هل كان بالإمكان .. أفضل مما كان ؟

عماد عريان –
الطموحات المتعلقة بالعمل العربي المشترك والفاعل كبيرة جدا، بينما أوجه القصور شديدة وعديدة، خاصة في السنوات القليلة الماضية التي شهدت – ولا تزال – تشرذما حادا لأمتنا العربية وتفسخا كبيرا لكثير من دولها

ربما كانت الساعات التي مرت فيها القمة العربية الأخيرة ثقيلة أكثر من اللازم وفي خلفيتها مشاهد مروعة من الدمار المخيف في كثير من دولنا العربية، سواء استخدام الأسلحة الكيميائية وما أعقبها من ضربات صاروخية غربية، مما جعل الأراضي السورية ميدان رماية حقيقي لكل أنواع الأسلحة والأطراف دولية وإقليمية عديدة، ولا يقل الحال في دولة اليمن سواء حيث الجوع والمرض والقتال اليومي بدون أي أفق لحل سياسي واضح المعالم، وفي ليبيا لا تزال الصورة ضبابية وسط أوضاع أمنية هشة وشديدة الخطورة تنذر بعواقب مخيفة ما لم تبادر أطراف داخلية وإقليمية وكذلك دولية إلى العمل المكثف من أجل تسوية سياسية وأمنية شاملة..وإذا كانت هذه المشاهد الخطيرة ليست وليدة اليوم بحكم استمرارها منذ سنوات عدة، فقد أصبحت هناك وجهة نظر شائعة ترى أن مجرد انعقاد القمم العربية في مواعيدها الدورية هو إنجاز كبير في حد ذاته حفاظا على الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، بمعنى أنه بعدما صارت معظم مقدرات الأمة العربية تدار من خارجها فليس في الإمكان أفضل مما كان حتى يتم الوصول إلى حلول عملية لإصلاح آليات العمل العربي المشترك.
فعلى الرغم من أن الحديث عن تطوير أو إصلاح الجامعة العربية لتواكب تحديات العصر قد انطلق قبل نحو عقدين من الزمن، إلا أن قليلا جدا من الإنجاز في هذا المضمار هو ما تحقق حتى الآن بسبب غياب الجدية في الغالب وغلبة البيروقراطية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر يمكن إرجاع تأخر البت في مشروع ميثاق الجامعة الجديد إلى عدم الانتهاء، حتى الآن، من دراسة مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل العربية، وكذلك وقف العمل بالنظام الأساسي لمجلس السلم والأمن العربي الذي أُنشئ على غرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة، مع وجود فوارق عديدة أهمها عدم وجود دول دائمة العضوية واستخدام حق النقض الفيتو، فبالنسبة لمحكمة العدل العربية التي من المقرر أن تنشأ على غرار محكمة العدل الدولية، والتي أعدت اللجنة القانونية الخاصة المنبثقة عن القمة العربية التي عقدت في عام 2005 مشروع النظام الأساسي لها ، فقد تقرر إعادة عرض مشروع النظام الأساسي للمحكمة على وزراء الخارجية العرب لمزيدٍ من الدراسة، خاصة وأن هناك بعض النقاط الجوهرية التي لم تحسم بعد.
وفي مسعى منهم لحض الأجهزة العربية المعنية على تسريع تمرير مشروع محكمة العدل العربية، اقترح خبراء ومراقبون كثر على الأمانة العامة للجامعة العربية، أن تستفيد في هذا السياق من تجربة محكمة العدل الكاريبية التي أُنشئت قبل ثلاثة عشر عاما خلت ، والتي يسري نظامها الأساسي على معظم دول البحر الكاريبي بالإضافة إلى دولتي بيليز وغويانا. وكما هو معلوم ،فإن محكمة الاستثمار العربية ، التي أُنشئت وفقاً لأحكام الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية ، تمارس اختصاصات محكمة العدل العربية مؤقتاً وذلك بالنسبة للمنازعات التجارية.
وفي حين نص ميثاق الأمم المتحدة على تقسيم المنظمة الدولية إلى ستة أجهزة رئيسة من بينها، الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومحكمة العدل الدولية، يلاحظ على ميثاق الجامعة العربية أنه لم ينص على ما من شأنه أن يبرز جميع الأجهزة التابعة لها ، سواء كانت قائمة أو لا تزال في طور الدراسة والبحث، وعليه فقد أشار مشروع الميثاق الجديد للجامعة إلى عدة أجهزة ولجان ومنظمات متخصصة، كمجلس الجامعة على مستوى القمة ،أو وزراء الخارجية أو المندوبين الدائمين ، والأمانة العامة للجامعة، والبرلمان العربي، ومجلس السلم والأمن العربي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ومحكمة العدل العربية، والمحكمة العربية لحقوق الإنسان ، علاوة على إضافة مادة جديدة من شأنها أن تكفل إعادة تنظيم العلاقة بين الجامعة وسائر المجالس والمنظمات والأجهزة العربية المتخصصة.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن التحديات العربية لا يمكن التعامل معها بفعالية ونجاح على مستوى الدولة الوطنية العربية بمفردها ، بل يستوجب الأمر تعاونا واسع النطاق على الصعيد العربي ككل، بحيث يقوم على استكشاف وتحديد المصالح المشتركة ، وهي كثيرة أيا كان حجم هذا التعاون أو عدد المشاركين فيه، فلا يبقى التعاون العربي، أو لم يعد من الممكن أن يبقى ، مجرد شعار يعبر عن تمنيات أو مجرد «ينبغيات» بقدر ما يتعين أن يطوي بين ثناياه مشاريع ومضامين تخدم مصالح المجتمعات العربية بكافة أطيافها ، وكذلك أمن واستقرار وازدهار الدول العربية ، وربما يؤشر هذا الطرح إلى ضرورة إصلاح نظام التصويت واتخاذ القرارات في الجامعة العربية بحيث يتخلى عن مبدأ الإجماع ، الذي يكبل عمل الجامعة ،ويتبنى مبدأ الأغلبية كما هو متبع في العديد من المنظمات الدولية والإقليمية الفاعلة.
وتعكس عودة ما كان يعرف في ستينيات القرن الماضي بالحرب الباردة العربية، ولو بصور وصيغ ومستويات مختلفة هذه الأيام ، بين الدول العربية وضمنها ، علاوة على ذلك الصراع الذي اندلع منذ العام 2011 حول التغيير والحفاظ على الوضع القائم ولو مع بعض الإصلاح الشكلي التجميلي ، تعكس مدى الحاجة الملحة إلى إعادة ترتيب البيت العربي من داخله، بما يحول دون استفحال أزماته أو تفاقم مشكلاته ، على أن يمضي ذلك بالتوازي مع ما يمكن إدراجه في سياق المشاركة السياسية الواسعة ومأسسة السلطة ودسترتها ومحاربة التهميش الاجتماعي والاقتصادي والإقصاء السياسي ، بحيث تغدو الجامعة العربية آلية مؤسسية لتذليل المشكلات والأزمات والتحديات التي تحاصر الأمة العربية، ورافعة تعبر بشعوبها ودولها غياهب الفقر والتسلط والتبعية للخارج.
ولعل هذه العوامل الضاغطة التي تفجر مزيدا من التوترات وتفرض العديد من التحديات على مستوى العالم العربي، ولو بدرجات وأشكال وتعبيرات مختلفة، إنما تطرح بقوة مسألة ضرورة البحث عن عقد اجتماعي جديد ما بين السلطة والمجتمع في بلادنا، أو ما يمكن أن نطلق عليه «بناء الاستقرار الشرعي» المطلوب كبديل عن الاستقرار المفروض، كذلك، من شأن تنامي اختلال التوازن البنيوي الاقتصادي والاجتماعي والتركيبة الديمغرافية التي تتمثل في أكثرية شبابية حاملة لطموحات مشروعة في المشاركة والعمل ، علاوة على ازدياد الفجوة الاجتماعية على مستوى العديد من الدول العربية ، فضلا عن ثورة الهويات غير المطمئنة والخائفة ،ومسألة المشاركة السياسية الضاغطة ، إضافة إلى ازدياد الصراعات الخارجية التي تتغذى على الصراعات الداخلية وتغذيها أيضا، أن تفاقم من وطأة التحديات القديمة والمستحدثة أمام العمل العربي المشترك، كما تفرض أجندة مثقلة بالمهام والهموم على جدول أعمال جامعة الدول العربية في قادم الأيام، الأمر الذي يفرض على العرب جميعا ضرورة المضي قدما، بكل عزم وإصرار وصدق نية ، من أجل إتمام عملية الإصلاح الشامل لجامعتهم وبيتهم ، على مستوى الميثاق والأجهزة والرؤية ومنهج العمل.
واقع الأمر وفي ضوء ما سبق عرضه فان الطموحات المتعلقة بالعمل العربي المشترك والفاعل كبيرة جدا، بينما أوجه القصور شديدة وعديدة خاصة في السنوات القليلة الماضية التي شهدت – ولا تزال – تشرذما حادا لأمتنا العربية وتفسخا كبيرا لكثير من دولها، وأغلب الظن أن هذا الواقع سوف يدوم لفترة ليست قليلة من الزمن ، فلا تزال آليات العمل العربي المشترك بكل مؤسساتها بعيدة كل البعد عن صياغة نظرية متكاملة قابلة للتطبيق للأمن القومي العربي الجماعي ولا تزال التدخلات الدولية والإقليمية تمارس دورها التخريبي جهارا نهارا في كثير من دولنا العربية دون أية آمال حقيقية في الاعتماد على القمم العربية لصياغة حلول ناجعة لهذا الوضع المأسوي ، ليظل انعقاد القمم العربية في حد ذاته ولو لساعات « ثقيلة» هو أفضل ما يمكن تقديمه في هذه الأوقات الصعبة على أمل إيجاد ضوء في نهاية نفق طويل من الظلام الحالك.. يوما ما !! .