الحروب الإيكولوجية .. تهديدات جدية للبشرية !!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
هل كان العالم في حاجة إلى المزيد من الحروب في زمن يكاد السلام يتلاشى في العقول والقلوب قبل أن يختفي من ساحات المدن والبلدان؟ الشاهد أن القرن العشرين قد شهد حربين عالميتين، حصدتا أكثر من سبعين مليون قتيل، عطفا على عدد من الحروب الإقليمية والأهلية التي حولت بقاعا وأصقاعا كثيرة حول العالم إلى كتل بشرية ملتهبة فوق مساحات جغرافية مضطربة من شمال الأرض إلى جنوبها، ومن الشرق إلى الغرب.

ومع اقتراب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من الانقضاء يكاد التاريخ أن يكرر نفسه بالنسبة للحروب التقليدية، وهناك مخاوف شديدة من أن تكون هناك على القرب منا مواجهة نووية لا تبقي ولا تذر، سيما أن العالم يمر بفترة أشد خطورة من الحرب الباردة التي عرفها القرن الماضي حينما احتدم الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، أي حلفي وارسو والناتو.
غير أن الطامة الكبرى التي يعيشها العالم في حاضرات أيامنا باتت تتصل بحروب جديدة، تمثل مخاوف رهيبة على الإنسانية برمتها، وتشغل الجميع في أرجاء الكرة الأرضية، حروب الطبيعة أو الحروب «الإيكولوجية» تلك التي تشنها قوى المناخ العمياء الصماء على الإنسانية، ومن جراءها حكما ستدخل الإنسانية في دائرة من دوائر الصراعات المسلحة المهلكة، لا طمعا في احتلال دول لأخرى، وإنما في محاولة البشر للنجاة من غضبة الطبيعية.
الحروب القادمة سوف تدور رحاها حول رغيف الخبز وقطرات المياه، وربما نسمات الهواء، ذلك ان الإنسانية المعاصرة أفسدت إلى حد بعيد جدا الطبيعية ولوثت المناخ، ما جعل حرارة الأرض ترتفع إلى درجة غير مسبوقة، وبالتالي ارتفاع نسبة غازات الدفيئة التي تمنع تسرب الأشعة الضارة إلى الفضاء الكوني، وكان من الطبيعي ان تستتبع تلك التغيرات، تعدلات وتبدلات غير مسبوقة بالنسبة للبر والبحر حول العالم . أما البر فبداية يكفي ان نشير إلى ظاهرة التصحر، والتي تتسبب في هلاك الأراضي الزراعية الصالحة لإقامة الإنسان وحياته ومباشرته لأنشطته، الأمر الذي يعني تقلص مساحة الرقعة الزراعية، والنقص الحاد في الحبوب، أي غياب رغيف الخبز عن أيدي الأطفال والكبار مرة وإلى ما شاء الله.
يعنينا بنوع خاص في عالمنا العربي القريب جدا من خط الاستواء والمعروف بارتفاع درجات حرارته الفهم الواعي لإشكالية تغير المناخ وما سوف تجلبه على العالم من حروب ومن أخبار حروب، سيما وأن هناك تقارير علمية موثوقة تشير إلى ان بعض المناطق الجغرافية في العالم العربي مرشحة خلال عقدين أو أكثر قليلا لارتفاع درجات الحرارة فيها إلى اكثر من سبعين درجة مئوية، ما يعني عدم صلاحيتها للحياة الآدمية، بالضبط كما الحال في بعض الصحارى الإفريقية التي لا يسكنها بشر ولا ينمو فيها زرع.
أما عن البحر فحدث ولا حرج عن المخاطر الكارثية التي سوف تعرض لها البحار والمحيط من حول قارات الأرض الست، ذلك ان ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير ومتصاعد اصبح الآن عاملا محفزا على ذوبان الأقطاب الجليدية، وهناك كتل جليدية انفصلت بالفعل عن القارة القطبية الشمالية، بعضها في وزن الجبال.
هذا الذوبان سوف يولد ارتفاعا في منسوب المياه في البحار والمحيطات، ما يعني دون تهوين أو تهويل، اندثار العديد من المدن تحت سطح المياه خلال أقل من ربع قرن، مدن وولايات، ففي حين يتحدث البعض عن غياب مدينة الإسكندرية المصرية تحت مياه البحر الأبيض المتوسط، فإن تقارير أخرى تقول إن كاليفورنيا برمتها على الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية سوف تغمرها مياه المحيط الهادئ لتضحى واحدة من أهم واكبر الولايات الأمريكية أثرا بعد عين، وربما تشابه دولا بأكملها مصير قارة أطلانطيس الغارقة.
هل ستؤدي تلك التغيرات إلى مواجهات وحروب عسكرية حول العالم؟
الجواب نجده عند الباحث الفرنسي «جان ميشال فالانتان» في بحث مهم وقيم له نشرته مجلة ليبراسيون الفرنسية شهر يناير المنصرم، وفيه يشير إلى أن أثر المناخ في الحروب ليس خفيا، والحرب على حد تعبير المنظر الأهم للحروب «كلاوزفيتز» ليست إلا استمرارا للسياسة بوسائل أخرى عنيفة.
يقرر «جان ميشال» اننا كسكان لكوكب الأرض دخلنا مرحلة تغلب عليها عوامل تغير المناخ والمنافسة الدولية على الموارد، وتخلف الشروط الجغرافية والفيزيائية الطبيعية الأساسية والمتغيرة آثارا جغرافية سياسية بارزة وراجحة منذ اليوم، والحرب تغيرت تبعا لذلك، على الرغم من ان علاقة الصراع على الموارد باندلاع النزاعات ليست جديدة، والطارئ وغير المسبوق فعلا هو ان النزاعات الكبيرة موضوعها موارد الطاقة التي ينهض عليها وجود الجماعات. هيأت التغيرات المناخية الطريق إلى المواجهات العسكرية الدولية والتي لم يكن لها ان تحدث لولا تغير المناخ، غير أن السؤال قبل الحديث عن تلك المواجهات، هو: من السبب في تلك التعدلات والتبدلات المناخية التي قادت البشرية في حاضرات أيامنا إلى مثل هذه الحروب؟
باختصار شديد، أحدث الإنسان المعاصر اختلالا في التوازنات الطبيعية من خلال اعتدائه الآثم على الطبيعية، فقطع أشجار الغابات من أجل الصناعات الخشبية، وسخر الطاقة الكربونية الملوثة للهواء والمؤدية حكما إلى درجات حرارة عالية بسبب انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، ومن ثم حدوث خرق في طبقة الأوزون التي تمنع وصول الأشعة الضارة إلى الأرض، فيما تسمح بخروج الغازات التي تعيق حياة الإنسانية.
لم يتعلم الإنسان المعاصر الدرس من أمم وشعوب وحضارات سابقة عليه، فعلى سبيل المثال الذين قدر لهم زيارة المكسيك من المؤكد أنهم قد شاهدوا الحجر الأثري الكبير المعروف بـ«بوابة الشمس» والذي يعود تاريخه إلى نحو ستة آلاف عام خلت، ومحفور عليه صورة للإنسان المعاصر في ذلك الزمان يرتدي الملابس التي نرتديها في القرن العشرين بما فيها قبعة الرأس والنظارة الطبية السميكة، ومحفور تحت الصورة أيضا تحذير من النيران وما يمكن ان تفعله في الإنسانية، وكيف أنها أدت إلى تلاشي حضارات سابقة.
النيران التي تحذرنا منها أمم سابقة نحن نسعى إلى تأجيجها في العالم المعاصر عبر ارتفاع درجة حرارة الأرض، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى حرائق الغابات التي تجعل من دول بعينها جحيما مقيما، ومن بعضها الآخر عرضة لموجات البحر العاتية أي التسونامي، ومن قبلها تؤدي إلى تصحر الأراضي، ما سيولد ولا شك حالة من حالات الهجرة غير المرغوبة، بل الهجرة القسرية الجنونية التي لن يقف في مواجهتها أحد، لا سيما أن الهدف سيكون البحث عن مأوى للحياة وللنجاة من الهلاك الإيكولوجي الذي سيضرب العالم دون أدنى رحمة أو شفقة. رأي آخر يبين لنا أن المناخ والطبيعة والموارد الطبيعية هي ساحات المعارك الجديدة، حيث يقول البروفيسور «رازميج كوشيان» الأستاذ المحاضر في جامعة السوربون في باريس أن النزعات حول الطبيعة ليست بالحدث الجديد فالانتشار الأخير للجيش الفرنسي على مسارح العمليات في افريقيا مثلا، هو استمرار لتاريخ طويل من التدخلات الإمبريالية الغربية في بلدان الجنوب، التي تهدف إلى ضمان السيطرة على استخراج الموارد الطبيعية وتداولها. هل هي إشكالية الموارد أم معضلة الطبيعة أم كلاهما معا ما سيولد حروبا جديدة ومواجهات عسكرية قادمة لا شك في ذلك؟
المؤكد أن لعنة الموارد هي وجه آخر من العلاقة بين الحرب والطبيعة، وهو وجه سلطت العلوم الاجتماعية النور عليه بصورة اتباعية، ويشير هذا التعبير إلى الحالات التي يكون اصل الحرب فيها- حرب متدنية الحدة غالبا – ومصدرها هو وجود مورد نادر في إقليم «الماس، نفط، أراض زراعية، أو صالحة للزراعة».
والشاهد أن مسألة حروب المناخ هذه لم تعد أحاديث خاصة بعلماء البيئة أو الاجتماع، والتي باتت شغلا شاغلا للعسكريين حول الكرة الأرضية، وباتت مواجهة أزمات البيئة مهمة طارئة وعاجلة بالنسبة لهم. خذ إليك على سبيل المثال ما تتضمنه وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي وقعها باراك أوباما العام 2010، فللمرة الأولى نجد قسما مكرسا للانعكاسات العسكرية للتغير المناخي، فبسبب التغير المذكور على البيئة والأهالي، فإنه يجب أن تضم إلى الحسابات الاستراتيجية وتتكامل معها.
والمعروف ان جيش الولايات المتحدة الأمريكية ليس الجيش الوحيد الذي يهتم بالتغير المناخي، ففي السنوات الأخيرة راحت كثير من جيوش العالم تتساءل حول النتائج العسكرية لهذه الظاهرة، وهكذا فقد كرست مجلة الدفاع القومي في فرنسا وهي إحدى المجلات الرئيسية التي تتناول عقيدة الجيش عددا خاصا في العالم 2010 لـ «جغراسية المناخ (جيو- استراتيجية المناخ)، وكذلك لفكرة «الامن الطبيعي». ويشتمل هذا الملف الذي كتب مقدمته رئيس الوزراء السابق «ميشال روكار»، مقالات ذات عناوين تكشف عن محتواها: «حين يصبح الأمن أخضر»، أو «المناخ: رهان امني ام سيطرة استراتيجية».
يوشك التغير المناخي في نظر العسكريين أن يضعف بعض الدول التي هي ضعيفة أصلا وحساسة استراتيجيا، والمقصود هنا هو الدول الفاشلة الشهيرة التي نظر لها البنتاجون منذ إدارتي جورج بوش الأب وبيل كلينتون، والمعنى بهذا التوصيف، هو دول يفترض أنها عاجزة عن تأمين الوظائف الطبيعية لدولة ديمقراطية حديثه: الأمن، النمو، العدالة، المساواة أمام القانون.
أما الكارثة بالنسبة لتلك الدول فهي أن قلة الموارد الطبيعية والمناخات القصوى المتطرفة تزيد من ضعف هذه الدول، ما يسمح للإرهابيين بأن يستقروا على نحو مريح، ما يعني إن تصاعد الموجات الإرهابية أمر مرشح ومرجح لأن يضحي القدر الواقف خلف الباب ليذيق الإنسانية المرارة الأشد علقما.
أما البقية الباقية فتكاد تكون معروفة أي هجرة ملايين من الأماكن المصابة والمضارة تاريخيا إلى الدول الأكثر استقرارا مناخيا، ما يولد حروب السيادة من جهة أي سيادة الدول، وحروب البحث عن النجاة من جهة ثانية، وبينهما تبقى أحوال البشرية قلق في النهار وأرق في الليل.
هل هي اللحظة التي يتداعى فيها زعماء العام لقمة حقيقية تنتشل الخليقة من الأسوأ الذي لم يأت بعد؟