المؤتمر العلمي الدولي للوثائق والمحفوظات يناقش التشريع الأرشيفي والسيادة الوطنية «أمن الوثائق»

تحـت عنـوان «الأرشـيف دعـامة للذاكـرة الوطـنـية»:-
كتبت: بشـاير السلـيمية –
افتتح صباح أمس المؤتمر العلمي الدولي للوثائق والمحفوظات تحت عنوان «الأرشيف دعامة للذاكرة الوطنية»، وهو الذي نظمه كل من هيئة الوثائق والمحفوظات وكلية الشرق الأوسط برعاية معالي الدكتور عبدالله بن محمد السعيدي وزير الشؤون القانونية بكلية الشرق الأوسط في واحة المعرفة، ويعرض ١٤ ورقة عمل ضمن أربعة محاور تعرض وتناقش: التشريع الأرشيفي والسيادة الوطنية، والنزاعات الأرشيفية، إضافة إلى الأرشيف والتنمية الوطنية، إلى جانب أمن الوثائق وحوكمة الإنترنت.

وقال سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في كلمة له خلال الافتتاح إن الهيئة وبالتعاون مع كلية الشرق الأوسط تهدفان من انعقاد المؤتمر العلمي الدولي الأرشيفي «دعامة للذاكرة الوطنية» إلى التأكيد على أهمية هيئات ومؤسسات الوثائق والأرشيفات لما تمثله من دعامة أساسية في حفظ الذاكرة الوطنية للدولة والمجتمع.
وأضاف سعادته إن هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية أنشئت لتُعنى بوثائق الأمة وإنجازاتها وإيلاء الإرث التاريخي والحضاري عناية خاصة واهتمامًا ينبع من الإدراك القائم على ضرورة المحافظة عليه لما يشكله من إسهام بالغ لأهميته في التاريخ العماني الذي انجزه الإنسان العماني في مختلف مجالات الحياة وإسهامه في البناء الحضاري، فقد شكلت تلك الإنجازات على مر العصور والحقب تاريخا حضاريا تليدا تحكي لنا شواهده وآثاره وسجلاته ورسوماته ومبانيه وقصة تاريخ حافل بالبطولات والإنجازات العلمية والحضارية الممتدة من الأجيال الماضية والحاضرة وستستمر بعون الله وتوفيقه ليصل هذا الإرث الحضاري لأجيال المستقبل.
وأكد على الاهتمام به والوعي بالتراث وإدراكه ليكون لنا زادا نشحذ من خلاله وجدان الأمة بأصالتها ورسوخها وماضيها العريق والاستعانة به على رقيها في حاضرها ومستقبلها ونشعر بالفخر والاعتزاز والرفعة بالانتماء إلى ذلك الماضي المشرف الذي كان حاضرا في الكتابات السومرية والبابلية والآرامية والفرعونية.
وأوضح سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني أن انعقاد هذا المؤتمر العلمي المتخصص في مجالات الأرشيف وهيئات الوثائق يأتي للوقوف على الدراسات والبحوث المعمقة حول مؤسسات وهيئات الأرشيف والوثائق باعتبارها أجهزة ضرورية تحظى بالعناية والحماية وخطط الطوارئ والتدخل لحماية الذاكرة الوطنية وإبراز دورها ومتطلبات إنشائها وتجهيزاتها.
وأشار سعادته إلى أن المؤتمر يهدف إلى التأكيد على أهمية الأرشيف في الدراسات العلمية والتاريخية والثقافية والحضارية وغيرها باعتبارها مخزونا فكريا لمختلف الجوانب الحياتية للمجتمع والدولة.
ويتناول المؤتمر الأبعاد والعلاقات التي أرستها السلطنة مع الدول الأخرى في مجال الوثائق والمحفوظات بما في ذلك الحفاظ على الحقوق الوطنية والفردية..
كما يتناول البحث حول أهمية الأرشيف وهيئات الوثائق في تعزيز الهوية والانتماء الوطنـي وستقودنا إلى أحداث بين التشريعات والقوانين واللوائح المتعلقة بالأرشيف وتأثير التكنولوجيا في العلوم والمجالات الارشيفية وسوف يخصص بحث يتم من خلاله تناول أدوات ووسائل أمن وحماية الأرشيف.

كما ألقى الدكتور كيرن جي آر عميد كلية الشرق الأوسط كلمة أعرب فيها عن تقديره للتعاون المشترك بين الكلية والهيئة في تأهيل كوادر وطنية في مجال الوثائق والمحفوظات منذ ٢٠٠٧ متمثلا بتقديم برنامج البكالوريوس في إدارة الوثائق والمحفوظات.
وعرض بعد ذلك فيلم «هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية .. ذاكرة وطن» استعرضت فيه دورة الوثائق والمحفوظات العمانية على مر العصور، ودور الهيئة في حفظ الذاكرة الوطنية من خلال ترميم هـذه الوثائق وحفظها وجمعها.
واستهلت الجلسات العلمية بكلمة للأستاذ الدكتور الهادي جلاب -المدير العام لمؤسسة الأرشيف الوطني التونسي، ورئيس الجمعية العالمية للأرشيفات الفرانكوفونية منذ ٢٠١٢- تحدث فيها عن أهمية جمع الوثائق وحفظها خاصة الوثائق التي تتعلق بحقوق الإنسان، مشيرا إلى بعض من تجارب تونس على وجه الخصوص.
وتبعته الأستاذة الدكتورة سلوى علي ميلاد -حاصلة على دكتوراه في الوثائق من جامعة القاهرة سنة ١٩٧٥م- بكلمة تحدثت فيها عن أهمية صون الوثائق في عمان خاصة كونها ذات حضارة وامتداد تاريخي ولها علاقاتها التاريخية والتجارية القديمة أسوة بالدول المتقدمة التي تولي الوثائق وأرشفتها الاهتمام الكبير.

التشريع الأرشيفي والسيادة الوطنية

وشاركت في الجلسة الأولى ثلاث أوراق عمل، كانت الأولى بعنوان: «دور التشريعات العمانية في دعم السيادة الوطنية على الوثائق والمحفوظات المتعلقة بالسلطنة» قدمها الأستاذ مالك بن سليمان العامري، ناقش فيها التشريعات الوطنية المختلفة المتعلقة بالوثائق والمحفوظات في عمان. ومظاهر دعم التشريعات العامة والتشريعات الخاصة ذات العلاقة بالوثائق والمحفوظات لعمليات تجميع الوثائق المتعلقة بعمان والمحافظة عليها، وكيفية ممارسة الدولة سلطتها من خلال التشريعات المتعلقة بالوثائق والمحفوظات، ومدى وجود صعوبات وتحديات تواجه تطبيق التشريعات الوطنية ذات العلاقة بالوثائق والمحفوظات.
وقدم عادل معيزي ـ هيئة الحقيقة والكرامة بتونس- ورقة بعنوان: «منزلة الأرشيف في سياسات حفظ الذاكرة، تحدث فيها عن أهمية تنفيذ سياسة الذاكرة كالإسهام في الحفاظ على الهوية وتعزيز فهم مشترك للماضي والتطلع الموحد للمستقبل، وعرج إلى الإشكاليات المتعلقة ببناء سياسات الذاكرة منها صعوبة النفاذ والتعاطي مع الأرشيفات الحساسة التي يمكن أن تساهم في تشكيل الذاكرة الجماعية، وعدم الوعي بأن الأرشيف «العام والخاص» يمكن أن يشكل عنصرا أساسيا في حفظ الذاكرة.
وحملت الورقة الثالثة التي قدمها كل من طارق الورفلي وطارق حامدي من جامعة الشرقية عنوان: «دور الأرشيف في إرساء الحوكمة الرشيدة: التجربة التونسية في النفاذ للوثائق الإدارية»، حيث تناول الجزء الأول منها أهمية إتاحة الوثائق الإدارية في مجال الشفافية والحوكمة مستعرضين بعض التجارب الدولية في المجال كالسويد. أما في الجزء الثاني فتطرقا إلى قانون النفاذ للوثائق الإدارية في تونس، وفي جزء الورقة الأخير نوقش مدى ملاءمة القانون التونسي في مجال النفاذ للوثائق الإدارية مع المعايير الدولية، وفي ختام الورقة اقترحت خطة عمل لتفعيل حق النفاذ إلى الوثائق الإدارية من خلال مراجعة بعض النصوص القانونية الأخرى كقانون الأرشيف الصادر سنة ١٩٨٨.

النزاعات الأرشيفية

في الجلسة الثانية التي ترأستها الأستاذة الدكتورة سلوى علي ميلاد أستاذة بجامعة القاهرة، حيث كان الأستاذ الدكتور الهادي جلاب متحدثا رئيسيا بالجلسة، وتناولت إبراز العلاقة بين الذاكرة والتاريخ وارتباطها بالوثائق والأرشيف، كما استعرض النزاعات الأرشيفية بين الدول خاصة الدول الاستعمارية ومستعمراتها السابقة.
فيما عنونت الورقة الأولى بالجلسة الثانية لخولة ديمش – أستاذة بجامعة عبد الحميد مهري قسنطينة بالجزائر- «الأرشيف الجزائري المرحل إلى فرنسا ( النزاع الأرشيفي الجزائري الفرنسي )»، عرفت من خلال هذه الورقة البحثية بالأرشيف الجزائري المرحل إلى فرنسا وأصنافه، والمركز الفرنسي الذي يحتفظ بهذا الأرشيف، إضافة إلى مبررات فرنسا في ترحيله، وعرض بعض وجهات النظر الجزائرية، والفرنسية حول قضية الأرشيف محل النزاع، والتعريف بكواليس مطالبة الجزائر باسترجاع الأرشيف عبر المحافل والهيئات الدولية، وبيان الأسس الشرعية للمطلب الجزائري، وإبراز أهم محطات التفاوض والاتفاقيات الرسمية بين الطرفين الجزائري والفرنسي حول إرجاع الأرشيف، والتعريف ببعض أنواع الأرشيفات المرحلة التي تمكنت الجزائر من استرجاعها، وأخيرا أوضحت بيان الضرر الذي لحق بالجزائر جراء ترحيل الأرشيف الذي مر بأوضاع مختلفة وفقا للمراحل التاريخية التي شهدتها الجزائر، وهي المتمثلة في المرحلة العثمانية، ومرحلة الاحتلال الفرنسي، وأخيرا مرحلة الاستقلال، وفي هذه الأخيرة بذلت خلالها الدولة الجزائرية جهودا كبيرة لجمع ما تفرق من الأرشيف الوطني إبان العهد الاستعماري، ثم تنظيمه وحفظه، وقالت ديمش إن الجزء الأكبر منه قد تم ترحيله إلى فرنسا في الفترة ما بين(1961-1962) وبالضبط إلى مدينة اكس- أن- بروفانس الأمر الذي خلق نزاعا أرشيفيا بين البلدين، وإن الجزائر إلى اليوم ما زالت تسعى إلى استرجاع هذا الأرشيف الذي يمثل الذاكرة الجماعية وهوية الجزائر وأحد معالم السيادة الوطنية.
وعرضت الورقة الثانية من الجلسة الثانية «تجربة الأرشيف الفلسطيني في استعادة الوثائق المنهوبة والمسلوبة من قبل الاحتلال الإسرائيلي» للأستاذ فواز سلامة – مدير عام الأرشيف الفلسطيني- حيث ذكر فيها استراتيجية الأرشيف الوطني الفلسطيني لرصد وحصر المعلومات عن الوثائق التاريخية الفلسطينية، وكيفية كفاح الشعب الفلسطيني من أجل حفظ الأرشيف الفلسطيني، وعبر عن شتات الأرشيف الفلسطيني في أسفاره، الذي تناثرت أجزاؤه وتناقلت مع تنقل وترحال القيادة والحركة الوطنية الفلسطينية، وتساءل حول اكتمال الذاكرة الفلسطينية التاريخية الموثقة ما إذا كانت مرهونة بعودة الفلسطينيين إلى كامل التراب الوطني الفلسطيني. وفي ختام الجلسة الثانية قدم المهندس أسامة حنين نموذج برمجيات إدارة الوثائق والمستندات «برمجية شركة أنظمة وبرامج الكمبيوتر نموذجاً».
ويواصل المؤتمر اليوم قبل ختام جلساته العلمية الثالثة والرابعة لمحوري «الأرشيف والتنمية الوطنية» و«أمن الوثائق وحوكمة الإنترنت ليخرج بعدها بالتوصيات، وتكريم ضيوف شرف المؤتمر والمشاركين».
والجدير بالذكر أن هذا المؤتمر الذي سيختتم اليوم هدف إلى تقييم دور الأرشيف في الذاكرة الوطنية في مختلف المجالات، وإبراز دور الأرشيف في الدراسات العلمية والتاريخية والحضارية وغيرها، إضافة إلى الأبعاد والعلاقات الأرشيفية بين سلطنة عمان والدول الأخرى، وإلقاء الضوء على دور الأرشيف في الحفاظ على الحقوق الوطنية والفردية.