موقع القضية الفلسطينية من قمة القدس العربية

د.صلاح أبونار –
انعقدت القمة العربية التاسعة والعشرون تحت لافتة :«قمة القدس» وجاء «إعلان الظهران» واضعا القدس والقضية الفلسطينية في صدارته مخصصا لهما مادتيه الأولى والثانية، اللتين شغلتا مساحة أكبر من المخصصة للقضايا الأخرى.

وجاء هذا الموقف منطقيا. فالكثير مما يجري الآن عربيا يدفع بقضية القدس والقضية الفلسطينية مجددا صوب مواقع الصدارة، بعد تراجعهما النسبي على مدى العقد السابق على 2011، ثم جاءت عواصف 2011 لتدفعها اكثر بعيدا عن صدارة الاهتمام. على الجانب الأمريكي جاء قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، ثم قراره الأخير بتنفيذ النقل في منتصف مايو القادم، انقلابا على إحدى القواعد الحاكمة للتعامل الأمريكي مع المشكلة الفلسطينية. ليس هذا فقط. فلقد نكص أيضا عن استراتيجية حل الدولتين، التي حكمت عملية أوسلو وبمشاركة أمريكية علي مدى ربع قرن كامل. وعلى جانبي الصراع تتصاعد تحولات خطيرة. أزمة داخل قيادات السلطة الوطنية الفلسطينية، ستفرض قريبا تغيرات في القيادات العليا وأخرى في السياسات لا نعلم مداها .
وتصعيد سياسي انطلق من غزة في ذكرى يوم الأرض، لم يجد حتى الآن صداه في الضفة الغربية، لكنه يجري في سياق سياسي زاخر بعوامل التفجير. ولا أحد يمكنه التنبؤ بتطوراته مع اقتراب ذكرى النكبة. نفس ذكرى تأسيس إسرائيل، واليوم المقرر لنقل السفارة الأمريكية رسميا. وفي المقابل وجد نتانياهو اليميني المتطرف في سياسات ترامب ما يزيده تطرفا، فأطلق سراح السياسات الاستيطانية مدعمة بقرارات الكنيست والليكود الأخيرة بشأن تطبيق السيادة الإسرائيلية علي الأراضي المحتلة. وإذا أخذنا في الاعتبار التحقيقات الجارية معه، يبدو مؤهلا لاتخاذ قرارات تصعيدية مثل حملة عسكرية على غزة، كمحاولة للإفلات من مأزقه السياسي.
على امتداد تاريخها كانت القضية الفلسطينية حاضرة على قمة جدول أعمال القمة العربية. ومر وضعها هذا بفترتين. في الأولى احتلت مكانه أولى ودائمة، بل أن مؤسسة القمة العربية ذاتها ولدت وتكرر انعقادها، ثم انتظم انعقادها سنويا منذ 2000، من رحم القضية الفلسطينية. ويتضح بالنظر إلى تاريخها. انعقدت القمة الأولى في انشاص 1946، بهدف مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني بعد بلوغه أوج خلال الحرب الثانية. ثم انعقدت الثانية في بيروت 1956، لمواجهه العدوان الثلاثي بالدور الإسرائيلي فيه. وفي 1964 انعقدت قمة القاهرة لمواجهه مشروع إسرائيل لتحويل مياه نهر الأردن ومنها انطلقت عمليه تكوين منظمة التحرير، وفي نفس العام عقدت قمة الإسكندرية وفي العام التالي عقدت قمة الدار البيضاء، لمتابعة ذات الهدف ورسم استراتيجية لمواجهة إسرائيل. واستمرت المرحلة حتى النصف الثاني للسبعينيات وفيه انطلقت ثلاثة أحداث كبرى: الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ، واتفاقية كامب ديفيد 1978، والحرب العراقية – الإيرانية 1980، لتنطلق معها مسيرة المرحلة الثانية، وفيها شهدت علاقة القضية الفلسطينية بالقمة العربية تغيرين. فلقد تراجعت مكانتها المركزية بالتدريج، وشهدت تغيرات أساسية في منظور الاهتمام بها.
وقد فقدت القضية مركزيتها وأولويتها بفعل ثلاثة متغيرات. أولها اشتعال أزمات وحروب إقليمية وعربية متوالية، من الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 ، مرورا بالحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988، والغزو الإسرائيلي للبنان 1982، والغزو العراقي للكويت وتداعياته 1990 – 1991، وأخيرا الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 .
وثانيها الاندماج الفلسطيني في عملية أوسلو، بعد الانتفاضة الثانية ورحيل عرفات، الذي اجبر السلطة الفلسطينية على لعب دور الضابط للجماهير الفلسطينية، وفرض مسار تفاوضي طويل وزاخر بالمناورات، سلب القضية قواها الحقيقية المحركة التي كانت تدفعها للصدارة السياسية، وفجر صراعات داخلية فلسطينية مريرة استهلكت قدرا هائلا من مواردها السياسية. وثالثها عاصفة 2011 والعمليات التي رافقتها: تحلل الدول، والحروب الأهلية والصراعات الطائفية، وتعميق الانتماءات الإقليمية.
إلا أن نفس الفترة شهدت اجتماعات قمة أعادت للقضية مركزيتها، كرد فعل عربي عند منحنيات خاصة من تطوراتها، وأبرزها قمة القاهرة 2000 الاستثنائية لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وبالتوازي انطلقت عملية تغير في المنظور العربي لإدارة الصراع العربي – الإسرائيلي، اعقاب حرب أكتوبر 1973 والمفاوضات التي أسفرت عن اتفاقيات كامب ديفيد 1978. وقد شكل التوجه المصري بداية التغيير، لكنه لم يشكل قوته المحركة. والواقع أن هذا التوجه على صحته وشرعيته واجه رفضا عربيا ، وصل لدرجة تعليق عضوية مصر في الجامعة ونقل مقرها إلى تونس. غير أن متغيرات الواقع كانت أقوى من الجميع، وكما قاد العراق خطط عزل مصر في قمة بغداد 1978، فانه ساهم ، ودول عربية أخرى معروفة في عملية أعادتها في قمة الدار البيضاء 1989 تحت تأثير تورطه في حربه الإيرانية. وسنجد تلك القوة المحركة في مصدرين.
أزمات وحروب النظام الإقليمي العربي التي أشرنا إليها. والأزمة التي أطاحت بالكتلة الشرقية ومعها مورد قوة أساسي كان يجري توظيفه في الصراع مع إسرائيل، وترويض الدور الأمريكي في الصراع. وانتهت العملية بالتراجع التدريجي لمنظور المواجهة والمقاومة والمقاطعة، والتقدم المطرد لمنظور التفاوض والتسوية والسلام.
يفيدنا التحليل السابق في فهم السياق التاريخي والمؤسسي لقرارات القمة الخاصة بالقضية الفلسطينية.
هناك – أولا – طرحه لضرورة استمرار التفاوض وفقا لإطار أوسلو، رغم فشله على امتداد ربع قرن وإسقاط إسرائيل صراحة وأمريكا ضمنيا لهدف حل الدولتين المشكل على أساسه. وجاء ذلك ضمنيا ودونما تصريح، ولكن يمكننا رصد علاماته عبر أمرين .
من جهة أولى يطالب البيان بما دعاه: «إعادة إطلاق مفاوضات سلام فلسطينية – إسرائيلية جادة وفاعلة تنهي حالة الفشل السياسي ». ومن جهة ثانية نلاحظ وجود نمطين من الغياب يرجحان صحة التحليل الافتراضي السابق. غياب أي إشارة إلى مسيرة العودة الكبرى، التي مهما كان الرأي في نوايا منظميها البعيدة، ترمز لخيار المقاومة الشعبية السلمية المعاد طرحه الآن فلسطينيا، كبديل لاخفاق خيار أوسلو. وغياب أي إشارة لإطلاق اطار دولي جديد للمفاوضات، وهو المطلب المطروح الآن بقوة في الدوائر الأوروبية في مواجهة أزمة أوسلو.
وهناك – ثانيا – غياب اي روادع معلنة وعملية قادرة على ايقاف تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية، أو اقتراح لآلية دولية جديدة للضغط لهذا الهدف، علما أن أوروبا تعترض بقوة على هذا القرار. وتأكيد الإعلان «بطلان وعدم شرعية القرار الأمريكي»، وتحذير من أن تنفيذه « سيؤدي إلى تداعيات مؤثرة على الشرق الأوسط بأكمله».
وهناك – ثالثا – غياب محاولة تعويض الفلسطينيين عن الانسحاب الأمريكي من الدعم المالي للاونروا، الذي سيخلق تداعيات خطيره علي الوضع الصحي والتعليمي لقطاع فلسطيني واسع. فلم تطرح القمة كمؤسسة نظامية مبادرة جماعية في هذا الشأن، وجاءت المبادرة من السعودية التي أعلنت تبرعها بمائتي مليون دولار. ربعها وجه للأونروا المقدر عجزها المالي بالمئات، والبقية لأوقاف القدس الإسلامية.
ورغم ذلك حملت القمة إيجابيات مؤكدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فمجرد انعقادها بعنوانها هذا، وسرد الإعلان المفصل لقرارات مجلس الأمن والمجلس التنفيذي لليونسكو بشأن القدس، والدعم المالي للأوقاف الإسلامية، يعلن أن القدس لا تزال من المحرمات السياسية العربية، حتى لو عجزت القدرة العربية عمليا عن حمايتها. وهذا الموقف من القدس، مع إعادة طرح مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت 2002 ، بوصفها إطارا استراتيجيا لحل الأزمة، يضع نهاية ولو مؤقتة لمساعي تمرير ما يسمى بصفقة القرن. وفي حده الأدنى يخبرنا أن تلك المساعي، قد لا تجد القوى العربية القادرة على التصدي لها، لكنها حتى الآن لا تجد القوى العربية المتعاونة معها.