خطوة على طريق النهوض.. ولكن!

د. عبد الحميد الموافي –
وبرغم كل ذلك وغيره من الممارسات العربية بين الأشقاء على مدى العقود السبعة الأخيرة ، فإنه يمكن القول إن قمة الظهران سارت خطوة على طريق تفعيل العمل العربي المشترك ، غير ان الطريق طويل ويحتاج الى الثقة المتبادلة والإرادة السياسية واليقين بأن مصالح كل منا تكمن في العمل معا ..

هناك ، على مستوى الدول والمنظمات الإقليمية والدولية ، أخذات ومواقف تتسم بالأهمية والرمزية على مستويات مختلفة ، وفي ظروف محددة أيضا ، وذلك بحكم معناها ودلالاتها ، وما يمكن ان يترتب عليها كذلك . وليس من المبالغة في شيء القول بأن القمة العربية العادية التاسعة والعشرين ، التي عقدت في مدينة الظهران السعودية في الخامس عشر من الشهر الجاري ، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة ، هي واحدة من هذه الأخذات والمواقف على الصعيدين العربي والإقليمي .
وبالرغم من ان قمة الظهران لم تستمر الا ليوم واحد ، أو لبضع ساعات كما يحلو للبعض أن يقول ، إلا أن القمة العربية التاسعة والعشرين تكتسب أهميتها ورمزيتها من جوانب محددة ، لعل من أبرزها ، هو عقد القمة والتئامها في حد ذاته ، وفي المملكة العربية السعودية أيضا . فإذا كانت قمة الظهران ، هي أول قمة عربية يتم عقدها بعد مقاطعة الدول الأربع – المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات ومملكة البحرين – لدولة قطر منذ الخامس من مايو عام 2017 ، وهو ما يعني ان هذا الخلاف لن يحول دون مشاركة الدوحة في أعمال الاجتماعات والفعاليات الجماعية العربية ، سواء كانت على مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، او على المستوى العربي العام ، سياسية كانت او عسكرية ، خاصة وان جنودا قطريين شاركوا في مناورات « درع الخليج المشترك -1» الذي جرت فعالياته في المملكة العربية السعودية واستمر شهرا تقريبا حتى 16 أبريل الجاري ، وشاركت فيه 24 دولة عربية وغير عربية ، فإن التأخر في تحديد موعد انعقاد القمة العربية ، والتي تعقد عادة في شهر مارس من كل عام ، والذي صاحبته تساؤلات حول مصير القمة ، انتهى في الواقع بقرار عقد القمة في 15 أبريل الجاري ، وفي المملكة العربية السعودية كما هو مقرر لها ، وهو ما يعني في الواقع الانحياز الى ان القمة العربية يجب عقدها في كل الأحوال ، وبغض النظر عن أي خلافات بين الأشقاء . وهذا انتصار لحقيقة ان عقد القمة ولقاء القادة العرب وممثليهم ، يظل أمرا هاما ومفيدا على الصعيد العربي ، وبالنسبة للعلاقات بين الأشقاء أيضا مهما بدا على السطح من خلافات او حملات إعلامية متبادلة خرجت أحيانا عن سياق العلاقات الأخوية وما ينبغي الالتزام به في الحوار بين الأشقاء ، بما في ذلك الترفع عن الانسياق وراء الجموح المرفوض بتبرير ان ما يحدث هو ممارسات إعلامية !! فالإعلام في بلداننا العربية هو مرآة للسياسة في معظم ، إن لم يكن في كل الأحوال .
وبالتالي فان انعقاد قمة الظهران افسح المجال أمام استمرار فعاليات مؤسسة القمة العربية وهو امر طيب ، ساهمت المملكة العربية السعودية الشقيقة في تحقيقه ، وفي تأمين نجاحه ايضا ، خاصة وان البديل – في حالة عدم التئام القمة – يظل مزعجا ، ان لم يكن مرعبا ، بالنسبة لمصير العمل المشترك ، خليجيا وعربيا أيضا ، وهو ما تم تجاوزه في قمة الظهران بتعاون وتفهم وشعور جميع الأشقاء بالمسؤولية ، وبضرورة الحفاظ على آليات وأطر العمل المشترك ، خليجيا وعربيا ، لأن الخلافات مصيرها الانتهاء ، وان العمل العربي المشترك يفيد كل الأطراف ويحتاجه الجميع في النهاية .
الأمر الثاني الذي يتسم بالأهمية والرمزية أيضا يتمثل في انه بالرغم من أن القمة العربية ، والتي يعتقد كثيرون أنها قادرة على تناول أي موضوعات او قضايا تؤثر بالسلب على العرب في حاضرهم ومستقبلهم ، لم تتعرض لا للخلاف بين قطر والدول المقاطعة لها ، من منطلق ان حل الخلاف سيكون في الإطار الخليجي ، فضلا عن ان أحدا لم يطلب طرح الخلاف على جدول أعمال القمة ، كما أنها – القمة – لم تتعرض للضربة الجوية التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد مواقع سورية فجر اليوم السابق لعقدها، بحجة استخدام القوات الحكومية السورية لغازات كيماوية في دوما ، وهو ما تحقق فيه منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وسط جدل بشأن ما إذا كان حدث ام لا ، والأسباب معروفة بالطبع ، فإنه يحسب لقمة الظهران وللقيادة السعودية بالطبع، إعادتها للقضية الفلسطينية الى موضعها الطبيعي ، باعتبارها القضية المركزية العربية ، وقد تجسد ذلك في إطلاق الملك سلمان على القمة تسمية « قمة القدس « ، وهو أمر بالغ الدلالة فيما يتصل بالموقف الأمريكي المعلن من نقل السفارة الأمريكية الى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وهو ما رفضته القمة بشكل واضح وصريح في بيانها الختامي ، وفي إعلان الظهران، يضاف الى ذلك تقديم السعودية 200 مليون دولار كمساعدة للسلطة الفلسطينية، ومنها 50 مليون كمساعدة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الاونروا ) التي قلصت واشنطن دعمها لها بشكل كبير كإجراء عقابي ضد الفلسطينيين وكجزء من السياسة الأمريكية حيال القضية في هذه المرحلة .
وعلى ذلك فإن القمة انتصرت للقضية الفلسطينية ، ولهدف السلام وفق المبادرة العربية لعام 2002 ، ولحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ، ومن شأن، ذلك أن يعطي الأمل في ان العرب، ومهما واجهوا من تحديات ومصاعب ، إلا انهم يستطيعون مقاومة التجاوز على حقوقهم الوطنية، وعلى امنهم القومي كذلك ، حتى ولو بالكلمات والرفض النظري ، حتى يتخلصوا من مشكلاتهم الكثيرة التي تحد من فعاليتهم .
الأمر الثالث الذي يتسم بالأهمية والرمزية أيضا يتمثل في أن قمة الظهران تطرقت الى قضية الأمن القومي العربي والتحديات العديدة في هذا المجال ، وهو ما شكل جزءا غير قليل ، وعلى نحو واضح وصريح ، من كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية أمام القمة .
صحيح ان هذه القضية طرحت من قبل أمام القمة العربية ، خاصة في عام 2015 ، وتم البدء في اتخاذ خطوات نحو تنفيذها في ذلك الوقت ، ولكن الصحيح ايضا ان تلك الخطوات توقفت ، لأسباب معروفة ، والأكثر خطورة الآن هو ما تتعرض له اكثر من دولة عربية من تهديد وجودي لها ولتماسكها الوطني ، وتغول القوى الإقليمية على حساب الدول والمصالح العربية ، وهو ما لمسه الرئيس المصري بوضوح ودقة ومباشرة دون ذكر أسماء .
وتجدر الإشارة الى ان الأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط قدم ورقة حول تحديات الأمن القومي العربي ، وسيتم مناقشتها من جانب الجامعة العربية خلال الفترة القادمة ، الى جانب ما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام قمة الظهران ، من اجل محاولة التوصل الى رؤية عربية مشتركة ، للأمن القومي العربي ، ولسبل التعامل مع تحدياته ، الآن وفي المستقبل ، خاصة وان هناك تفاوتا في وجهات النظر بين الدول العربية فيما يتصل بتعريف وعناصر وحدود الأمن القومي العربي ، وذلك لان الكثير من الدول العربية تميل عادة الى النظر للأمن القومي العربي والتعامل معه ، من منظور رؤيتها هي لأمنها الوطني فقط ، وهو اقل اتساعا بكثير بالطبع من مفهوم الأمن القومي العربي الأوسع . وعلى أي حال فإن قمة الظهران شهدت قدرا من التركيز على أهمية وضرورة العمل في اتجاه بلورة صيغة ما ، يمكن ان تدفع نحو تحقيق الأمن القومي العربي ، باعتباره شاملا ومتضمنا أمن كل دولة عربية في النهاية ، ولعل إدراك ذلك والتعامل معه بقدر كبير من المسؤولية والالتزام يساعد على بناء الإطار الأمني العربي الواحد ، الذي لم ننجح في تحقيقه حتى الآن بشكل عملي ، والذي يجب ان تشعر فيه كل دولة عربية بالأمن والاطمئنان وعدم التهديد من أي من الدول العربية الأخرى .
على صعيد آخر فإن تأكيد قمة الظهران على أهمية وضرورة الحل السلمي للمشكلات العربية في اليمن وليبيا وسوريا هو أمر ذو أهمية ، على الأقل نظريا ، لأن الأوضاع على الأرض في الدول الثلاث ، لا تسير للأسف في هذا الاتجاه ، وذلك لأسباب معروفة ومحددة في كل حالة من تلك الحالات ، ثم فإن الأمر يتطلب ضرورة الانتقال من الحديث النظري ، الى الخطوات العملية على الأرض ، ولكن هذه تخضع في النهاية لحسابات أخرى ، أقل ما توصف به هو انها معقدة ومتداخلة الى حد كبير .
على أي حال فإنه اذا كانت قمة الظهران قد استطاعت اعادة الاعتبار ، ولو نسبيا ، لبيت العرب الكبير ، أي لجامعة الدول العربية ، عبر التمسك بالاجتماع في إطارها والعمل في نطاقها ، والبحث في العمل على تفعيل دورها ، فإنها – أي قمة الظهران – أعادت القضية الفلسطينية الى مكانها في قمة الأولويات العربية ، وأكدت الموقف العربي من السياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الاوسط ، وأثارت قضية الأمن القومي العربي ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو … وماذا بعد ؟ هل ستعمل الدول العربية على نقل قرارات قمة الظهران الى الحيز العملي والسير نحو تنفيذها ، ام ان الأمر لن يلبث ان يعود سيرته الأولى ، وتهدأ الأمور ، وتدور المناقشات في أروقة الجامعة العربية ، ربما انتظارا للقمة القادمة في تونس الشقيقة ؟ وإذا كانت الإجابة على هذا السؤال تحتاج في الواقع الى حيز كبير ، والى تناول جوانب عدة ذات صلة بالعمل العربي المشترك ومعوقاته ومنها التي اشتكى منها الأمين العام للجامعة قبيل القمة وفي الجلسة الافتتاحية لها ، والخاصة بالمتأخرات المالية على عدد غير قليل من أعضاء الجامعة ، مما يؤثر على قدرة الأمانة العامة للجامعة على العمل ، فانه يمكن القول باختصار شديد ، ان كلمة السر في النهوض بالعمل العربي المشترك هي الإدراك والقناعة العربية بأهميته وضرورته لتحقيق المصالح الخاصة بكل دولة عربية في الإطار العربي الأوسع من ناحية ، وتوفر الإرادة السياسية من جانب الدول الأعضاء لتفعيل عمل الجامعة بشكل حقيقي من ناحية ثانية .
والمؤكد ان الأمر لا يتوقف على صياغة الميثاق ولا على مواده ، ولا على ما يعتقده البعض من قاعدة الإجماع في التصويت ، وهو اعتقاد وادعاء غير صحيح ، ولكنه يتوقف على شعور ورغبة وإرادة الأشقاء في العمل معا لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة والمتوازنة ايضا ، ومدى إدراكهم انهم لن يستطيعوا خارج الجامعة تحقيق ما يمكن ان يحققوه من داخلها ، وهذه النقطة الأخيرة هي للأسف نقطة الضعف الأساسية ، لأن كل دولة عربية ، أو كثير منها على الأقل ، تحاول ضمان مصالحها ، أو اكبر قدر منها خارج الإطار العربي الأوسع ، بغض النظر عن الوسائل والسبل التي يتم اتباعها لتحقيق ذلك ، ولا يلجؤون للجامعة إلا في حالة الضرورة ، أو الاضطرار . وبرغم كل ذلك وغيره من الممارسات العربية بين الأشقاء على مدى العقود السبعة الأخيرة ، فانه يمكن القول إن قمة الظهران سارت خطوة على طريق تفعيل العمل العربي المشترك ، غير ان الطريق طويل ويحتاج الى الثقة المتبادلة والإرادة السياسية واليقين بأن مصالح كل منا تكمن في العمل معا ، وتحقيق ذلك يحتاج بالضرورة الى وقت يتوقف على مدى توفر واستمرار توفر العناصر الضرورية المشار إليها ، ثم مواصلة السير على الطريق الذي خطت فيه قمة الظهران خطوتها الأولى .