ندوة الشيخ منصور الفارسي تسلّط الضوء على حياته وفكره

جامعة نزوى تدعو الباحثين إلى المبادرة بتحقيق ونشر مخطوطاته –
نزوى – محمد بن سليمان الحضرمي –

شهدت جامعة نزوى في مقرها بولاية نزوى بمحافظة الداخلية أمس افتتاح ندوة «الشيخ منصور بن ناصر الفارسي حياته وفكره»، أقيم الحفل في قاعة الشهباء بالجامعة تحت رعاية معالي الشيخ سعود بن سليمان بن حمير النبهاني مستشار الدولة، وبحضور د. أحمد بن خلفان الرواحي رئيس الجامعة وشخصيات رسمية وعلمية وفكرية وأكاديمية وطلبة وطالبات الجامعة، تضمن حفل الافتتاح كلمة ألقاها د. محمد بن ناصر المحروقي مدير مركز الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بالجامعة قال فيها: إن هذا اللقاء من سوانح الدهر القليلة، التي ينبغي أن تقتنص ويستفاد منها في طرح المهم والملح من موضوعات البحث العلمي، وعماننا والحمد لله تشهد نهضة علمية نشطة، وقد انتشرت الجامعات والمراكز البحثية في ربوع الوطن.

الاحتفاء بالماضي ودراسته

وقال أيضا: إنه بالنظر إلى تاريخ عمان العظيم، الضارب في القدم والغزير في الإنتاج من جهة، والدراسات التي تستبطن هذا الإنتاج، نشعر بالأسى الشديد على الفارق الكبير بينهما، وعلى التقصير الكبير في تقديمه للعالم محققاً مدققا، وفقاً للرؤى العلمية المعاصرة.
ولا بد من الإشارة – ولو سريعا – الى أن الاحتفاء بالماضي لا يعني قولبته وإكسابه التقديس، بل لا بد من نخله ودراسته دراسة موضوعية تأخذ سمينه وتترك الغث منه.
وقال أيضا: إن آلاف المخطوطات وعشرات الآلاف من الوثائق المتصلة بالتاريخ والتراث العماني، والمتوزعة في أماكن مختلفة داخل عمان وخارجها؛ في فارس والهند والبرتغال وشرق إفريقيا، تتعرض يوما بعد يوم للضياع، ولحملة منظمة لجمعها وتزييفها وإعادة تقديمها وفقاً لرؤى، أقل ما يقال عنها إنها ضد مصلحة عمان.

السعي للاستفادة من التاريخ

وتحدث في كلمته عن لقائه في أرشيف مدينة جوا بالهند مؤرخاً هنديا، استقطبته دولة الجوار ليجمع الوثائق الخاصة بالجزيرة العربية، ويترجمها إلى اللغة الإنجليزية، ويعلق عليه بما يوضح سياقها ومداخلها، وقد أنجز هذا المؤرخ العديد من المجلدات في الوقت الذي التقيت به. قال لي: «أنت أول عماني التقي به، رغم أني أدرس تاريخكم من خلال الوثائق البرتغالية من عشر سنوات على الأقل، كم أنتم لاهون عن تاريخكم!». وقال: «لقد قرأت كثيرا عن مسقط وصحار ونزوى وغيرها من المدن العمانية، وتتوق نفسي لزيارتها». وتابع قائلا: «أتساءل دوما، لماذا يهمل العمانيون تاريخهم، بينما يسعى غيرهم للاستفادة من هذا التاريخ!».
وقال د. المحروقي: في أرشيف جوا وجدت الكثير من الوثائق المتصلة بالعلاقة المطّردة بين العمانيين والبرتغاليين، كما رأيت وثائق متصلة بمدينة ديو، وهي جزيرة هندية وقعت فيها حرب بين العمانيين والبرتغاليين، غنم فيها العمانيون غنائم ضخمة، ومن تلك الغنائم بنيت قلعة الشهباء في نزوى، وفي التاريخ العماني لا توجد معلومات كافية عن هذه الواقعة، سوى سطرين وردا في كتاب تحفة الأعيان.
وأضاف في كلمته: إننا بعيدون جدا عن بلوغ المأمول، ولا بد للمراكز العلمية بالجامعات أن تضطلع بدورها الحقيقي في القيام بالبحوث العلمية الجادة المنظمة، وعلى المجتمع بمؤسساته المدنية والأهلية والقطاع الخاص أن يرفد هذه المبادرات بالدعم المادي والدعم المعنوي، والجهات الرسمية تضطلع بدورها بلا شك، غير أن التراث العماني أوسع وأكثر تشعبا، من أن تتصدى له مؤسسة واحدة مهما كان حجمها.

أكثر الفقهاء المعاصرين تأليفا

وقال في كلمته أيضا: تأتي هذه «الندوة الدولية؛ الشيخ منصور بن ناصر الفارسي حياته وفكره» مساهمة من جامعة نزوى، ممثلة في مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية، في المسار المشار إليه من الدراسة الموضوعية المتأنية للتراث العماني، وتقديمه تقديما علمياً وفقاً للمناهج الحديثة، وهذه الندوة امتداد للندوة الدولية «الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ودوره العلمي والحضاري في عمان». فالشيخ الفارسي أحد أركان هذه الدولة. وأكثر معاصريها إنتاجاً في علوم الشريعة والعربية، وتكفي الإشارة أن للشيخ الفارسي خمسة عشر عملا لم ير النور منها سوى أربعة إصدارات.

المبادرة إلى تحقيق المخطوطات

وقال أيضا: إن الرسالة الأولى التي تبعثها هذه الندوة إلى الباحثين والأكاديميين، هي المبادرة إلى تحقيق تلك المخطوطات ونشرها، ولأجل ذلك، ولغرض تحفيز شداة الباحثين ارتأت اللجنة المنظمة وضع مسابقة لكتابة البحوث الرصينة عن إنتاج الشيخ الفارسي، معتمدة على مخطوطاته ووثائقه، وستقدّم للفائزين جوائز قيّمة، وسينشر في القادم من الأيام المزيد من التفاصيل حول هذه الجائزة.
ثم ألقى الشيخ ناصر بن منصور الفارسي نجل المحتفى به كلمة رحب فيها بالحضور، وباحتفاء جامعة نزوى بوالده الشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي، ودراسة حياته العلمية والعلمية وإنتاجه الفكري. وقال في كلمته أيضا: إن هذه الندوة التي تحتضنها جامعة نزوى تأتي ضمن سلسلة من الندوات والمؤتمرات، الحفية بها هذه الجامعة، بنشر العلم والمعرفة، وإبراز رموز العلم فجزاهم الله جزاء المحسنين.

العلماء أحياء لما يتجدد للناس من نفعهم
وتواصل برنامج الحفل ببث تسجيل صوتي مرئي، لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة، حيث ألقى كلمة تحدث فيها حول المكانة العلمية للشيخ حيث قال: إن العلماء أحياء بسبب ما يتجدد للناس من نفعهم، بما قدموه لله سبحانه وتعالى وللناس من خير، من خلال مؤلفاتهم وفتاواهم وتحصيلهم إرشادهم للحق، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فإن هذا كله مما يتجدد لهم أجره، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم ينقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له».
وقال أيضا: لا ريب أن العلم يتجدد عبر العصور عندما ينشر، والآن قد هيأ الله سبحانه وتعالى مآثر لأهل العلم بالمطابع التي تدون مؤلفاتهم، وتنشرها فيما بين الناس، وإن من العلماء الذين لهم القدر الكبير بين الناس هو العلامة الشيخ منصور بن ناصر الفارسي الذي كان قاضيا في عهد الإمام الخليلي، وامتدت فتر القضاء إلى عهد السلطان سعيد بن تيمور، فهو معروف بعلمه وبقضائه وصرامته في القضاء، حيث لا يجامل أحدا، ويحرص على إشاعة كلمة الحق والعدل بين الناس.

مؤلفات الفارسي كلها نافعة

ثم تحدث سماحته عن مؤلفات الشيخ منصور الفارسي، سواء كانت المتعلقة بعلوم الفقه أو بعلوم العربية، فكلها مؤلفات نافعة ولا ريب أن الخلف يقدر للسلف، واحتفى به وسار على نهجه، فإن مآثر ذلك السلف تتجدد في الخلف، كما يقول الشاعر: (وخير الناس ذو حسب قديم أقام لنفسه حسبا جديدا)، بما يقدمه من أعمال نافعة، وعندما يحتفى بمثل هؤلاء العلماء الذين أولوا الشريعة الإسلامية اهتماما بالغا، فلا ريب إن بهذا الاحتفاء يتجدد الخير، وتجدد المآثر التي خلفها المحتفى له من خلال مؤلفاته وفتاواه وبهذا تتجدد الدعوة الإسلامية.
وقال أيضا: إن العلامة الشيخ منصور بن ناصر الفارسي رحمه الله كان من أبرز العلماء الذين اهتموا بالفقه في دين الله سبحانه، ثم عمل في سلك القضاء، متخذا من علماء الفقه وسيلة لنشر العدل، حتى تعم الطمأنينة بين الناس، فالعدل حق للجميع.

أسرة علمية دينية متسلسلة

ثم ألقى سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب الإفتاء كلمة بعنوان «الشيخ الفارسي وزمانه»، أكد فيها أن الشيخ الفارسي ينتمي لأسرة علمية دينية متسلسلة، وقال أيضا: إنه بحسب استقرائي في سيرة آبائه وأجداده، فإن جده الشيخ محمد بن سيف الفارسي، شهد له الجميع بالفقه، فقد كان فقيها وزاهدا، وأقام علاقات وطيدة مع علماء عصره كالشيخ صالح بن علي الحارثي، والشيخ الإمام نورالدين عبدالله بن حميد السالمي، وغيرهما من مشايخ زمانه، ثم ينتقل المجد العلمي والفضل إلى ابنه الشيخ ناصر بن محمد الفارسي الذي كان يلقب بأبي المكارم، ثم يأتي ابنه الشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي، ليواصل المسيرة العلمية، ويحقق مالم يتحقق للسابقين من آبائه الكرام.

نزوى من أخصب فترات حياته

وقال أيضا: عمل الشيخ منصور مدرسا في سن السادسة عشرة، وقاضيا في سن التاسعة عشرة، ثم انتقل إلى نزوى عام 1361هـ، ليكون بجوار الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، ولا شك أن فترة الشيخ منصور في نزوى كانت من أخصب فترات حياته، حيث تكونت بينه وبين الإمام الخليلي علاقة قرب، فقد كان بمثابة السكرتير والقاضي والمستشار، وقربه من الإمامة منحه مكانة علمية واجتماعية، وصارت بينه وبين علماء عصره صلات وثيقة.
ثم تحدث عن أحد تلامذة الشيخ منصور وهو الشيخ سيف بن محمد الفارسي، الذي كان من أخص تلاميذه ووصفه بأنه حواري الشيخ منصور، إذ إن كل المعلومات المعروفة عن الشيخ منصور هي مما سرده وذكره وسجله حواريه عنه.وأكد الشيخ أحمد السيابي أن حياة الشيخ منصور الفارسي في مدينة نزوى تمتد إلى 54 سنة، وهي من أخصب فترات حياته عطاء علميا ونتاجا فكريا.
وخلال الحفل تم بث فيلم وثائقي يسرد حياة الشيخ منصور الفارسي بين مدينتي فنجاء ونزوى، وألقى الشاعر أحمد بن هلال العبري قصيدة بعنوان علم وافر الشيم.

زيارة لمعرض المخطوطات والوثائق

ثم توجه راعي الحفل والحضور إلى زيارة المعرض المقام على هامش الندوة، عرضت فيه نماذج من المخطوطات لبعض من مؤلفات الشيخ منصور الفارسي، وكتبه المطبوعة، ونماذج من رسائله، وعرض مركز الفراهيدي الإصدارات الثقافية والفكرية التي صدرت عنه.
ثم بدأت الندوة بتقديم المحور التاريخي، أدار الندوة الأولى د. سيف بن أحمد البوسعيدي، وشارك فيها كل من الشيخ الدكتور عبدالله بن راشد السيابي وبدرية بنت محمد النبهانية وخليل بن محمد الحوقاني وسعود بن عبدالله الفارسي، حيث قدموا ورقات حول جهود الشيخ الفارسي في القضاء وعلاقته بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي وبعلماء عصره، وقراءة في وثائقه.

ورقات بحثية في المحور التربوي

وتواصلت الجلسة الثانية في المساء بتقديم المحور التربوي والتعليمي بإدارة مسعود بن سعيد الجديدي ومشاركة كل من د. سالم بن سعيد البوسعيدي ود. أحمد عبدالمنعم حالو، وحمد بن سالم الراجحي، وسعيد بن محمد الريامي، بحثت الأوراق معالم الشعر التعليمي عند الشيخ الفارسي وملامح التجديد في كتابه تقريب الأذهان إلى علمي المعاني والبيان، والمنهج التربوي في التعليم لديه، وعلاجات الشيخ الفارسي كمدخل لفهم منهجية الأطباء القدامى في تشخيص وعلاج الأمراض. وتتواصل الندوة صباح غد بتقديم ورقات تبحث الجوانب العقدية والفقهية والقضائية والأدبية واللغوية.