عطر: التعالي يورث النفور

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

لكي نقوم بطهي وجبة ما، نحتاج أن نعد لها مكوناتها أولا ومن ثم بهاراتها وأخيرا درجة حرارتها، لننتقل من مرحلة التحضير إلى مرحلة التطبيق ثم النضج. مراحل بسيطة في الشكل، ولكنها مهمة في الإعداد للوصول الى مرحلة الغاية وبلوغ الهدف، ولعلنا في كل أمور حياتنا نمر بمراحل مشابهة، تنقلنا من نقطة الى نقطة أخرى على أن يكون هذا المرور تلقائيا في الشكل، وواعيا في الآلية، مما يرفع من منسوب وعينا وقدرتنا على التحكم بالتفاصيل، التي قد تخرج عن السيطرة والتي قد نقوم بها بشكل لأواعي.
موقف بسيط قد يجعلنا نقف أمام مشهد مستفز وغير ناضج، حيث لم يتمكن صاحبه من المرور بمراحل الإعداد والتحضير والنضج ليبلغ مرحلة الرقي الإنساني في التعامل، لأنه استسلم لشهوة الغرور والتعالي وحب الذات والإحساس بأنه صفوة الصفوة. حفل كبير وصاخب والناس جاءت لتشارك، أما فضولا أو مجاملة أو محبة بأهل الحفل، ولأن من أقام الحفل أناس من عِلية القوم ومن مشاهير الزمان والمكان، تهافت الناس لأخذ السلفي ولتسجيل الحدث على السوشيال ميديا وجعل الأمر حدثا في أجهزة الهواتف الذكية، وعلى صفحات الفيس بوك وتوابعه، هذا المشهد تكرر كثيرا مع المشاهير من الفنانين والممثلين والسياسيين، حيث يندفع الناس بمحبة ساذجة أحيانا وقد تكون ثقيلة في أحيان أخرى ومتطفلة، ولكن منبعها المحبة وهذا ما يغفر لها، على الرغم من هذا لاشيء يبرر ردة الفعل العدائية التي يقوم بها هؤلاء المشاهير حيث يزدرون بها من جاء حبا لهم ليرفع من قيمتهم بلهفته واندفاعه. في المبدأ لا يقابل الحب بالتعالي وبالفوقية، ولا ترد اللهفة بالصد والنفور، ولا يعامل الناس بالتجاهل والعدائية، ولكن هؤلاء المشاهير في أحيان كثيرة لم تعلمهم الحياة أهم درس فيها وهو: التواضع بكبرياء والتعامل برقي مع من حولهم. نحن نجد أنفسنا أمام وجهين في صورة التقطتها عدسة مصور ساقته المصادفة: وجه بسيط وإنساني، ووجه مثقل بارتداء رداء التواضع، وبينهما حواجز لا يعترف بها العقلاء وأهل الدين والأخلاق، في مجتمع يسير الى كسر كل تلك الحواجز بين المشاهير وجماهيرهم جعلت قلمي يثور بحثا عن أسباب تصرف هؤلاء المشاهير بتلك الفوقية المريضة؟
غالبا أرد السبب الى موضوع النضج ومراحله، فقد يتعرض هؤلاء المشاهير لخطأ في التكوين النفسي، فلا يصلون الى مرحلة النضج الواعي وإدراك أن كل شيء إلى زوال وأن العالم والحياة لا يقفان أمام الزمن، وأنهم مهما ارتفع شأنهم وتكدست أموالهم وهتف لهم الهاتفون والمتسلقون والمستفيدون، هم محكومون بالنهاية الواحدة فكل الدروب تؤدي الى الطاحون، رغم تنوع المشوار نتشارك النهاية، لذا الكبر والتعالي صفتان لمن لم تعلمه الحياة فن التعايش، لذا لن يمهله الموت ليلتقط العبرة في رحلته الأخيرة، هو الغافل عن قيمته الإنسانية التي هي الجامع لكل خلق الله سبحانه وتعالى، هؤلاء ستجد ان الناس تنفض من حولهم وتشكو منهم وتنتقد فظاظتهم وتعيب في خلقهم.
ثقافتنا العربية والإسلامية مليئة بنماذج وحكايات تحثنا على التواضع وعلى البعد عن التكبر كون التكبر رذيلة والتواضع فضيلة، ولعله في المنطق العامي الشعبي نسمع وصفا غريبا ولكنه يلامس المشهد (لم يعد يحمله رأسه لقد كبرت الخسة فيه) وهذا الكلام يصف حالة يعيشها المتعالي حيث لا يرى إلا ذاته، وهو نقد لاذع ومستخف بذاك المريض بالفوقية وتشنجه الدائم من حب الناس له والتذمر منهم.
على هؤلاء المشاهير أن يدركوا أنهم مشاهير لأن لديهم من يتابعهم، وأنهم بدون جمهورهم نكرة لا قيمة لهم، وان علاقتهم بهؤلاء الناس عليها ان تكون محكومة بالتواضع والرقي.