نوافذ: «بيتي هو قلعتي»..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أضع علامة تنصيص على جملة العنوان، لأنه – حسب المصدر – مقولة لرجل انجليزي، ومنها انطلق الى حيث يطول الحديث، فهذه المساحة الصغيرة المحددة بجدرانها الأربعة تقتطع جزءا غاليا من مساحة الوطن الكبير، وإن كان البيت هو القلعة التي نحتمي إليها من أشياء كثيرة، فما بالنا بالوطن الكبير الذي يضمنا بكل أخطائنا، وارتباكاتنا، وجدنا، وهزلنا، وخوفنا، ونزاعاتنا، ومع ذلك يبقى هو حصننا الحصين، من أحوال الحياة وتقلباتها، ومن طغيان المادة وعنفوانها، ومتى فقدنا الوطن، فقدنا بيتنا الجميل، وفقدنا وجودنا في الحياة، وإذا كان البيت هو المساحة الصغرى، ولا تهنأ لنا الحياة اليومية إلا بين جدرانه الأربعة، فما بال فقداننا للوطن الكبير.
لم يثبت يوما أن ضاق الوطن بأبنائه، فإن كان البيت يضيق بأبنائه، فسيحدث ذلك في مفهوم الوطن، فالبيت الذي نعرفه والدان أسساه، وكان لهما الفضل الكبير في ذلك، وهو أيضا: إخوة وجيران ومعارف شتى وتأتي النشأة المتدرجة من عمر الطفولة الى أن يبلغ أحدنا من العمر عتيا لتضيف عمرا مكتسبا في أهميته، حيث تذوب الفوارق العمرية، وتنمو الترابطات الوجدانية من خلاله، ويكبر الحلم بجعله موئلا لكل النفوس التي تشتاق إلى شيء من الرحمة والعطف والرضا.
فقد يذهب الوالدان المؤسسان للبيت الى جوار ربهما، وتبقى للبيت سطوته، المعنوية، وتبقى للبيت إيحاءاته النفسية في أعماق كل النفوس التي عاشت لحظات حياتها اليومية طوال سنوات النشأة، وطوال سنوات عنفوان الأحلام، وإن استلزمت اليوم «الأسرة النووية» أن لكل فرد بيته الخاص، فيقينا يبقى للبيت الأول ذلك الحنين، وتلك الذكرى المتوغلة في الذات: «كم منزل في الأرض يألفه الفتى؛ وحنينه أبدا لأول منزل» ومع ذلك حتى المنازل التي ينشئها الأبناء بعد ذلك تظل مسكونة بالبيت الأول في تقاسيم كثيرة، أكثرها قربا تلك الحميمية التي أسسها البيت الأول، وظلت امتداد اجتماعيا غير منكور، فالبيوت تؤسس معاني كثيرة للقيم.
هذا الاحتضان الـ «بيتي» بهذا المعنى الكبير له – في المقابل استحقاقات كثيرة – يأتي في مقدمتها عدم نكران الجميل، وعدم تجاوز إنزاله المنزلة المباركة في النفس، ويتسلسل الاستحقاق ليتناول واجبات كثيرة، وخاصة فيما يتعلق بتربية النشأ والمحافظة عليهم من كل سوء، وما أكثر المصائب السيئة التي ترزح من تداعياتها الناشئة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وذلك بسبب وجود الخيارات الكثيرة للأدوات المستخدمة، سواء أدوات مادية ملموسة، أو أدوات معنوية محسوسة، ولكي يبقى هذه البيت بقلعته المهابة لا بد أن يكون محافظا على خصوصية المنتج الذي يتوزع على امتداد ميادينه، والمنتج هنا الأبناء؛ هؤلاء الأفراد؛ الذين يعول عليهم البيت الكبير «الوطن» الكثير من الآمال، والطموحات، خاصة عندما تتحقق للوطن الدفعات المتتالية من الهدايا الديموغرافية المتلاحقة جيل بعد جيل.
عندما يكون «بيتي هو قلعتي» تكون النظرة أكبر في المحافظة على هذا البيت، لأن له إرثا تاريخيا موغلا في القدم، إرث من القيم الإنسانية الرائعة، وإرث من الآداب والسلوكيات، عض عليها من سبق بالنواجذ، ويظل المحافظة عليها دينا مستحق، كما هو المعنى في البيت الرائع – رحم الله قائله -: «وللأوطان في دم كل حر، يد سلفت ودين مستحق».
بيوتنا ممتدة على امتداد الوطن، ففي كل جزء من الوطن يكون بيتنا فيه امتداد لمفهوم القلعة، حامية أمينة لمن فيه، محافظة على تشكلاته الصغيرة، ومعبرة عن صورة هي امتداد لمشروع الوطن الكبير، الذي لا يزال يحن على أبنائه «حنو المرضعات على الفطيم».