«كتابة على الثلج».. إعادة إنتاج الرؤية الشعبوية للانقسام الفلسطيني

عرض في مهرجان فجر السينمائي بحضور رشيد مشهراوي –
قراءة: عاصم الشيدي –

لم يخرج الفيلم الفلسطيني «كتابة على الثلج» للمخرج المعروف رشيد مشهراوي عن كليشيهات الحوارات التلفزيونية في مناقشة قضية الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، كان الصوت داخل الفيلم هو نفسه الصوت الذي نسمعه على القنوات الفضائية، نفس الاتهامات ونفس التخوين ونفس الأسئلة التي تطرح في سياق الرؤية الشعبوية.
وعرض الفيلم مساء أمس الأول في مهرجان فجر السينمائي في العاصمة الإيرانية طهران ضمن قسم أفلام «الزيتون الجريح» الذي يلقي الضوء على المشهد المأزوم في الشرق الأوسط بحسب توصيف منشورات المهرجان. وشهد الفيلم في عرضه بطهران مخرجه مشهراوي وعدد كبير من المخرجين والنقاد وصناع السينما من حضور وضيوف المهرجان.
يسلط الفيلم الضوء على قضية الانقسام الفلسطيني عبر حكاية بسيطة جدا تتمثل في قيام شابة فلسطينية «تقوم بدورها الممثلة اللبنانية يمنى مروان» تعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني بإسعاف جريح سقط في الحرب على غزة «يقوم بالدور رمزي مقدسي»، ويساعدها في لحظة الإسعاف شاب آخر كان متواجدا في المكان يقوم بالدور الممثل المصري «عمرو واكد» سيتضح لاحقا أنه من «متشددي حماس» رغم أن الفيلم لم يسمه إن كان من حماس أو من القسّام أو من أي فصيل فلسطيني آخر ويلجأ الثلاثة إلى بيت في الجوار للاختباء من القصف حيث يطلب منهم صاحب المنزل «الممثل السوري غسان مسعود» الدخول لتستقبلهم زوجته «الممثلة الفلسطينية عرين عمري». وفي بيت ضيق جدا «يرمز لفلسطين يتجمع الخمسة دون أن يعرف أحد منهم الآخر وتبدأ بينهم الحوارات طوال الفيلم الذي استمر ساعة واحدة فقط.
كان البيت ضيقا جدا، وكان المشهد في الخارج عبارة عن قصف صاروخي مستمر، وآثار الدمار واضحة للجميع، والصواريخ لا تنتقي من تصيب أو من تخطئ إلا أن المشهد داخل المنزل كان متوترا جدا، ولا ينم عن أن سكّانه مهددون بخطر واحد.
الشاب المتشدد الذي اتضح أنه يحمل مسدسا بدأ بتوجيه أسئلة اتهامية للشاب الجريح، حول سبب تواجده في مكان القصف في تلك اللحظة بالتحديد، لكن الشاب كان متحفظا على الإجابة ويقول إنه جاء لأمر شخصي جدا، وبعد إلحاح وتهديد قال إنه جاء يبحث عن قطة قريبته الطفلة التي ترقد في المستشفى، لكن «المتشدد» يصر على أن كلامه غير صحيح وأن جميع الأماكن التي دخلها وخرج منها تم قصفها، في إشارة واضحة منه أن الشاب عميل إسرائيلي، بل إنه اتهمه بذلك بكل وضوح وصراحة.. لكن الفيلم مع تطوره لم يكشف عن الحقيقة، وترك سؤال الاتهام مفتوحا على جميع التفسيرات في دلالة أيضا على أن مثل هذه الاتهامات لن تتوقف وستستمر ما دام هناك عدو يحاول اختراق العمق الفلسطيني عبر شبابه.
تأتي النقاشات الحوارية في الفيلم أيضا مباشرة جدا، فالمتشدد الحمساوي يوجه كلامه لصاحب المنزل «غسان مسعود» الذي يتضح أنه من جماعة فتح فيقول له: أنتم توقف بكم الزمن عند أوسلو وترككم القطار.
فيرد عليه غسان الذي شارك في الكثير من الحروب وسجن في سجون الاحتلال كثيرا: وأنتم صار لكم 60 سنة تجاهدوا ماذا حققتم.. وهذا نتيجة جهادكم في إشارة إلى القصف.
أما المسعفة التي كانت حاسرة الرأس فرأت عندما حلّ الظلام نظرات مريبة من المتشدد الحمساوي قبل أن يأمرها بأن تذهب وتغطي رأسها ويقول في إشارة رمزية «لازم أعمل ترتيب جديد في هذا البيت» رغم أن البيت ليس بيته وهذه لها دلالة أخرى لا تخفى أيضا على المتابع.
ورغم أن الفيلم كان مباشرا جدا في طرح الحوار دون أي تورية أو استعارات إلا أنه اتكأ في بعض المشاهد الحوارية أو حتى البصرية على الرمزية. فصاحب المنزل «غسان مسعود» كان يعمل طوال الفيلم على إصلاح الساعات التي تملأ بيته، بعضها معلق على الحيطان وبعضها مركون في أجزاء المنزل الضيق وبأشكال مختلفة لكن أغلبها لا يعمل.
ومنذ البداية يسأل الحمساوي «عمرو واكد» صاحب المنزل «غسان مسعود»: هل أنت ساعاتي؟ فيجيبه لا.
ولكن تستطيع أن تقول أنني «أتحركش بالزمن»!!. وسيستمر هذا «التحركش» طوال الفيلم، لكن الغريب أن كل الساعات لا تعمل. في دلالة على أن الزمن الفلسطيني متوقف تماما، بل إن غسان مسعود يقول في بعض حواراته مع نفسه إن الزمن متحنط أو أنه يرجع للوراء، وتتجلى الرمزية أكثر في المشهد الأخير حيث تستهدف غارة قوات الاحتلال سيارة الإسعاف الواقفة أمام المنزل لإجلاء المصابين فتسقط الساعة وتنكسر تماما في دلالة، ربما، على أن الزمن الفلسطيني/‏‏‏ الانقسام مستمر وأن عقارب الساعات ما زالت كما هي، رغم أن غسان مسعود رد على زوجته في آخر الفيلم عندما شاهدت احتراق سيارة الإسعاف والتي قد ترمز هي الأخرى إلى احتراق أي مخرج من الأزمة وسألته: «ماذا نفعل؟» فرد عليها: «نستنّى شوية» وهو ما يعطي أملا آخر في الخروج من المأزق الفلسطيني، رغم كل الدلائل والرموز التي لا تعطي أملا على الإطلاق.
على المستوى السياسي لم يقدم الفيلم أي جديد، وإن كان كما يقول مخرجه في حوار مع كاتب هذه القراءة قد وضح كل شيء على الطاولة، الصورة التي قدمها الفيلم للانقسام الفلسطيني هي نفسها الصورة التي تظهر في وسائل الإعلام وفي حوارات القنوات الفضائية، لم يقدم الفيلم قراءة جديدة، أو رؤية مغايرة، أو حتى صادمة. ولكن على مستوى الاشتغال السينمائي فإن الفيلم قدم في بعض الأحيان حوارات عميقة وربط بين المشهد الفلسطيني وبين فكرة الزمن، كذلك الإضاءة كانت موفقة إلى حد كبير رغم أن المساحة كانت ضيقة، والديكورات استطاعت أن تعطينا شعورا أن الفيلم كان يصور في لحظة القصف الإسرائيلي على غزة فعلا رغم أن التصوير كان في استوديوهات سينمائية في تونس. كذلك كانت إمكانيات نجوم الفيلم عالية جدا على كل المستويات واستطاع الجميع، تقريبا، أن يتقنوا الأدوار التي يقومون بها وفق المساحة التي كان عليهم أن يتحركوا فيها.
في المجمل الفيلم طرح الكثير من الأسئلة، وإن كان ليس من مهمة الفيلم أن يضع أجوبة ولكن لا بأس من الصدمة في الأسئلة أو في المسارات التي يطرحها من أجل الذهاب نحو الإجابة وهو ما لم يتحقق على الإطلاق في الفيلم.. رغم كل ذلك، فإن الفيلم يستحق المتابعة ويستحق النقاش.