التنمية .. بين أعمدتها الثلاثة !!

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تفترض العلاقة القائمة بين أعمدة التنمية المستدامة: الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع، أن تكون أكثر تقاربا وتكاملا وتوافقا، مع كل فترة تمر من زمنها التعاوني، وذلك لتجدد الظروف المختلفة، وللدخول في تحديات نوعية؛ تكاد؛ تربك الخطط والبرامج التي تضعها الحكومة، وإن كانت الحكومة هي العمود الفقري المعزز لمقدرات التنمية في جميع ظروفها، لما تملكه من رأس مال بشري مدرب، ورأس مال نقدي يسهل عمليات الإنجاز، ويحقق معادلة العرض والطلب لبرامج التنمية وخططها واستراتيجياتها المختلفة المرحلية والآنية على حد سواء، وعندما يتم الحديث عن أعمدة التنمية الثلاثة على وجه الخصوص، لأن التنمية في جانب منها ، مسألة إيمانية، وإذا لم تستحضر هذه الأعمدة الثلاثة هذه المسألة، عندها تتحول الممارسة، من ممارسة استحضار الواجب الوطني والاجتماعي والإنساني، إلى ممارسة مجرد أداء، وبالتالي ليس مهما أن كيف تكون صورة هذا الأداء، ومن هنا يتفاوت الناس في توظيف طاقاتهم في مشروعات التنمية المختلفة، فالتأسيس الإيماني في مسألة التنمية، لا يأتي هكذا عفويا، أو من وحي الصدفة المجردة، وإنما يؤسس عبر قواعد محكمة، يأتي في مقدمتها تنمية الوعي الجمعي بثيمة الـ «تنمية المستدامة» وهذه الصورة تتأسس من البدايات الأولى لعمر الوعي، ولعل المدارس هي من يُعول عليها القيام بهذا الدور، شريطة أن تكون الهيئة التدريسية على قدر كبير من هضم مسألة الإيمان بأهمية التنمية المستدامة، وتأخذها على عاتقها على أنها مسؤولية وطنية لا بديل عنها، ومتى تحقق ذلك، أصبح يسيرا أن يتوغل هذه المفهوم في ذهنية الناشئة، وبالتالي يكبر ويترعرع مفهوم التنمية في الذاكرة الجمعية لدى أبناء المجتمع ككل، ومتى أصبح أفراد المجتمع؛ بعد ذلك؛ في مستوى المسؤولية، وجدت برامج التنمية وخططها الطريق سهلا وميسرا للارتقاء والنمو والازدهار، وقد أشار فرانشيسكو خافييير كاريللو في كتابه مدن المعرفة: المداخل والخبرات والرؤى «مترجم» الى أهمية هذه الشراكة بين القطاعات الثلاثة بقوله: «إن شبكة شراكة إقليم المدينة مع ذوي الصلة من الحكومة والجمهور والقطاع الخاص لها أثر إيجابي في المجالات المهمة للبنية «الأساسية» الاقتصادية الاجتماعية للمدينة».
يقتضي الأمر كذلك أن يكون هناك شعور خاص ذاتي من قبل أبناء المجتمع، يرتقي هذا الشعور من النظر الى المنجز التنموي من أنه منجز عام لكل واحد في المجتمع، إلى درجة إنزال المنجز إلى «ملكية خاصة» وذلك حتى ترتقي النظرة بشمولية تجمع الخاص والعام في آن واحد، وذلك ليس في المحافظة عليه من العبث فقط، الى المحافظة عليه الى تنميته واستدامته، ولذلك عندما ينظر الى التفريط وعدم الانتباه للسلوكيات الشاذة في التعامل مع المنجز العام على أنه حالات شاذة؛ مثلا؛ فإن ذلك يفضي الى انسحاب أهم ركن من أعمدة التنمية المستدامة والمحافظة عليها، وهو الجمهور الموكول عليه حراسة منجزات التنمية في مواقعها المختلفة، بغض النظر عن تدرجاتها في الأهمية، حيث تستلزم المحافظة هنا على كل منجز؛ مهما صغر هذا المنجز او كبر، ولعل في هذه المسألة شيئا من الفلسفة كما يشير ذلك الكاتب الياباني نوتوهارا في كتابه (العرب من وجهة نظر يابانية) – مترجم – حيث يقول: «عندما تغيب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية: عن الممتلكات العامة مثل الحدائق او الشوارع، او مناهل المياه، ووسائل النقل الحكومية والغابات (باختصار كل ما هو عام) والتي تتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة» – انتهى النص – وهذه الحالة التي يشير إليها الكاتب لا يصل إليها أحد أبناء المجتمع إلا إذا كان ناقما نتيجة تصادمه لموقف ما أخل بحقه من التنمية في صورة من الصور، ولذلك فلمثل هذه المواقف تقتضي المصلحة أن يحتوي هذا الفرد او ذاك، ويعاد الى المسار الصحيح، سواء من خلال التوعية، او من خلال تحقيق مطلبه، بحيث يكون هناك تناغما سلسا بين مقومات هذه الأعمدة الثلاثة، بحيث لا يسمح بأي نوع من المنافسة، لأن المنافسة تحول صاحبها إلى الانتصار لمصالحة الخاصة، وليس إلى الانتصار لخيارات التنمية، على أن يسمح بهذا التنافس في إطار البعد الواحد فقط، فعندما يتنافس أبناء المجتمع في بعدهم المجتمعي من خلال تنوع المعسكرات؛ على سبيل المثال؛ وتنوع برامجها، فإن ذلك سوف يفضي إلى كثير من الإنجاز في حضن المجتمع، لأن هناك بعدا جماعيا للصورة كلها، ويحسب الإنجاز للمجموع، وليس للفرد فقط، مع الحرص على تنمية ثقافة العطاء؛ بلا مقابل؛ لأنها من أهم السلوكيات التي تعزز الانتماء الاجتماعي، وتجعل الفرد يتجاوز مظان النفس الساعية إلى العمل على مصالحها الخاصة فقط.
تستوقفني هنا في هذا الطرح صورة أراها على قدر كبير من الأهمية، وهي صورة «برامج إحياء القرى والمدن» إن تجوز التسمية، وهي برامج: المعسكرات الشبابية، وحملات النظافة العامة، ومنها كذلك حملات شهر البلديات، ومسابقة المحافظة على النظافة المدرسية للطلاب وتبني بعض المؤسسات حملات وبرامج مماثلة مثل الأندية، وبعض مؤسسات المجتمع المدني، والمنتديات الصيفية، وكذلك تبني مشروعات تنموية من قبل أبناء المجتمع من فيض أموالهم الخاصة، فهذه الممارسات كلها من شأنها أن تتوغل في عمق القناعات الشخصية للأفراد فتغيرها للأحسن، وهذه هي الموكول إليها دعم البعد الثالث في التنمية وهي تعزيز صورة الجمهور في تعزيز برامج التنمية بصورة مباشرة، وهنا تكمن ضرورة أخرى، وهي توظيف الطاقات الشابة القادرة على العطاء، وتوجد بينهم التنافس على الابتكار وتقديم الحلول، وقد أشار إلى ذلك تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016م الذي حمل عنوان (الشباب وآفاق التنمية في واقع متغير) وهو التقرير الذي «يدعو الدولة العربية الى الاستثمار في شبابها، وتمكينهم من الانخراط في عمليات التنمية، كأولوية حاسمة وملحة في حد ذاتها، وشرط أساسي لتحقيق تقدم ملموس ومستدام في التنمية والاستقرار للمنطقة بأسرها» حيث يعلل التقرير للاستفادة من هذه الفئة بالقول: «إن ما يقارب ثلث سكان المنطقة هم من الشباب في أعمار (15-29) سنة، وهناك ثلث آخر يقل عمرهم عن (15) سنة، وهو ما يضمن استمرار هذا؛ الزخم السكاني؛ الى العقدين القادمين على أقل تقدير، ويوفر فرصة تاريخية يتحتم على البلدان العربية اغتنامها» – الجهة الصادر منها التقرير: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي/‏‏ المكتب الإقليمي للدول العربية.
ينظر البعض الى بعد القطاع الخاص – في مساهمته النوعية التي يفترض أن تكون – على أنه المنقذ لكثير من برامج التنمية، سواء هذه البرامج يتولى إدارتها القطاع العام، او القطاع المجتمعي، وهي نظرة تحتاج الى كثير من الدقة، والتعامل معها يحتاج الى حذر شديد، فالقطاع الخاص قطاع ربحي من الدرجة الأولى، وبالتالي فهو إن يحرك نشاطه، فإنه يحركه وفق مفهوم الربحية – في أي حال من الأحوال – إلا الاستثناء، والاستثناء هنا أنه لا يعلن عن شخصيته في صورة إعلان، مثلا، و«ثيمة» الربحية هذه لا تعيبه، فهي عنوانه العريض، وبالتالي عندما يقيم هذا القطاع على أنه يمثل أحد الأبعاد الثلاثة للتنمية، على هذا القطاع أن يكون في مستوى المسؤولية دون أن ينتظر استجداء الجمهور له بأن يكون في هذا الدور المطلوب منه، وبالتالي عليه أن يكون أكثر مبادرة، وأكثر حضورا، مع اليقين أن أي منجز يدعم مسيرة التنمية ويعمل على استدامتها، فإن مردود ذلك لا بد أن ينعكس إيجابا على حاضنة القطاع الخاص، لأن من يعمل في هذا القطاع الخاص، هم الجمهور العريض من أبناء المجتمع، وبالتالي يفترض الفهم هنا أن يكون هذا القطاع أكثر تحررا في مساهمته في التنمية المستدامة، ولا ينتظر الطلب الذي يتقدم به من قبل الجمهور؛ في بعض الحالات؛ خاصة وأن أي قطاع خاص في أي تجربة تنموية، يحظى برعاية حكومية – يحسد عليها – من حيث الحرص على تنميته، وتشجيعه، وتعزيز وجوده، وإنزاله المنزلة المباركة، لأنه في النهاية أحد أهم مظاهر التنمية في أية دولة.
إن تكاتف القطاعات الثلاثة على تعزيز برامج التنمية، يعكس ذلك على مستوى التناغم والتوافق بينها، كما يؤصل الإيمان بأن التنمية مسؤولية وطنية عالية القدر والقيمة، وأن أي قطاع من هذه الثلاثة، لا يستطيع ان يتبوأ مكانته، كقطاع فاعل في مشروع التنمية، إن لم يكن بهذا الإحساس الذي يمليه واجب الوطن عليه، والجمهور في كل هذه القطاعات هم من يحركون ديناميكياتها المستمرة بلا توقف.