جــزر الكنــاري تعكـس المؤاخــاة والامتــــزاج بين العالم الجديد والقارة العجوز

أول مستعمرة أسستها إسبـــــانيا في المحيط الأطلنطي –
من- بابلو سانينيتي –

لو كانت الأشجار تستطيع الكلام لتحكي قصة غزو الأمريكتين فسيكون لعدد من فصائلها الكثير لتحكيه، ومنها شجرة “دم التنين” أو “دم الأخوين”، وهي شجرة عمرها 50 مليون عام على ظهر الأرض، ومنشأها حوض البحر المتوسط، وشجرة الصنوبر أو الأروكاريا ومنشأها أمريكا اللاتينية، وينسب إليها شعب الأراوكان المحاربون الأشداء من شيلي وأوروجواي وباراجواي، وترتفع هذه الأشجار السامقة في منظر بانورامي خلاب بوسط باحة “الروح المقدس” في الحي القديم لمدينة لاس بالماس دي جران كناريا الإسبانية.
الجمع بين نوع تقليدي خاص بجزر الكناري، ونوع آخر تقليدي شهير بالأمريكتين يعكس المؤاخاة والامتزاج بين العالم الجديد والقارة العجوز عبر جزر الكناري الواقعة غرب قارة أفريقيا، وهي رمزية تبدو جلية للعيان سواء للسائح العابر أو للمؤرخ المتخصص.
“لاس بالماس دي جران كناريا، كانت أول مستعمرة أسستها إسبانيا في المحيط الأطلنطي”، وتوضح في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية(د ب أ) إيلينا أكوستا مديرة متحف بيت كريستوبال كولون الذي يحتل المبنى التاريخي المقام بوسط المدينة، ويعنى بإبراز الروابط التي تجمع بين جزر الكناري والأمريكتين، من خلال المواد الأرشيفية والمعارض والخرائط التي تستحضر في الأذهان شكل العالم في تلك الفترة.
“واجه الإسبان هنا نفس الظواهر التي اضطروا لمواجهتها بعد ذلك في الأمريكتين: السكان الأصليين، الغزو والانصهار في المجتمع الجديد”، تسرد أكوستا وقائع الغزو الإسباني لجزر الكناري الذي بدأ عام 1478، ومدى التشابه بينها وبين ما حدث مع اكتشاف العالم الجديد بعد ذلك بأربعة عشر عاما. “كانت هذه الجزر بمثابة معمل صغير، عالم مصغر لما سوف يحدث بعد ذلك”، تضيف.
يمكن العثور على شواهد جلية على هذه الصلات في حي بيجيتا الذي يعتبر النواة التي تأسست حولها لاس بالماس دي جران كنارياس وأعلن ضمن قائمة التراث التاريخي والفني الوطني. يشكل طراز العمارة وتقسيم الشوارع بالحي، جنبا إلى جنب مع أنواع الأشجار والنباتات بمختلف ألوانها، فضاء فريدا هجينا يجمع بين تفاصيل إسبانيا وأمريكا اللاتينية في سجل ذاكرة تاريخية لا تمحى.
توضح مصادر من قطاع السياحة بمقر بلدية المدينة لـ(د. ب.أ) قائلة “يقدم ميدان سانتا آنا الذي يعتبر المركز الحيوي للمدينة خير مثال على هذا، حيث اجتمعت فيه منذ البداية رموز السلطة الدينية والمدنية: الكاتدرائية، ومؤسسات الإدارة، ومقر العمدة، ومقر الأسقفية”.
وعلى الرغم من أن تقسيم الميدان يختلف كثيرا عن الميادين والساحات الرئيسية التي ميزت حواضر شبه جزيرة أيبيريا، إلا أن هذا الميدان، أصبح نموذجا يحتذى في غالبية ميادين وساحات حواضر دول الأمريكتين التي تعكس نفس المفهوم، ومنها على سبيل المثال “ساحة السلاح” أو الميدان الكبير في العاصمة البيروانية ليما، أو “الثوكالو” في المكسيك.

العمارة
الشوارع المرصوفة بالحجر والممرات المخصصة للمشاة المحيطة بالميدان تفوح منها عبق الأجواء الكولونيالية الممتزجة بتفاصيل عمارة عصر النهضة وعصر الباروك مع فن المدجنين آخر ما تبقى من لمسة عربية إسلامية، وهي التي بدورها تعتبر من أبرز الصلات المشتركة التي تؤكد المؤاخاة بين جزر الكناري والأمريكتين بصورة واضحة لكل عابر سبيل يرنو ببصره متأملا واجهات المباني وتفاصيلها.
بعض المباني الفخمة استخدمت بعد ذلك كنماذج للعمارة في دول الكاريبي، فتبرز شرفات رائعة ونوافذ خشبية، وهي من العناصر الأساسية لهوية الطراز المعماري المنتشر في جزر الكناري التي لا يضاهيها في الروعة سوى شرفات ليما بموتيفات الأرابيسك المميزة.
وفرة أشجار الصنوبر في جزر الكناري يمكن ملاحظة أثرها الواضح في جميع أركان متحف كريستوبال كولون، سواء في التفاصيل الزخرفية المنتشرة في عوارض الأسقف أو الشرفات أو في درابزين السلم والفناء، وهي التي تعتبر من المعالم المهمة في المكان، نظرا لأنها تعكس امتزاج التراث العربي مع الروماني في جنوب شبه جزيرة إيبريا التي انتشر منها في العمارة الكولونيالية.
“إنه النموذج التقليدي للفناء المفتوح داخل المنزل والمصممة الشرفات المطلة عليه من الخشب المنقوش”، ويوضح مرشد المتحف لفوج من الزائرين أنهم لم يستطيعوا تفادي إبداء انبهارهم بالببغاوات الملونة المنتشرة في الفناء، مؤكدا “هذه لمحة أخرى من الأمريكتين هنا”.
يذكر أن المبنى أعيد بناء معظمه مرة أخرى في القرن العشرين، بعد ضم بعض المباني المجاورة إليه، إلا أن الجزء التاريخي منه كان يشغل مقر الحاكم، حيث ترجح الشواهد أن يكون كريستوبال كولون قد نزل به في 1492، خلال إقامته على جزر الكناري التي امتدت لبضعة أسابيع، قبل خروج سفنه لعبور المحيط وتغيير التاريخ مع بداية عصر الكشوف الجغرافية.

المحاصيل الزراعية

تجدر الإشارة إلى أن كريستوبال كولون نزل ثلاث مرات بجزر الكناري خلال رحلاته الأربع للعالم الجديد. كانت الثانية عام 1493م حيث حمل معه من الجزيرة نباتا سيغير بعد ذلك مسار اقتصاد الأمريكتين وهو قصب السكر الذي كان بمثابة “الذهب في القرن الخامس عشر”، توضح مديرة المتحف.
تضيف أكوستا أن “القصب جاء إلى الجزيرة من مدينة ماديرا البرتغالية، ليصبح المحصول الرئيسي بها، إلا أن هذا الوضع تغير مع ازدهار زراعة القصب في الأمريكتين، حيث لم يعد قصب الجزيرة يستطيع المنافسة مع منتج الأمريكتين.
وصل الموز إلى الأمريكتين عن طريق جزر الكناري أيضا، وشجر الصبار، وحيوانات مثل الكلب والنعاج. أما المحاصيل التي قطعت الاتجاه المعاكس من الجانب الآخر للمحيط إلى القارة العجوز فكانت الذرة، والبطاطس وانتشرت بسبب تشابه الظروف المناخية، وانتقلت منها إلى باقي أوروبا، وفقا لما هو موثق بشأن التبادل الذي حدث نتيجة رحلات كولون.
ويعتبر باجيتا في حد ذاته كتابا مفتوحا حول هذا الموضوع، فعلى بعد أمتار من متحف بيت كريستوبال كولون يقع المنزل الذي ولد به مغني الأوبرا العبقري التينور الفريدو كراوش، وتقع صومعة سان أنطونيو أباد، حيث تشير الحكايات الشعبية إلى أن كولون لجأ إليها متضرعا بالصلاة قبل خروجه صوب العالم الجديد، وتوجد بالفعل لوحة رخامية تسجل هذا الحدث.
في الحي نفسه يوجد متحف جزر الكناري المخصص لدراسات عرقيات السكان الأصليين الذين استوطنوا الأرخبيل قبل وصول الإسبان، فيما تحكي شوارع الشرفات العربية، وكنائس سانتو دومينجو دي جوثمان وثان فرنثيسكو دي بورخا والكاتدرائية الرئيسية التي استغرق بنائها أربعة قرون، ولم تكتمل بعد تاريخ الامتزاج والمؤاخاة بين جزر الكناري والأمريكتين.
في ميدان صغير يطلق عليه “وزن الطحين” يوجد منزل قديم عاش به سيلفستري دي بالبوا (1563-1649) مؤلف رواية “مرآة الصبر” أول عمل في الأدب الكوبي. في المقابل بالتحديد توجد شجرتا “دم التنين” والأروكاريا تقفان شامختين لتسردان أصل الجذور المشتركة لتاريخ يجمع اليوم بين 500 مليون شخص.