صدور ترجمة رواية «قلبي في ضيق» للروائية الفرنسية ماري ندياي

ضمن سلسلة «روائع الأدب الفرنسيّ الحديث» بمشروع «كلمة» –
أبوظبي: تزامناً مع معرض أبوظبي الدولي للكتاب، أصدر مشروع «كلمة» للترجمة في دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي الترجمة العربية لرواية «قلبي في ضيق»، للروائية الفرنسية ماري ندياي، بترجمة ماري طوق، ضمن سلسلة «روائع الأدب الفرنسيّ الحديث» التي يشرف عليها ويراجع ترجماتها كاظم جهاد.

وسبق للقارئ العربيّ أن تلقّى في السلسلة ذاتها عملين روائيّين للكاتبة صدرا عن «كلمة» بعنوان «ثلاث نساء قديرات»، و«طقس سيء». تتقدّم هذه الرواية عبر ثمانية وثلاثين فصلاً صغيراً متلاحقة، بلا عناوين، ولا فواصل، بل تكتفي الكاتبة بوضع رقمٍ في بداية السطر الأوّل لكلّ فصل، حتّى لا ينفصم البوح ولا يتجزّأ النشيد.
صوت متوحّد، مونولوج طويل يتغمّد المحاورات ويسلّمنا إيّاها مدموغة ببصمته، ومؤطّرة بسرده الخاصّ.
وما تُصوّره الفصول المتوالية هو استبعادٌ، لا بل نفيٌ غريبٌ يعيشه، حقيقةً أو استيهاماً، مواطنان من مدينة بوردو، الكبيرة.
كلاهما معلّمان في مدرسة ثانوية، أنموذجيّان في الظاهر أو كما يعتقدان.
زلّة لا تعرف ما هي، خصلة سلبيّة ما، تطبعهما وتتسّبب بزوال حظوتهما في محيطهما الاجتماعيّ.
في المدرسة والشارع، تشعر ناديا بكونها محطّ ارتياب ونفور، وزوجها آنج يعود ذات يوم مطعوناً في خاصرته.
الزوجة ناديا هي التي تضطلع بالسرد، نتلقّاه من خلال صوتها، ومعها نمضي من غريبٍ إلى أغرب.
لا حُكم تصدره الكاتبة، بل تدعنا نقرأ ونسجّل، نتعاطف ونغضب، ونرافق ناديا في رحلتها الجهنّمية بحثاً عن خلاص يبدو عسيراً على النوال. شخصية تندفع في جنون متدرّج يسلبها القدرة على التعاطف والاكتراث، وهنا يكمن أحد مفاتيح غربتها.
تفاصيل تبدو غير ذات دلالة، ولكنّها باجتماعها تشكّل ملحمةَ وعيٍ شقيّ هو في الأوان نفسه وعيٌ آثِم. ناديا كما كتب بعض النقّاد هي في الوقت نفسه ذئبٌ وحمَل: أفلا يكون كذلك أغلب الناس؟ أوَ لا يكمن هنا واحدٌ من دروس هذا العمل الأساسيّة؟ هذه الحرب الاجتماعية التي يتبادلها سكّان مدينة كبيرة، أليست مسؤوليّتها متقاسمة من لدن الجميع؟ البحث عن التميّز والوجاهة واعتراف الآخرين قد يكون هو مصدر الضّلال، والباعث في هذه المتاهة العريضة التي تجرف ناديا بعيداً عن نفسها وعن الغير.
نظرة معذّبة، منفصمة، يبين انفصامها في أدنى عباراتها، عبارات متنامية في صحو موجع، تكون الساردة فيها هي المتحدّثة عن مأساتها وقاضيها الذي لا يرحم.
وكذلك هذا الشّغف بالحُكم على الآخرين، هذا التعالي المصعّد إلى مصاف خيار أخلاقيّ (هو بالطبع خيارٌ زائف)، والذي يلقى مكمّله الغريب في رغبة مبرمة في الانسلاخ عن الأصل العائليّ أو الطبقيّ أو الاجتماعيّ، إلى حدّ ادّعاء ناديا بأنّ أبويها ميّتان (تُخفيهما لخجلها من فقرهما وبساطتهما!). باختصار، هذه النفاجة المكوّنة من مزيجٍ من الدونيّة والتعالي هي التي تجعلها تحمل على الدوام قناعاً سرعان ما يلتحم بالوجه، يُخفيه، يصير هو الوجه مع كلّ ما يحمله القناع من التواءات وتشنّجات.
ثمّة في هذه الرواية دقّة في الرصد، سجلّ طبّيّ وشاعريّ في آنٍ معاً، ذكّر بعض النقّاد بـ «محاكمة» كافكا.
مزيج من الوعي الشقيّ والوعي الآثم وسوء النيّة تمسك الكاتبة بتجليّاته بمشرطِ جرّاح.
وثمّة فيها مقابلات رمزيّة كثيرة.
بدءاً بالجرح الذي تسببّت به لآنج طعنة سكّين، والذي قد يرمز إلى انعطابهما هما الاثنان، وإلى التهميش الذي ألفيا نفسيهما ينقذفان فيه يوماً بعد يوم قبل أن يتحقّق الخلاص النهائيّ، فتستعيد ناديا علاقتها بمحيطها وبالواقع، ويشفى آنج ويختار له خليلة كانت هي الأخرى في الماضي محطّ ازدراء ناديا ورفضها.
والانتفاخ أو الورم الذي تحسّ ناديا بثقله في بطنها ويحسبه الآخرون حبَلاً بينما هي تعدّت سنّ الخصوبة، ينتصب في جسدها ذاته دمغة ممضّة لكيانها الشائه، ويزول كأنّما من تلقاء نفسه عندما تستعيد سلامها الداخليّ الذي كانت قد حسبته آفلاً إلى غير رجعة.
كلّ شيء يمرّ عبر الجسد، فالكاتبة تقرّ بصعوبة لديها في التعامل مع التجريدات.
هكذا صرّحت في حوار معها عن الرواية: «عندما تحسّ الساردة بأنّ الأشياء باتت تُفلت من سيطرتها، فإنّ جسدها نفسه يُفلت منها.
تفكّر أنّ انتفاخ بطنها آتٍ من بلوغها سنّ الإياس، ومُحيطها يعتقد أنّها حُبلى، والحال أنّها صارت خاضعة لسطوة الطعام…
المجاز عندي مخطوطٌ في الجسديّ، في الملموس». منذ سنّ السابعة عشرة، لفتت ماري ندياي انتباه النقّاد والقرّاء إلى موهبتها عبر روايتها الأولى «أمّا عن المستقبل الثريّ» التي صدرت في منشورات «مينوي» الباريسيّة الشهيرة في 1985.
كان ذلك ظهوراً مفاجئاً لفتاة ولدت في منطقة النورماندي لأمّ فرنسيّة وأب سنغاليّ سرعان ما عاد إلى بلده الأصليّ فعاشت الطفلة ماري وأخوها وأمّهما في الضاحية الباريسية بور لا رين، حيث كانت الأمّ تعمل في التعليم الابتدائيّ.
ثمّ توالت أعمالها، رواياتٍ وقصصاً ومسرحيّات، وكتابات للناشئة، وأغلب هذه الأعمال حافل بشخصيّات مأخوذة جميعاً في لحظة تعيش فيها امتحاناً وجوديّاً عسيراً وتخوض بحثاً عن الهويّة ممضّاً.
أمّا ناقلة العمل إلى العربيّة، ماري طوق، فهي كاتبة ومترجمة من لبنان، من مواليد 1963، حصلت على إجازة في الأدب الفرنسيّ من الجامعة اللبنانية عام 1990، وتقيم وتعمل حاليّاً في مجال التعليم في مدينة جبيل بلبنان.
نشرت قصصاً قصيرة ومقالات نقدية في الصحف اللبنانية والعربية، ونقلت إلى الفرنسية قصائد لعبّاس بيضون وعبده وازن ومجموعة سيناريوهات للمخرجة الراحلة رندا الشهال. ترجمت إلى العربيّة عدداً من الأعمال الأدبيّة من أهمّها «الجميلات النائمات» لياسوناري كواباتا، و«المرأة العسراء» لبيتر هاندكه، و«خفّة الكائن التي لا تُطاق» لميلان كونديرا، و«أوريليا» لجيرار دونرفال، و«تاريخ بيروت» لسمير قصير، و«ملْك الغائبين» لإلياس صنبر، و«المثقّفون» لسيمون دوبوفوار، و«جبل الروح» لغاو شنغجيان (بالاشتراك مع الشاعر والمترجم الراحل بسّام حجّار)، وأصدر مشروع «كلمة» عدّة ترجمات أدبية لها، منها «العصفور الأزرق وحكايات أخرى» لماري كاترين دونوا، و«نصوص الصِّبا» لغوستاف فلوبير، و«بنيّات اللهب» لجيرار دونرفال وثلاث روايات لماري ندياي.