وتر: أثر قبقاب سالمة

شريفة بنت علي التوبية –

حينما أهدتني الصديقة ليلى عيسى كتاب (على خطى الأميرة سالمة، قرنفلة عمانية في مدينة هامبورج) لحمود بن سالم السيابي، كنت قد بدأت بقراءة كتابين وهما كتاب (الجنس الآخر) وكتاب (سارتر وسيمون دوبوفوا، الحياة والحب) وأنا في قمة انبهاري بآراء دوبوفوار حول المرأة ووجودها وحياتها، وحول أصول الفلسفة الوجودية ونشأتها وتكوينها، لم أكن أظن أن كتابا آخر سيكون قادرا على انتزاعي من فخ الفلسفة الوجودية، ولكن يبدو أن السيدة سالمة أو إميلي روث قد كانت أكثر إغراء، وأن أسلوب حمود السيابي في الكتابة كان أكثر جاذبية من أي كاتب آخر، لأسير مع الكاتب على خطا الأميرة الهاربة مع من أحبّت، والتي تركت المجد والرفاهية والعائلة والدين والوطن من أجل الحُب فقط، ولأنها آمنت باختيار قلبها وما خذلها قلبها ولا من أحبته.
لقد قرأتُ سيرة ومذكرات السيّدة سالمة بنت سعيد بن سلطان منذ فترة طويلة، ثم قرأتُ رسائلها للوطن وما كتبته عن حياتها وغربتها بعد موت الزوج والحبيب (رودولف)، لكن الكتاب هذه المرة مختلف تماما عما قرأت، لأن الكاتب كان يقتفي أثر الأميرة ويتتبع أثار خطواتها، محاورا ومعاتبا لها في بعض الأحيان، سالمة كما يراها الكاتب وليس كما ترى نفسها، سالمة التي خلّدها الحب لتعيش حياتها كامرأة حرّة وكما أرادت غير خاضعة لشيء سوى نداء القلب وسلطته، يقف الكاتب في محطات هامبورج فيلمح طيفها العابر، يتناول معها فنجان قهوة، معاتبا لها في اختياراتها وقراراتها وما يخص دينها وعاطفتها وغربتها، ولا أجد ذلك تدخلا لأن الكاتب شخصية رئيسية في مجرى الأحداث بالنص المكتوب.
في هذا الكتاب لم أكن أقتفي أثر الأميرة سالمة ولكني كمن يكتشف ألمانيا من جديد، ويتعرّف عليها للمرة الأولى وكمن يتصالح معها وأنا التي لم أحبها حينما زرتها يوما، ربما لأني ما كنت باحثة فيها عن رائحة عطر سالمة في تلك الدروب الباردة وهي تضع يدها بيد رودلف الدافئة، ولم أقتف أثر عاطفتها وأمومتها وغربتها وفقرها وخذلانها ومعاناتها، ولكن حينما وقفت على السطر الأخير من الكتاب، اكتشفت كم أنا متصالحة مع هامبورج وألمانيا كلها، لأسمع رنة خلخال سالمة وأرى طيف شالها الأحمر الموشى بخيوط الذهب، فبعض الكتب تفتح شهيتك للبحث عن أصل الحكاية في دروب مدينة سار عليها أبطال الحكاية، فما بالك أن يأخذك حمود السيابي بأسلوبه الرشيق مقتفيا أثر قبقاب سالمة في طرق هامبورج ودروبها.