«شـعبـان».. بـوابـة الشـهـر الفضـيـل.. ونـافـذة النـفـحـات الرمضـانيـة «1»

كيف نستقبل رمضان؟
يحيى بن سالم الهاشلي –
إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

«كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان ليتهيأ جسديا ونفسيا لصيام رمضان، ومن حسن الاستعداد لشهر رمضان أن يقوم المسلم بتفقيه نفسه في أحكام الصوم ومسائله، لكي يؤدي العبادة المفروضة عليه على بصيرة، وذلك من خلال قراءة الكتب الفقهية وحضور الدروس والمحاضرات المقامة لهذا الغرض، وينبغي على المسلم أن يعلم أن شهر رمضان القادم إليه كنز رباني، وأنه بقدر ما أحسن التخطيط المسبق له نال من خير جوائزه وحقق السعادة لنفسه، فيجمل بالمرء أن يحسن استغلال وقته بأن يجعل لنفسه تنظيما لساعات يومه يقسم فيها الأعمال الصالحة التي يؤديها فيه من صلاة ودعاء وذكر وتلاوة للقرآن، فرمضان شهر للسعي إلى الله بالخير والهدى، ومحطة تزود لسبيل الآخرة بالصالحات والتقوى».

يستعد المسلمون في كافة أرجاء المعمورة لاستقبال ضيف كريم وزائر حبيب هو شهر رمضان المبارك، وتبدأ مراسم هذا الاستقبال المبكرة عادة في شهر شعبان أو تسبقه، ومن الملاحظ ازدياد نشاط الحركة الشرائية في الأسواق التجارية ووضع الإعلانات الترويجية «الرمضانية» وانطلاق أكبر مواسم العروض والتخفيضات في العديد من القطاعات التجارية كبيع السيارات وأثاث المنازل إضافة إلى المواد الغذائية والاستهلاكية الأخرى، وبالتالي تقوم الأسر بقصد الأسواق وشراء أصناف الأطعمة التي قد لا تشترى ولا تعد إلا لرمضان، كما يعمد البعض لتجديد أثاث بيته لهذه المناسبة، كما تشهد القنوات التلفزيونية حالة تنافس واستنفار في الترويج لبرامجها الترفيهية ومسلسلاتها بغية استقطاب نسب أعلى من المشاهدين لها في شهر رمضان؛ لذلك فرمضان ليس كأي وقت في العام، ولكن السؤال هل بهذا يستعد لرمضان، وهل هذا هو الاستقبال الحق له؟
إن الاستعداد الحق لشهر رمضان يقوم على مدى إدراك الشخص لمكانة الشهر الذي سيبلغه والوقت الذي سيعيشه، فرمضان سوق، ولكنه ليس سوقا لتجارة البضائع، وموسما لعروض التجارة لكن ليست عروض تجارة المطعومات والمركبات، كما أن رمضان ليس شهر الفراغ ليكون ترفيهه بالتنقل بين القنوات والمسلسلات، إن ما سبق من أحوال هي واقع حاصل في حياة الناس وتنم عن جهل في تقدير الفرصة المتاحة ببلوغ رمضان وبعد عن الصواب في حسن استغلال أيامه وساعاته، فرمضان سوق لكنه سوق للآخرة وفيه عروض تجارة ربانية، كما أن وقته أثمن وأغلى من إهداره أمام شاشات التلفاز واللهو والعبث، إن عظمة شهر رمضان تكمن في خصائص عدة حازها، فهو الشهر الذي اصطفاه الله ليكون فيه تنزل القرآن العظيم الرسالة الخالدة للناس كافة وآخر الكتب السماوية إذ قال سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وكان في ذلك في بدء أمر الإسلام ومبعث محمد صلى الله عليه وسلم في أعظم ليلة من ليالي العام ليلة القدر التي جعلت في ليالي هذا الشهر المبارك، كما اختص الله سبحانه رمضان بأن جعله محلا لتحقيق ركن من أركان الإسلام وذلك بصومه، فالمسلم يحقق الإسلام في نفسه سنويا بصيام شهر رمضان، ويضاف إلى ذلك عظم مثوبة صيامه فقد ورد في الحديث الشريف (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، كما أنه شهر التقرب إلى الله بصنوف الطاعات والقربات لما فيه من مضاعفة الثواب، كقيام الليل وقراءة القرآن وبذل الصدقات كما دلت على ذلك الآثار، فهذه الخصائص وغيرها تلزم العاقل الحصيف أن يستعد لاستقبال شهر رمضان الاستقبال الذي يستحق وينزل هذا الضيف المنزل الذي يناسبه من تعظيم قدره وحسن استغلال أوقاته، وقد كان ذلك فعل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل من سلف هذه الأمة، فكيف كان استقبالهم لرمضان؟
يعد الصوم في رمضان العبادة الرئيسية التي ترتبط به بالصلة الكبرى؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد لصوم رمضان بالإكثار من صوم شهر شعبان فقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يصوم أكثر شعبان إلا قليلا منه، وعند النظر في الحكمة من ذلك نجد أن الإنسان عندما يكون مقبلا على أداء عمل ما يتطلب جهدا بدنيا وذهنيا، فينبغي أن يمهد ذلك لنفسه بنوع من التمرين والتدريب، فإن كان ذلك الذي يقبل عليه أداء ركن من أركان الإسلام وفرض واجب من فروض الدين كان الاستعداد له ألزم وأوجب؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان ليتهيأ جسديا ونفسيا لصيام رمضان، فمن الناحية الجسمية فيه تمرين للجسم على مكابدة الصوم، فحين يدخل رمضان يكون قد اعتاد الصوم فلا يلقى مشقة ولا صعوبة، ومن الناحية النفسية أنه عندما يمرن نفسه بصوم النافلة في شعبان بشكل صحيح بحيث يسعى ليكون صومه ليس مقتصرا على الإمساك عن الطعام والشراب بل ليكون صومه محققا لحكمة الصوم بكف الجوارح والنفس عن جميع ما حرم الله وعن التعلق بالشهوات، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صوم إلا بالكف عن محارم الله) فهذا الصوم هو الذي ينبغي للمسلم أن يحققه في رمضان فالله غني عن صيام حاصله الجوع والظمأ، وهنا تنبيه واجب أن في إقبال الناس في شعبان على التزود بصنوف الأطعمة والمشروبات والتجاوز في ذلك لحدود المعقول والدخول في السرف، فإن ذاك فيه بعد عن حكمة عظيمة من الحكم التي شرع لها الصوم، بالإحساس بمعاناة أهل الحاجة والفقر، فكثير من الناس لم يحسوا بجوع ولا ظمأ في صيامهم، بل ظلوا متخمين ساعات النهار مما أكلوا في الليل، فابتعدوا عن حكمة الصوم ووقعوا في الإسراف والتبذير فكان لهم من شهر مضاعفة الأجر الوقوع في الآثام والوزر.
ولا تقتصر العبادة في رمضان على الصيام، فللقرآن في رمضان صلة عظمى فهو الشهر الذي نزل فيه كما تقدم وقد ورد ما يربط تلاوة القرآن والصيام برمضان فروي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقُرْآنُ وَالصِّيَامُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ ، يَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ»؛ لذلك كان السلف الصالح يقدمون الاهتمام بتلاوة القرآن ومراجعته في شهر شعبان، حتى أنه سمي بشهر القرآن، وذلك منهم من باب حسن الاستعداد لشهر رمضان إذ فيه ينبغي عدم التفريط في أوقاته فتكون المراجعة سابقة لقدومه، فيستعين بهذه المراجعة لتكون له العون في صلاته قيام الليل التي لها كذلك المكانة السامية في شهر رمضان، فقيامه مسنون وأجره معلوم فقد ورد (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وورد في فضل قيام ليلة القدر خصوصا (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فبهذا ينبغي للمسلم أن يوطن نفسه على صلاة قيام الليل قبل دخول رمضان؛ كي لا يحس بثقلها عليه من بعد، وذلك تدرجا بصلاة ركعتين والزيادة عليها بالتدرج كي تعتاد نفسه عليها، فإن مما يؤسف له أن ترى المساجد في أول ليالي رمضان تعج بالمصلين، وما تلبث أن يبدأ الناس بتقليل قيام الليل ومن بعد تركه كلية، وذلك مرده لعوامل عدة منها عدم توطين النفس على العبادة مسبقا والتدرج بها، ولا يفيد سوق الأعذار من التطويل في الصلاة أو الخروج لقضاء حوائج العيد وغيرها فلا هي بنافعة ولا مسوغة لترك فضل قيام الليل وتفويت أجره، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
وإن من حسن الاستعداد لشهر رمضان أن يقوم المسلم بتفقيه نفسه في أحكام الصوم ومسائله؛ لكي يؤدي العبادة المفروضة عليه على بصيرة، وذلك من خلال قراءة الكتب الفقهية وحضور الدروس والمحاضرات المقامة لهذا الغرض، خصوصا إن كان لديه من الظروف ما يستدعي ذلك كحال كثير من أصحاب الأمراض أو أن يكون مسؤولاً عن مريض وكذلك في جانب النساء كالحوامل والمرضعات وصاحبات الأعذار، فينبغي لهم أن يعرفوا الأحكام المتعلقة بحالاتهم كالرخص وما يترتب على فطرهم مسبقا، لا أن ينتظروا دخول الشهر ولزوم الفرض عليهم فيقعوا في الحرج.
وفي العموم ينبغي للمسلم أن يعلم أن شهر رمضان القادم إليه كنز رباني، وأنه بقدر ما أحسن التخطيط المسبق له نال من خير جوائزه وحقق السعادة لنفسه، فيجمل بالمرء أن يحسن استغلال وقته بأن يجعل لنفسه تنظيما لساعات يومه يقسم فيها الأعمال الصالحة التي يؤديها فيه من صلاة ودعاء وذكر وتلاوة للقرآن، وحضور لمجالس الخير والعلم، ليحقق الفائدة العظمى لنفسه، وألا يشتغل بالعبث واللهو وألا ينخدع بالملهيات عن نيل المكرمات، فرمضان شهر للسعي إلى الله بالخير والهدى، ورمضان محطة تزود لسبيل الآخرة بالصالحات والتقوى، فلا ينبغي التفريط فيها (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).