القادة الأقوياء .. يستطيعون صنع السلام !!

د. عبدالحميد الموافي –

نعم الأقوياء فقط هم من يستطيعون صنع التاريخ، حربا وسلاما بالتأكيد، غير أن صنع السلام هو بالقطع أكثر ثقلا وصعوبة، فالحروب يسهل عادة تبريرها، وإيجاد أسبابها، حتى ولو باختلاقها أحيانا، ولكن السلام يحتاج بالفعل إلى إرادة قوية، وإلى رؤية واضحة، وإلى قدرة على تجاوز قيود الواقع والنظر إلى المستقبل بروح جديدة، وهذه قدرة لا يستطيعها كثيرون من القادة في العصور المختلفة، ولكنها بالتأكيد قاسم مشترك لكل الذين صنعوا، أو حاولوا صنع السلام لشعوبهم، وتحملوا عبء وثمن ذلك، ولو كان حياتهم ذاتها.
وفي هذه الأيام التي احتفلت فيها جمهورية مصر العربية بذكرى استعادة سيناء في 25 أبريل عام 1982، كثمرة لاتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979 وقبلها اتفاقيتي كامب ديفيد عام 1978 وقبلهما زيارة السادات للقدس عام 1977، فإنه من المعروف أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكان سياسيا من ذوي الثقل والرؤية البعيدة، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه، حول قضية أو أخرى، خاض حرب أكتوبر عام 1973، ليتمكن بالقوات المصرية القوية، وضع نفسه في مركز قوة يمكنه من السير نحو السلام مع إسرائيل، كضرورة لاستعادة كل الأراضي المصرية عبر خطوات سلمية، باعتبار ما أعلنه هو أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وعندما فاز تكتل الليكود في الانتخابات الإسرائيلية وتولى مناحيم بيجين زعيم الليكود رئاسة الحكومة في إسرائيل، في أواخر عام 1976، قرر السادات أن يصنع السلام معه، كأقوى سياسي في إسرائيل في ذلك الوقت، ليس من موقعه كرئيس وزراء لإسرائيل فقط، ولكن من موقعه الفكري والأيديولوجي المتطرف كزعيم لليكود، ثم فإنه في موقف لن يستطيع احد على يساره – حزب العمل وأحزاب اليسار الإسرائيلية الأخرى – المزايدة عليه، إذا نجح في صنع السلام مع مصر والعرب أيضا، برغم كل رصيد الشك وانعدام الثقة بين الجانبين.
ومن سيناء أرض الفيروز المصرية، إلى قرية «بانمونجيم» على الحدود بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وهي القرية التي شهدت توقيع اتفاق الهدنة بين شطري كوريا عام 1953، بعد ثلاث سنوات من الحرب، جرت يوم الجمعة الماضي 27 أبريل 2018 قمة تاريخية بين كيم جونج أون – كيم الثالث – رئيس كوريا الشمالية، وبين مون جاي ان رئيس كوريا الجنوبية، وهي قمة تظل على قدر كبير من الأهمية والتأثير على الأوضاع والتطورات، ليس فقط على المستوى الكوري، بشماله وجنوبه، ولكن أيضا على مستوى الأوضاع وفرص السلام في جنوب شرق آسيا من ناحية، وعلى المستوى الدولي الأوسع أيضا من ناحية ثانية، وإذا كان من الطبيعي أن تستغرق التحولات الوقت الكافي لها، لتتحول إلى نتائج ملموسة على الأرض، إلا أنه يمكن القول إن هناك ما يبعث على افتراض أن الكوريتين وعبر زعيميهما القويين، حددا مسار العلاقات خلال الفترة القادمة، وهو مسار يتطلع إليه الشعب الكوري على جانبي الحدود، ويحقق السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، بكل ما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج على المستويات المختلفة، وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
* أولا: إنه بالرغم من أن السنوات الثماني عشرة الأخيرة شهدت قمتين بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، حيث استضاف كيم جونج ايل، والد الرئيس الكوري الشمالي الحالي، في العاصمة الكورية الشمالية بيونج يانج، الرئيس الكوري الجنوبي «كيم داي جونج» عام 2000، ثم الرئيس الكوري الجنوبي «روه مو هيون» عام 2007، وفي كلتا القمتين تم الاتفاق على خطوات لتجميد النشاط النووي لكوريا الشمالية، مقابل معونات غذائية وتعاون ثنائي في المنطقة المنزوعة السلاح، ولم شمل الأسر الموزعة على جانبي الحدود، إلا أن هاتين القمتين لم تنجحا في السير نحو تحقيق أهدافهما لأسباب عدة، محلية – كورية شمالية وجنوبية – وإقليمية ودولية أيضا، خاصة أن التطورات بين شطري كوريا تؤثر على الدوائر المحيطة بهما في جنوب شرق وجنوب آسيا، وهو ما يتقاطع مع مصالح قوى دولية مؤثرة منها الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان والهند أيضا.
ولعل ما يجعل الأمر مختلفا هذه المرة أن القيادتين الكوريتين الحاليتين، «كيم جونج اون» و«مون جاي ان» تملكان من القوة والإرادة السياسية، والرغبة الحقيقية في بناء علاقات أفضل بين شطري كوريا، وتحقيق السلام والازدهار للشعب الكوري على جانبي الحدود، فبالنسبة للرئيس الكوري الجنوبي «مون جاي ان» والذي تولى الحكم في سول خلفا للرئيسة الكورية الجنوبية السابقة «بارك هيه» التي تمت محاكمتها في قضية فساد، كان ولا يزال عنصرا مؤثرا وديناميكيا، ليس فقط في التهيئة لتقارب أمريكي كوري شمالي اكبر، سيتوج بالقمة بين ترامب والرئيس الكوري الشمالي نهاية شهر مايو الجاري على الأرجح، ولكن أيضا في الدفع نحو تقارب اكبر بين شطري كوريا، حيث حرص على إيجاد مناخ افضل مع الشطر الشمالي عبر الموافقة على مشاركة كوريا الشمالية في الأولمبياد الشتوي الذي استضافته كوريا الجنوبية فبراير الماضي وتشكيل فريق مشترك بين الكوريتين يلعب باسمهما، كما قام بجهد مكوكي بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة لتأمين اتصالات ضرورية تمت بالفعل بين الجانبين، كما حث الرئيس الكوري الجنوبي نظيره الكوري الشمالي على التوصل إلى اتفاقات «جريئة» بين الكوريتين، وهو ما يعني أن «مون جاي ان» يدرك أن كيم الثالث يملك القدرة على ذلك.
ومن المعروف أن الرئيس الكوري الجنوبي كانت مواقفه حازمة وقوية في معارضة التجارب النووية والصاروخية للشطر الشمالي في الأشهر الماضية، وإذا كان الرئيس الكوري الجنوبي يدرك قوة «كيم الثالث» فإن الواقع هو أن الرئيس الكوري الشمالي، وبالرغم من الدعاية الغربية السلبية ضده والتي صورته على انه شاب متهور وقليل الخبرة ومتسلط، إلا أنه استطاع خلال السنوات القليلة الماضية إحكام سيطرته على الأوضاع داخل كوريا الشمالية، والتخلص من خصومه من ناحية، ومواصلة برنامجه النووي والصاروخي، برغم التهديدات والضجيج الأمريكي، حتى وصل إلى درجة محددة تضمن له حماية نظامه وبلده ضد أي تهديدات محتملة من ناحية ثانية، بمعنى أنه أصبح من القوة بحيث يمكنه اتخاذ خطوات لتخفيف التوتر مع كوريا الجنوبية، والسير نحو بناء علاقات افضل مع الولايات المتحدة، وإبداء الرغبة في التخلي عن البرنامج النووي له، أو نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وهو أمر جاء بمبادرة ورغبة من الرئيس الكوري الشمالي، وليس استجابة منه لطلب أو لرغبة أو لشرط أمريكي، كما يميل ترامب إلى تصويره. والمؤكد أن هذه مظاهر قوة تمكنه – الرئيس كيم الثالث – من السير قدما نحو صنع السلام مع نظيره الكوري الجنوبي.
وفي هذا الإطار تزداد أهمية ودلالة أن يكون الرئيس الكوري الشمالي هو أول رئيس للشطر الشمالي يعبر خط الحدود الفاصل بين الكوريتين، ويزور الشطر الجنوبي منذ انتهاء الحرب الكورية عام 1953، وبينما أكد كيم الثالث على انه مستعد لزيارة كوريا الجنوبية في أي وقت، فإن لقاءه مع نظيره الكوري الجنوبي في «بيت السلام» في قرية «بانمونجوم» الحدودية كان مفعما بالرمزية والمعاني، وعلى سبيل المثال فإن الرئيس الكوري الشمالي كتب في السجل الذهبي في «بيت السلام» الذي عقدت فيه القمة يوم الجمعة الماضي «تاريخ جديد يبدأ الآن، عهد من السلام».
* ثانيا: إنه على الرغم من مظاهر الود التي أحاطت بقمة الرئيسين الكوري الشمالي ونظيره الكوري الجنوبي ، وبالرغم من إعلانهما التأكيد على أن هدفهما المشترك هو أن تكون شبه الجزيرة الكورية «خالية من الأسلحة النووية من خلال نزع تام لها»، وأنهما سيعملان من أجل تحقيق سلام «دائم وراسخ» في شبه الجزيرة، إلى جانب التعهد بالحد من التسلح وتخفيف الأعمال العدائية وتحويل المنطقة الحدودية إلى «منطقة سلام»، إلا أن تلك الأهداف تظل آمالا يسعى الطرفان إلى تحقيقها خلال الفترة القادمة، أو بمعنى آخر برنامج عمل لهما يعملان على تحقيقه، مع الإشارة إلى المحادثات المتعددة الأطراف، وخاصة مع الولايات المتحدة، وهو ما يربط في الواقع قمة «بانمونجوم» بشكل ما مع القمة المرتقبة بية كيم الثالث والرئيس الأمريكي نهاية الشهر الجاري على الأرجح.
ولعل ما له أهمية في هذا المجال أن الرئيس الكوري الشمالي علق تلك الأهداف، أو ربطها بالنجاح في تحويل «بانمونجوم» إلى «رمز للسلام»، مؤكدا أنه جاء «مصمما على توجيه إشارة انطلاق حيث يسطر تاريخ جديد من السلام والرخاء والعلاقات بين الكوريتين». وعلى ذلك فإن ما تم في قمة «بانمونجوم» في حاجة إلى البناء عليه وترسيخه، ليعطي ثماره، وأنه يعد خطوة أولى على طريق لا بد من السير عليه خطوات أخرى نحو الهدف المنشود، وهذا أمر لا يخضع فقط إلى رغبة وإرادة الرئيسين الكوريين الشمالي والجنوبي، ولكنه يتفاعل بالضرورة مع مواقف الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان أيضا، والتي رحبت جميعها بالقمة وما تم فيها، وإن كانت أبدت – جميعها أيضا – تريثا وانتظارا على أمل أن تتعزز النتائج الإيجابية خلال الفترة القادمة، وكان ذلك واضحا تماما في موقف ترامب وتعليقاته على موقع تويتر.
* ثالثا: إنه مع الوضع في الاعتبار أن كوريا الشمالية تخضع لعقوبات دولية ثقيلة، بسبب برنامجها النووي والصاروخي، وهو ما حاول ترامب تشديدها، إلا أن قدرة كوريا الشمالية على التعايش مع تلك الضغوط والعقوبات، بفضل الصين ومساعداتها وبعض المساعدات الروسية أيضا، يقلل في الواقع من فرضية أن تكون العقوبات سببا أساسيا في تغيير كوريا الشمالية لموقفها، وقبولها بنزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية. ولعل السبب الأساسي يكمن في أن بيونج يانج قد نجحت في تحقيق درجة من القدرة على الردع بامتلاكها تقنية صنع القنابل النووية – يقال ان لديها 60 قنبلة نووية وإن كان لم يتم تأكيد ذلك – وتقنية الصواريخ الباليستية، ومن ثم لديها القدرة على حماية نفسها، أو الحد من مخاطر تعرضها لما تعرضت له العراق أو ليبيا مثلا.
وفي ضوء ذلك فإن ماراثونا من المفاوضات ستخوضه كوريا الشمالية مع واشنطن ومع الصين وروسيا واليابان وبالطبع كوريا الجنوبية حول الضمانات التي تحتاجها لنزع سلاحها النووي، وحول المراحل والخطوات الخاصة ببناء الثقة.
وإذا كانت قيادة كوريا الشمالية أصبحت على قناعة بأنه من الأفضل لها التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، من أجل بناء حياة أفضل للشعب الكوري الشمالي وللسلام في شبه الجزيرة الكورية، فإنه من المؤكد أنها لن تعتمد في ذلك على مجرد ضمانات شفوية أمريكية أو كورية جنوبية بالحفاظ على نظامها وأمنها وسلامتها، ولكنها ستطلب خطوات عملية وإجراءات محددة ستتضح خلال الفترة القادمة، خاصة في قمة ترامب وكيم الثالث. على أي حال فإنه إذا كانت قمة بانمونجوم بين شطري كوريا تشكل اختراقا كبيرا يمهد للسير نحو السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية خلال الفترة القادمة، إذا نجحت الأطراف المختلفة في بناء وترسيخ الثقة الضرورية لذلك، وهو أمر تريده مختلف الأطراف المعنية، وإن كان من منطلقات مختلفة، فإن النموذج الكوري الشمالي والنجاح في نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية سيمثل – في حالة نجاحه – انتصارا لكيم الثالث ومون جاي ان وترامب أيضا، غير أنه سيلقي على الأرجح بآثاره على الموقف الأمريكي والغربي من البرنامج النووي الإيراني، خاصة أن قمة ترامب مع كل من الرئيس الفرنسي ماكرون، والمستشارة الألمانية ميركل قبل أيام دفعت في اتجاه تغير ما في الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي، وهو أمر ستتضح ملامحه في الأسابيع القادمة، ومن غير المستبعد أن يعمد ترامب، في حالة نجاح قمته القادمة مع كيم الثالث، أن يجعل النموذج الكوري الشمالي، نموذجا يمكن محاكاته بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني بشكل أو بآخر، وهو أمر سيثير الكثير من الجدل على مستويات عديدة.