قمة الظهران والمـلفـــــــات الســـاخـــنة

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
تعد القمة العربية التي عقدت مؤخرا في مدينة الظهران السعودية من القمم التي جاءت في مرحلة حساسة على صعيد الأمن القومي العربي من خلال الأزمات والحروب الأهلية التي تعيشها عدد من الدول العربية ومن هنا جاءت هذه القمه لإيجاد أولا قرار حاسم فيما يخص قضية العرب المركزية وهي القضية الفلسطينية وثانيا إيجاد حلول سياسية لتلك الأزمات خاصة في اليمن وسوريا وليبيا .

لقد كان القرار العربي واضحا فيما يخص القضية الفلسطينية وهو استنكار قرار الإدارة الأمريكية فيما يخص وضع مدينة القدس المحتلة وايضا التأكيد على ان حل الصراع العربي -الاسرائيلي يأتي من خلال المبادرة العربية التي تم إقرارها في قمة بيروت العربية عام 2002 والتي تنص على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .

الملفات الساخنة

كان قرار القمة الحاسم فيما يخص القضية الفلسطينية مهما والسبب هو تزايد التكهنات حول خريطة أمريكية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال ما يعرف بصفقة القرن والتي قد تكون عرضت على عدد من الدول العربية لمناقشتها قبيل الإعلان عنها بشكل رسمي . ولا شك ان القرار العربي الذي تضمنه البيان الختامي للقمة جاء ليبدد أي شكوك حول القضية الفلسطينية وان العرب متمسكون بالثوابت العربية وانه لا يمكن المساومة علي قضية العرب المركزية وهذا أوجد ارتياحا للرأي العام العربي وأيضا رسالة للإدارة الأمريكية بان العرب لا يمكن ان يفرطوا بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
فيما يخص الملفات الساخنة في الوطن العربي وعلى رأسها الوضع المأساوي في اليمن وسوريا وليبيا فإن الجهود السياسية تتواصل من خلال الاجتماعات المتواصلة بين الفرقاء في اليمن من خلال المبعوث الجديد للامين العام للأمم المتحدة والذي التقى مؤخرا بكل الفرقاء اليمنيين سواء في مسقط أو اليمن والسعودية حيث قدم لمجلس الأمن الدولي تقريرا عن الوضع في اليمن وإطلاق الحوار السياسي بين الأطراف اليمنية خلال شهرين.
ولا شك ان السلطنة تبذل ولا تزال جهودا كبيرة فيما يخص ايجاد تسوية سياسية حتى يعود الأمن والسلام لليمن من خلال تلك الجهود وقد اكد قرار القمة فيما يخص اليمن على ضرورة حل الصراع في اليمن عن طريق المفاوضات ، ومن هنا فإن هناك إجماعا عربيا على ضرورة إيجاد تسوية على ضوء قرارات الشرعية الدولية والرؤية التي سوف ينطلق من خلالها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة خلال الفترة القادمة .

انهاء الصراع في سوريا

رغم ان عضوية سوريا لاتزال معلقة في الجامعة العربية إلا ان القمة العربية كانت حريصة على ضرورة إنهاء الصراع المسلح في سوريا والتأكيد على أهمية اجتماعات جنيف واستانا للوصول الى حل سياسي يعيد الأمن والاستقرار لسوريا وان يعود الشعب السوري الى وطنه وان يتم إطلاق العملية السياسية من خلال مبادئ جنيف 1.
ان الوضع في سوريا اصبح لا يطاق حيث ملايين اللاجئين السوريين والحالة الإنسانية الصعبة التي يعيشها الشعب السوري الشقيق خلال السبع سنوات الأخيرة ومن خلال قرارات قمة الظهران العربية فإن الاتجاه العربي هو مع جهود التسوية السياسية حيث إن الحل السياسي اصبح هو الخيار الوحيد لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا.
ولا شك ان الإجماع العربي خلال القمة العربية جاء منسجما مع الجهود السياسية التي تبذل من قبل دي مستورا مبعوث الامين العام للأمم المتحدة لسوريا وأيضا من خلال جهود عدد من الدول العربية وعلى رأسها السلطنة حيث ان الرؤية العمانية حاضرة حول إيجاد تسوية سياسية حقيقية حيث زار السلطنة مؤخرا كل من وزير الخارجية السوري وليد المعلم وايضا رئيس هيئة التفاوض لقوى الثورة و المعارضة السورية نصر الحريري حيث اجتمع كل منهما مع معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي وكان هناك انطباع إيجابي حول الجهد الدبلوماسي الذي تبذله السلطنة لإيجاد مخرج سياسي للأزمة السورية المعقدة.
ان الدور العربي مهم، فالوضع في سوريا يهم الدول العربية وهو جزء من الحفاظ على الأمن القومي العربي حيث ان لسوريا اهمية استراتيجية ومن هنا جاءت القمة العربية لتؤكد على هذا المنظور وحتى يكون الجهد العربي منسجما مع جهود الأمم المتحدة وبقية الفرقاء في سوريا في ظل تعقيدات تعصف بالأزمة السورية حيث التواجد الإقليمي والدولي على الأراضي السورية مما يحتم ان يكون للدول العربية دور محوري لإنقاذ سوريا من ازمتها الراهنة من خلال إيجاد تسوية سياسية متوازنة ولصالح الشعب السوري.

الوضع في ليبيا

الأزمة في ليبيا تعد من الأزمات الصعبة منذ أحداث 2011 ورغم التقدم النسبي الذي حدث في ليبيا إلا ان القمة العربية أكدت على أهمية إنهاء الصراع المسلح في ليبيا وإيجاد تسوية سياسية على ضوء خطة الأمم المتحدة من خلال مبعوث الأمين العام غسان سلامة ومن خلال إيجاد دستور دائم وإطلاق الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومرة اخرى كان للسلطنة جهودها الدبلوماسية من خلال اجتماع الفرقاء في مدينة صلالة وإقرار الدستور ولا تزال الجهود السياسية متواصلة من خلال الأمم المتحدة ، ومن هنا جاء القرار العربي فيما يخص ليبيا مؤكدا على وحدة ليبيا وضرورة إنهاء الصراع المسلح وإطلاق العملية السياسية ولا شك ان وجود هذا التناغم العربي يعطي دفعة لجهود مبعوث الأمين العام للامم المتحدة وايضا للجهود العربية لإنهاء الصراع المسلح في ليبيا وإقامة الدولة المدنية .
ولاشك ان القمة العربية في الظهران قد شهدت نقاشات موضوعية حول الملفات الساخنة في عدد من الدول العربية والأمل كبير في ان المتابعة العربية لقرارات القمة تساهم في إنهاء تلك الملفات من خلال الجهود العربية والدولية حتي لا تتفاقم الأمور وتدخل ليبيا وسوريا واليمن الى أتون الانقسام والتفكك وهذا بلا شك سوف يشكل ضربة موجعة للأمن القومي العربي وهذا ما أكدت عليه القمة العربية والتي حاولت التوصل الى الحد الأدنى من الإجماع العربي في ظل ظروف صعبة تعيشها العلاقات العربية-العربية وفي ظل مناخ سياسي إقليمي ودولي معقد ومن هنا فإن الممكن قد حدث في الظهران ولم يكن هناك سقف من التوقعات اعلي من ذلك تمهيدا للقمة العربية المقبلة في تونس، و ربما تكون الأوضاع العربية قد تحسنت وتم حل تلك الملفات الساخنة قبل تلك الدول العربية أو فيها .
ان إعادة العلاقات العربية – العربية الى سابق عهدها هو أمر في غاية الأهمية حتي يمكن إيجاد التضامن العربي والدفع بالتكامل الاقتصادي العربي الى الأمام والتفرغ للتنمية الشاملة والاستفادة من الطاقات العربية وإنهاء الصراعات السياسية التي تستنزف مقدرات الأمة العربية وشعوبها ، ومن هنا فان العرب بحاجة الى إعادة تفكير في أوضاعهم الحالية وان تكون هناك رؤية جديدة للسلوك العربي حتي تستعيد الأمة العربية مكانتها الحضارية بين الأمم المتقدمة والعوامل التي تصل بالعرب الى تلك المكانة متوفرة ، فقط نحتاج الى إرادة سياسية وصفاء النوايا والبعد عن الأنانية حتي تنطلق الأمة العربية الى آفاق ارحب من التطور والرفاهية وان يكون للعرب مكان تحت الشمس في ظل المنافسة والتكتلات الإقليمية في آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية .
وفي المحصلة النهائية فإن القمة العربية في الظهران حافظت على الثوابت العربية فيما يخص القضية الفلسطينية وايضا أكدت على الحل السياسي للأوضاع المتردية في اليمن وسوريا وليبيا وهناك ملفات أخرى تنتظر الجهد السياسي العربي خاصة في الصومال الشقيق الذي يعاني من صراع مرير لعدة عقود ويحتاج إلى جهد سياسي عربي لانتشال هذا البلد العربي من محنته .