مواقف ومقدمات متناقضة لا تبعث على التفاؤل

د. صلاح أبونار –

باختصار، لا مفر من قبول ما وصلت إليه كوريا من قوة نووية، ولكن هذا القبول يتعين إدماجه مع نمطين من الضمانات. نسق من الإجراءات العسكرية والاقتصادية والرقابية الصارمة، يحرم كوريا من المضي في تطوير قدراتها، ويخفض من إمكانياتها الهجومية ويحصرها في الحدود الدفاعية، ويحرمها من القدرة على نشرها خارج حدودها.
انطلقت مبادرة القمة الأمريكية – الكورية في الثامن من مارس الماضي . اطلقها مستشار الأمن القومي الكوري الجنوبي نيابه عن كيم جونج اون، وفي اليوم نفسه أعلن ترامب: كيم تحدث مع ممثلي كوريا الجنوبية عن نزع أسلحة الدمار الشامل، وليس مجرد تجميدها. وكان إعلان ترامب مثيرا للدهشة. ليس فقط لمناقضته أساسيات الموقف الكوري، بل أيضا لمناقضته ما أعلنه المستشار الكوري. فلقد كان كل ما قاله انه حمل إلى ترامب الدعوة لقمة (تبحث نزع أسلحة الدمار الشامل في شبه الجزيرة الكورية).
وفيما بين 20 أبريل و22 أبريل تكلم كيم وترامب في توقيت متزامن، وسنعثر مرة أخرى على نفس التناقض، وبمحاذاته ستتبلور الرؤية الأمريكية للموقف الكوري. في 20 أبريل أعلن كيم رسميا عن موقفه ووفقا للنص الرسمي، قال أشياء مقدما تفسيرا لها. صرح أن كوريا قررت إغلاق موقع للتجارب النووية «لتوفير ضمانة شفافة لعدم استمرار التجارب النووية»، والامتناع عن المزيد من تجارب اطلاق الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى خلال فترة المفاوضات. وفسر ذلك قائلا إن التجارب «لم تعد ضرورية لأن تطوير الرؤوس النووية تحققت أهدافه». ولم يقل كيم أهم ما نسبه ترامب إليه. في 21 أبريل نسب إليه ترامب قوله إن كوريا قررت «إيقاف التجارب النووية»، وفي 22 أبريل انه «وافق على نزع السلاح النووي». وهنا سنلاحظ التجاهل الأمريكي لمعلومة مؤكدة، وتفيد أن الموقع المقرر إغلاقه كان مغلقا بالفعل بعد التفجير النووي السادس. كان الانفجار عنيفا لدرجة اهتزاز الجبل، ولم يعد الموقع صالحا للاختبارات بعد انهيار بعض أنفاقه. ثم ازدادت الأمور اختلاطا عندما لم يبادر كيم بتصحيح ما قاله ترامب. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ اقرب التفسيرات للمنطق أن الشماليين عبر قناتهم الخاصة وقناة الجنوب، طلبوا نفس ما نسبه المستشار الجنوبي، أي التفاوض على نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، لكنهم لم يوافقوا على نزع سلاحهم، أي نفس ما فعلوه مرارا عبر مسار المفاوضات الطويلة. ولكن واشنطن صاغت قراءتها للتصريحات العلنية على ضوء تحليلها لأمرين: مجمل ما دار في قنوات الاتصال السرية والوعود التي قد يكون الكوريون قدموها عبرها، وقراءة لنتائج العقوبات الاقتصادية تجزم بإمكانية الثقة في تلك الوعود.
تكون هذا التناقض عبر مسارات تاريخية وسياسية متداخلة، ويشهد الآن مسارات جديدة على جانبي الصراع تصعد من حدته. على الجانب الكوري الشمالي نرصد ثلاثة مسارات. في الأول نرصد مخططا لإعادة بناء صورة النخبة الكورية. مجتمع يتخلى عن طابعه الذكوري وتبرز فيه النساء، فتتقدم شقيقه كيم الصغرى وفود المفاوضات الدولية وتخرج منه للخارج فرقة موسيقية كل عازفيها نساء مشرقات رشيقات، ويبدو زعيمه اكثر لطفا وحضورا مهتما بالأطفال متجولا في شوارع المدن محجما عن سباب خصومه، وإعلامه لا يسرف في عروضه العسكرية ويتوسع في برامج التسلية. باختصار صورة لمجتمع يسعى للاندماج في العالم الحديث وتبني معاييره، متخليا عن صورته العسكرية الجهمة القديمة. وفي المسار الثاني نرصد مساعي ترميم العلاقات مع الصين، من الصدوع العميقة التي لحقت بها في عهد كيم الحفيد. جهد قابلته الصين في منتصف الطريق، وتجسد ذلك في زيارة الرئيس الكوري لبكين في 25 – 28 مارس. وفي الثالث نرصد السعي لبناء علاقة قوية مع كوريا الجنوبية، كما تجسد في إشراك سول كوسيط تفاوضي مع واشنطن، ثم زيارة كيم للجنوب في 27 أبريل في أول قمة للبلدين منذ قمة 2007. سنكتشف في المسار الأول جهدا تصالحيا مع العالم، لكنها تصالحية ندية تسعى للمساواة. وسنلاحظ في المسارين الثاني والثالث مساعي لبناء جبهة داعمة خلال المفاوضات، عبر استثمار خوف الجنوب من اندلاع حرب إقليمية، وإصلاح العلاقات مع بكين ضمانا لدعمها في مواجهة العقوبات الاقتصادية.
وعلى الجانب الأمريكي سنلاحظ مسارين. الأول مسار السياسة الخارجية تجاه الصين كما طرحتها استراتيجية الأمن القومي الجديدة، والسياسات التجارية الجديدة المعادية للصين. اعتبرت الرؤية الصين على المدى المتوسط الخطر الأول المهدد للأمن القومي، وعلى المدى القصير الخطر التالي بعد روسيا، وجاءت السياسات التجارية لتطلق حربا تجارية بين البلدين. وكانت الحصيلة تصعيدا للتوترات في شرق آسيا، وخلق بيئة سياسية إقليمية لا تناسب تسوية المشكلة الكورية. والثاني سنجده في تغييرات ترامب لقيادات السياسة الخارجية. في 13 مارس أقال ترامب وزير خارجيته ريكس تليرسون، ورشح بدلا منه مايك بومبيو رئيس المخابرات المركزية. وفي 9 أبريل استقال ماكماستر مستشار الأمن القومي السابق، وعين ترامب بدلا منه جون بولتون. وهكذا رحل رجلان معاديان تماما لفكرة الخروج من الاتفاقية الإيرانية، ويعارضان خيار ضرب كوريا عسكريا، ويؤيدان الحوار الدبلوماسي معها. ليحل محلهما اثنان من الصقور ينتهجان المواقف النقيضة تماما، ويظهران كأفضل اختيار لإفشال القمة القادمة.
وفي تلك الحدود تتبني الرؤية الأمريكية لتسوية الأزمة الكورية العناصر التالية. مفاوضات تقود إلى نزع كامل للسلاح النووي كمخزون وكقدرات إنتاجية، وعبر نسق إجرائي فعال قابل للرقابة ولا يمكن الرجوع عنه. مع رفع تدريجي ومحسوب للعقوبات، لن يكتمل إلا بعد استكمال نزع السلاح.
ولا يمثل هذا أمرا جديدا، فهو نفس التوجه الذي حكم كل المفاوضات الدولية السابقة، لكنه كان يحمل درجة أعلى من الثقة في كوريا واكثر تبادلية بمراحل، ومع ذلك أخفقت جميعها. يميل المراقبون إلى إرجاع الفشل إلى خداع بيونج يانج، وهذا صحيح جزئيا لكنه لا يمنحنا العامل الجوهري.
تعتبر الرؤية الكورية السلاح النووي ضرورة بقاء للوطن وللدولة. ضرورة استمدت عنصرها الأساسي والتكويني، من خبرة الحرب الكورية الدامية، واستمرارها حتى الآن بلا تسوية رسمية، والحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، ومجاورة قوي كبري معادية أو مشكوك في عمق تحالفها. ثم دخلت عناصر أخرى وطدت تأثير العنصر التكويني. فلقد اختفت الكتلة الاشتراكية ومعها الكثير من موارد الدعم. صحيح أن الصين لا تزال موجودة، لكنها ليست صين الزمان القديم، وأضحت تنظر إلى كوريا كمجرد ضرورة أمنية تحمل عبئا سياسيا، وليست حليفا استراتيجيا. وشهد الداخل الكوري تحولات عميقة، فلقد اكتسبت نواته السياسية الحاكمة طابعا وراثيا، ودخل من أواخر السبعينات في أزمة اقتصادية حادة، وفي هذا السياق تحول السلاح النووي إلى أداة لدعم شرعية النظام وتعبئة الجماهير.
ولن يجدي تجاهل العوامل السابقة، ولا التقدم الكبير الذي حققه المشروع الكوري. وإذا كان للمفاوضات القادمة أن تنجح فليس أمامها سوى الاعتراف بالأمر الواقع، والتخلي عن فكرة النزع الكامل للأسلحة والإمكانيات النووية الكورية. وأي حلول من نمط الهجوم الوقائي، وتغيير النظام من الداخل عبر انقلاب، تحمل معها احتمالات مخاطر عالية. والعقوبات الاقتصادية لم تبعد النظام عن أهدافه، وسيتراجع تأثيرها مع تصاعد التوتر مع الصين وروسيا المجاورتين.
ولا بديل قابل للتطبيق سوى الاعتراف بالأمر الواقع على المدى المتوسط. ولكن هذا لا يعني التسليم به كواقع دائم، ولا قبوله في مستواه الراهن. وباختصار لا مفر من قبول ما وصلت إليه كوريا من قوة نووية، ولكن هذا القبول يتعين إدماجه مع نمطين من الضمانات. نسق من الاجراءات العسكرية والاقتصادية والرقابية الصارمة، يحرم كوريا من المضي في تطوير قدراتها، ويخفض من إمكانياتها الهجومية ويحصرها في الحدود الدفاعية، ويحرمها من القدرة على نشرها خارج حدودها.
والآخر هو الدخول الحقيقي والتدريجي في علاقات طبيعية مع كوريا. تخبرنا خبرة دول الكتلة الشرقية أن النظم من نمط النظام الكوري، تتماسك وتقوى وتزداد تطرفا في ظل العزلة والحصار. وإذا أدمجت في إطار علاقات طبيعية، ستسري الدماء في عروقها وتكتسب قوة، لكنها أيضا ستبدأ في التفكك السريع، وستفرز قوى تغيير جذرية تطيح بها دونما أي تدخل خارجي.