الواقف في ذاكرة الألسن والقلوب

حمود بن حمد الشكيلي –
قبل أقل من عشر سنوات التقت أذناي بمحمد بن عبدالله الريامي، في البدء قبل سريان اللغة في وريد سيرة هذه العلاقة أعتذر من الألقاب والمناصب، لن آتي على صفّها، ليس لقلتها، لكن محمد بن عبدالله بالنسبة لي إنسان أكبر منها، المناصب والألقاب زائلة، والنص هنا بإنسانيته مشغول.

قبل حوالي عقد زمني عرفت الرجل اسما، ستصادف أذناي دائمًا جزءًا من سيرته في الحيل الجنوبية. محمد بن عبدالله ذو سمعة طيّبة في مؤسسة ترأس مجلس إدارتها مع مجموعة خيّرة، تركت أثرا طيبا حسنا في نفوس الموظفين العمانيين في المدرسة، من تلك المجموعة يمر الآن على ذاكرة حروف هذه اللغة عزيزان اثنان «ج» و «ع»؛ لأن الرجلين ما زالا في وظيفتيهما بالمؤسستين فلم يأت النص على ذكر اسميهما، للأخير في ذاكرة هذا القلب موقفان نبيلان، أحدهما عام لجميع عماني المدرسة، والآخر شخصي للأنا. لا أعرف للعالم مكانا في خرائطه! الإنسان أكبر من الحدود الفاصلة بين البلدان، لكن الجغرافيا تفرض واقعها، اعتذاري عن تدريس الدراسات الاجتماعية أتاح حوارا تفاصيله في الذاكرة، يومها خرجنا مساء ذلك اليوم باقتناع مرض، إذ المصلحة العامة أهمّ من أي اختلاف شكلي في وجهات النظر بين أي أخوين في الدنيا.
يتميّز محمد بن عبدالله الريامي بخصال قلما نجدها اليوم في رئيس أي من المؤسسات، محبوب من جميع موظفي المدرسة، ليس لأنه رئيس مجلس أمنائها السابق أبدا، إنما الرجل وحده مدرسة قيادة وإدارة، كلام كهذا، والكثير منه في الصّفة ذاتها أكتبه بوصفه شهادة في حق الرّجل، الإشادة بها واجبة علي؛ كوني ممتهن كتابة.
مواقف عدّة أستمع إليها من ألسنة موظفي المدرسة القدامى، بل إنه أكثر من كل هذا، كان إنسانا يدير المكان بإخلاص وضمير ومتابعة دائمة بصمت أحيانا، كلما دعا موقف وحدث للأمر، كل هذا نابع من محبة الرجل لمكان أسس بنيانه سلطان البلاد -حفظه الله ورعاه-، بعد السنوات الأولى مباشرة من التربّع على العرش.
أُوكِلت إلى محمد بن عبدالله رئاسة المجلس في الفترة الزمنية(1998 – 2010)، بعدها أوكلت إليه رئاسة مؤسسات أُخر غيرها، أمّا اليوم فالرجل في حل من المناصب المعلنة كلها، يعيش حياة هادئة، تلفها الذكريات الجميلة مع الناس، تحيط بها المحبّاتُ، وتظلّلها أدعية الخير والمعروف والإحسان.
ما أعرفه أنه وحده من اختار هذه الحياة؛ قربا من الأبناء والأحفاد، تفرغا للإنسان في داخله. سعيدٌ ومحظوظٌ من يسمح له الزمن بالتفرّغ إلى إنسانه وضميره.
يأتي تفرغ محمد بن عبدالله في زمن يقاتل فيه الإنسان ظروف الدهر وصروفه. كم من إنسان قرّبته الحياة القصيرة جدا خطوة نحو الفراش الأخير، وما سمحت النفس للجسد إلا بالموت على رأس الوظيفة؛ لأجل البقاء على الكرسي، والتمسّك بمقابضه. كم من نفس قاتلت بكل ما تملك من أدوات للبقاء؛ ليس لأي شيء، بل شهوة الكراسي؛ حبا في السلطة، الوهم الخادع للإنسان!
يفترض أن تعيد اللغة إنشائية أخرى، تفيد استمرارية الحالة الإنسانية الفريدة، تأصيلا وانسيابا لمضارعة فعل الحياة، فكان بوصفها فعلا ماضيا، وناقصا أيضا لا تنصف محمد بن عبدالله أبدا، الأحرى أن أكتب مؤكدا أن محمد بن عبدالله مازال إنسانا كبيرا، بتواضعه وبساطته في اللقاء والتحية، سيظل كذلك على الحال ذاتها؛ حتى يرفع الله أمانته عن روحه من على سطح هذه الأرض الطيبة- بعد عمر طويل بإذنه تعالى. إنه الأقرب إلى الجميع، يخاف الله في موظفين أوكِلت إليه عهودهم وأماناتهم.
محمد بن عبدالله الأكثر نبلا وحكمة، ميزته الحوار، والمقابلة بين الطرفين من خصاله الحميدة، هذا ما في سيرة الرجل داخل المدرسة، إن استمع إلى خلاف بين أي من مديري إدارة المدرسة سيجتمع بالاثنين معا في يوم إجازته. في زمن رئاسته سيكون موظفو المدرسة قريبين جدا من المجلس، والمجلس أيضا قريبا من آمالهم وآلامهم، يحتفي بهم في أي من أندية المؤسستين المالكتين للمدرسة، يكرّم المحسن، ويقرّب الآخر المختلف في حوار بنّاء؛ لمصالح الإنسان المشتركة، وللروابط الآسرة بين أخوّة وأبناء المكان الواحد.
إن الموقف الشخصي الذي سيرافقني ما دمت حيا هو أن الرجل سيأمر أحد أعضاء مجلس الإدارة أن يتصل بي، في أزمة أحداث إحدى قصصي القصيرة، لعله اليوم لا يتذكر- أقصد الريامي- أنه قد أمر مجلس المدرسة بالاتصال لمتابعة قضيتي. قضية عادلة أنصفني فيها القضاء النزيه في كل قضايا المواطنين، إذ بعد تثبّت القاضي وتأكده في الجلسة أن المشتكي لا يعرف اسم الكاتب أشْهرت البراءة وأعلنت.
ستظل البراءة والجمال الصديق والشريك لكل القصص في العالم، الأدب مع الإنسان دائما، إذ لا يمكن لكل النصوص الجميلة والخالدة أن تقصد الإساءة أو التشهير مطلقا.
كان المجلس يومها في قمة هرم الكرم الإنساني ونبله وقربه، تلك المكالمة أثلجت صدري، هوّنت من قلقي، إذ المتصل يؤكد أن المدرسة ستوكل محاميا للدفاع عن موظفها.
الكلام يصل إلى أذني عبر سماعة هاتفي، ابنتي ريماس طفلة في أيامها الأولى، أسكن في هذه اللحظة في قلب مقبرة بسياء، من على أحد جدرانها أطل على العالم الآخر متأملا ما يحدث الآن تحت سطح الأرض عبر عين الخيال، أنا قبل قليل فقط عائد إلى عائلتي من مسقط، من هناك أتأمل ما بعد جدار منزل ابن عمي أحمد سعيد صالح، كأني أناجي الأجساد وأكلّمها كل يوم لتبدأ معي رحلة أخرى في الكتابة، كل هذا لم يكن الآن أبدا، إنما تخليد لمكان كنت فيه مستمعا لمكالمة هاتفية قبل عشر سنوات، لكن تلك اللحظة الهاتفية الجميلة تسيل أوديتها في روحي ودمي، كأني أستمع لتلك المكالمة الهاتفية الآن، في هذه اللحظة، لذلك هنا أرد الكرم بالشكر والعرفان، والتحايا الكبيرة كلها، له هو شخصيا ومن معه في ذات النهج من أولئك الخيِّرين القدامى.
محمد بن عبدالله ومن كان معه يقتربون من موظفي المدرسة بشرا في كل مناسبة وأخرى، في زمنه لن يسمح المجلس لسلطته أبدا بمس خبزة ومعيشة أي من موظفي المدرسة، تطبيق عملي وتأصيل حقيقي لسياسة السلطان قابوس على أرض الواقع، سيحب المعلمون، الأخوة العرب محمد بن عبدالله، يومها كان العمانيون داخل المدرسة الأقل عددا، من بين العشرات من الجنسيات المختلفة من هذا العام، يبادل محمد بن عبدالله الإخلاص محبة وكرما، رغم كثرة مشاغله وارتباطاته لا ينسى أنه يرأس مؤسسة تربية وتعليم.
إن عاد للنفس بعد يوم شاق بالعمل، وأشعرته- هذه الضعيفة إذا تأمّلها الإنسان في ليله ونهاره- بخيط واهن من التقصير- هذا ما أتخيله في محاولة إنصافي لرجل لم تصافحه يداي إلا مرة واحدة، في مشاركتي الأخيرة لفنجان قهوة بمنزله.
التعرف عليه عن قرب هو القصد والنّية من الحضور، فكم من ذكرى قصص كثيرة سمعتها عن نبله ودماثته وابتسامته الدائمة، فالكمال صفة ليست للإنسان مخلوقا أبدا، لذلك تجده يبادر موجها دعوات دائمة ما انقطعت أبدا، لا اليوم ولا من قبل أيضا، كان يوجّه دعوات كريمة؛ لكأنه بدعوة اللقاء المفتوح يسعى للتعرف على ما يواجه الإنسان من تحديات تعيق أداء رسالته تربية وتعليما، كم مرّة أخذ موظفي المدرسة إلى بيته ومزرعته في ولاية « إبراء»؟!
يومها ما كنت هناك، ولا هنا مع أيام تلك السنوات بذكرياتها الجميلة، أستمع إلى ما فيها من أفواه تحبّ الرجل، تنصف حضوره كلما أتت إليه ذكرى، أو مرت على المكان غمامة داكنة، فإن كان الرجل محبا للمدرسة ظلّ الموظفون أكثر حبا للعمل والعطاء، سهرا وشقاء لأداء أمانة الرسالة، إخلاصا لاجتهاد تسمح به ظروف الوقت، زمنا مقطوعا من وظيفته الرئيسة، وليست إشرافا على سير مؤسسة بأكثر من إدارة داخل المدرسة، يجتهد بما أُوْتي من فكر ووعي لتظل المدرسة في قمة التميّز، تواصل مخرجاتها كل عام بناء هذا البلد.
قد لا تكون المدرسة هدفا رئيسا لتلك الدعوات، بدا لي أن الرجل مهتم بثقافة التعريف بالبلد إنسانا ومكانا، أصِلُ إلى هذا من الحكايات الوصفيّة عن العائلة المضيفة، أنسابا وأخوة وأبناء، هذا ما أستنتجه وأنا أستمع إلى نوع الأزياء التي سترتديها العائلة، النساء قبل الرجال، وإلى بعض ما في إكرام الضيف، ظل يصر على أخذ المدرسة كلها، بجنسيها البشريين، موظفات وموظفين، من جنسيات مختلفة، وديانات متعددة، يذهبون إلى إبراء، فيها ستخرج عائلته الكبيرة كلها- رجالا ونساء، صغارا وكبارا؛ لاستقبال الجمع الكبير القادم من مدرسة السلطان عبر أمكنة كثيرة من هذا العالم.
رغم قصر لقائنا الأخير به إلا أن معاني الرجل كانت كبيرة، جلسة أظهرت كرمه المعهود، من بيته خرجتُ مع الأخوة الخارجين مؤكدا لنفسي أن الرجل يعيش شاكرا لأنعم الله عز وجل.
شكرا لله، جملة قالتها كل أفعاله، والكثير من حكاياته، لعل بعض تلك (القفشات) الجميلة بما فيها من براءة اللقاء ستبقي في النفس ذكرى.
بدأ الرجل يستقبلنا قبل الوصول باتصالات هاتفية يسأل فيها عن ضيوفه المتأخر وصولهم في الوقت المنتظر، دخلنا منزله العامر، لفّتنا يداه، عانقتنا ابتسامته، قادنا قلبه إلى مجلسه، جلسنا فبدأ يتعرف على الجميع واحدا بعد الآخر، قلة من كان يعرفهم، إذ زاد عدد الموظفين في السنوات الأخيرة، أسمعه الحاضرون كلاما مؤكدين له أنك في القلب حاضر، في ألسنتنا تتمدد مستريحا بالخير عند كل ذكرى، ومع ضيق كل نفس بعد الله نذكرك. نبيل المعدن والطريقة لا يحب أن يسمع إطراء في صحن الأُذن، قد يعتقدها مجاملة لسان، لكن الإطراء صادق من صميم أعماق القلب، ومن نبضات الروح، إذ حتى بعد خروجه عن المكان لسنوات تقترب اليوم من عقدها الأول ظل الذكر بالخير والمعروف والإحسان حليفه ورفيق غيابه.
سينهي محمد بن عبدالله إطراء الحاضرين بجملة قال فيها: (لكل معلم طريقته..) مازال الرجل معلما بأفعاله كلها وسخائه جلّه، لا تسمح له نفسه الكريمة أبدا أن ينتظره أي موظف من المدرسة حتى يمضي بتوقيعه على أي ورقة أبدا، فيأمر بأخذ «علي وسلام» إلى مكتبه في القيادة العامة بالقرم، أو أن يدخلا لمجلسه إن أراداه للغرض ذاته، ما سمحت له نفسه أبدا في يوم أن يجعل لقاءه بأي من الموظفين لقاء سريعا وعابرا، يظل مصرًّا على أن يدخل معه أي موظف من موظفي المدرسة. ظلت الحلوى والقهوة رفيقة كل اللقاءات.
في جلستنا عرّفنا بأبنائه، أولهم مالك،عمدا أبدأ بذكر اسمه، متمنيا له حياة سعيدة مع مولودته الجديدة، سائلا ربي أن يعوضه خيرا في طفولة ابنته الأولى؛ لما فاته من الطفولة والصبا، ثم على أبنائه الآخرين، سالم وسيف وناصر، أما الأخير فعرفته هنا في المدرسة، كان أيضا محبا للقراءة وللكتاب، وعساه أن يظل كذلك دائما، سبق أن أهداني كتاب «زنجبار أحداث وشخصيات» لعمه ناصر بن عبدالله الريامي، سينضمّ هذا الكتاب إلى مجموعة أخرى من الكتب، بصفتها إهداء عزيزا من تلاميذي وطلابي في العديد من المدارس. قبل أن نتركهم عصر ذلك اليوم ظلت كاميرات الهواتف تلتقط صورا، ليحتفظ بها قلب الذكريات القديمة مع المعلم الكريم محمد بن عبدالله.