عطر : هذا أنا

رندة صادق –

الزواج علاقة ليست ليوم أو يومين أو حتى لعام أو عامين، هو مشروع العمر، وهو العلاقة الوحيدة التي علينا أن ندرك أنها لا تقوم كمشروع استثماري قد نربح فيه أوقد نخسر، لأنه يجب أن تكون محكومة بإرادة النجاح.
قد يروج البعض أن الزواج كالبطيخة، لا أحد يعرف أن كانت حمراء اللون ناضجة ومبهجة، أو بيضاء بلا طعم أو لون، إذا كان الإنسان حين يقرر أن يشتري سيارة، يبحث عن مواصفاتها وعن قدرتها على التحمل وعن ملاءمتها لميزانيته ولحاجاته، اذا كان يتردد ألف مرة ليشتري ربطة عنق أو عطر، ويدرس ظروفه جيدا قبل القيام بأي مشروع مادي في حياته، فكيف يُقدم على بناء شراكة تعرف “بشراكة العمر” دون أن يفكر بها ويدرس نتائجها. بالطبع لا يمككنا تجاهل القسمة والنصيب وما يترتب عليهما من عامل المصادفات، وان التنافر يقع والعلاقات قد تتعرض لتضارب إرادات أكثر من رغبة في الاستمرار أو عدمه.
عند بحثي في أسباب فشل الزواج وارتفاع نسب الطلاق عند الشباب والشابات، توصلت الى أمر أساسي ومهم، هو عماد العلاقة والقاعدة الأساسية في بناء علاقة متوازنة ومثمرة في الظاهر، وتعاني أشد أنواع الاضطرابات ويغلفها الغضب والفشل في الباطن. هناك أسباب ظاهرة أجدها نتائج أكثر من أنها أسباب، حيث تنقسم هذه الأسباب الى أربعة أقسام: (مادية، جنسية، عاطفية، وفكرية ) ومن خلال التفنيد نجد أن المادة هي من أقوى الأسباب التي تؤدي الى الانفصال، لأنها قد تعوض عن النقص في العناصر الثلاثة الباقية .
أما الجنس “ التابو” الذي يختبئ وراءه القلق من حكم الآخر وفكرة العيب التي تُسير المشكلة، وهنا تكمن خطورة الأمر لأنه غالبا لا يتم التصريح عنه فتتفاقم المشكلة لتصل الى اختيار الطلاق. النقطة الثالثة أي “العاطفة” هي محرك مهم بالعلاقة، قد يكون أحد الشريكين لا يملك أدوات التعبير عنها، ولا يجيد التواصل بالكلمة أو بالنظرة، وكلماته جليد يزحف أكثر فأكثر لتصبح الحياة قطبية الطقس لا حرارة فيها، وهذا الأمر لا يستهين به أحد، فهو أيضا قد يصبح سببا قويا لكي تشرد أذن أحد الشريكين بحثا عن الغزل والعاطفة الملموسة. أما السبب الأخير “الخلاف الفكري” فهذا أمر يُستخف به كسبب للانفصال، ولكنه أمر جوهري عند البعض.
كل تلك الأسباب يمكن جمعها بجملة “هذا أنا” فالمشكلة تبدأ منذ التعارف حيث يتجمل الشريكان لكي يبدوان كثنائي منسجم، ويعدان بعضهما البعض بحياة سلسة قائمة على الحب المستمر الذي لا ينتهي. الأمر يتعلق بما تريد، وكيف تفكر، وبماذا تطمح؟ فان كنت عصبيا أو شريكك عصبي بالفطرة، تأكد أن الحب والارتباط لن يخلصكما من هذه العصبية، قد تهدأ أو تؤجل جنونها ولكنها لن تزول، لذا من المهم إظهار عناصر الشخصية للشريك بكل جوانبها والتحدث عن العيوب وعن المزايا بثقة وبلا رتوش، ومن المهم أيضا أن يدركا أن كلمة ”شريك” لا تعني رجلا وامرأة متطابقين، بل بينهما اختلافات في الرؤية وبما يحبون وبما يكرهون وبما يطمحون، ولكن الزواج هو علاقة عليها ان تجمعهما بشكل متوازن لمصلحة الأسرة.
“هذا أنا” بمعنى كن نفسك بكل ما فيك من تناقضات ومن سلبيات وإيجابيات، ولا تعد الآخر بتغير قادم لأن التفاعل والحب كفيلان ببناء تغيرات مقبولة ولكن ليست جذرية، تمكن العلاقة من النجاة، وحينها سنتمكن من قول وفعل ومعالجة كل شيء، فلا يشعر طرف بورطة الاختيار ويبدأ في الثورة وانهيار روابط الأسرة، فلا توجد مشكلة بلا الحل ان كنا نملك الإرادة الكافية للحل.

randanw@hotmail.com