائفية في لبنان عما كانت عليه من قبل .
ومع انتهاء ولاية مجلس النواب الحالي في ٢٠ مايو الجاري يبدأ الرئيس اللبناني ميشال عون مشاوراته طبقا للدستور مع الكتل البرلمانية الجديدة لاختيار رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، حيث يتوقع ترشح سعد الدين الحريري لرئاسة الحكومة الجديدة، ونبيه بري زعيم حركة أمل لرئاسة مجلس النواب وهو الموقع الذي يشغله منذ عام ١٩٩٢ .
وحتى يشكل الحريري الحكومة الجديدة يلزمه الحصول على تأييد 56 نائبا على الأقل في مجلس النواب مما يعني أنه سوف يكون مطالبا بتقديم تنازلات لحلفائه وخصومه، بينما ستظل قدرته على كبح حزب الله محدودة، والمرجح أن يواصل تعاونه مع التيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله.
الحكومة اللبنانية الجديدة مطالبة بوضع حلول عاجلة لمشكلة الديون، حيث يعد لبنان البلد الثالث الأكثر مديونية في العالم، بينما تستهلك فائدة الديون نحو ٤٨ في المائة من الإيرادات الحكومية، ويتجاوز التضخم ١٥٠ ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتقترب البطالة من 8%، في حين يعاني لبنان من وجود حوالي مليون ونصف المليون لاجئ سوري، يعيشون على أراضيه ، مما أدى إلى زيادة تعدد سكانه بنسبة الربع تقريبا والضغط بالتأكيد على خدماته .
الحكومة اللبنانية الجديدة مطالبة أيضا بإصلاحات هيكلية ومالية عاجلة للحصول على ١١ مليار دولار تعهد بها مؤتمر للمانحين بهدف تطوير البنية التحتية والخدمات، كما ستواجه تحديا أكبر يتمثل في الحد من عجز الميزانية وتحفيز النمو وسط مطالبات من صندوق النقد الدولي بزيادة الضرائب ورفع الدعم.
نتيجة الانتخابات التي كان تحالف حزب الله الفائز الأكبر فيها سوف تؤثر على سياسة النأي بالنفس التي يلتزمها لبنان على الصعيد الخارجي، وهو ما قد يؤثر بالسلب على موقف الدول الغربية المانحة، وربما يضطر لبنان لتطوير علاقاته بشكل أكبر مع إيران وروسيا والصين.
وإذا كانت هذه النتيجة تعبر عن التركيبة الطائفية والسياسية بشكل دقيق ورغم كل التجاوزات فإنها تعبر أيضا عن صراعات القوى الإقليمية، وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول لبنان إلى ساحة للمواجهات بين تلك القوى بشكل قد يهدد أمنه واستقراره.