تقييم أداء الموظفين ومكافأة المجتهدين

د. سيف بن سليمان المعني –

في مقالي السابق تحدثت عن تعزيز الأداء المؤسسي الحكومي، وتطرقت إلى الوسائل التي من شأنها أن تحدث التغيير في الأداء الوظيفي على مختلف المستويات، وكان أحد الأصدقاء قد اتصل بي مستهجنا لدعمي عدم مساندة مطالب الترقيات للموظفين، فقلت له، إن ترقيات الموظفين دون تمييز لا يصب في مصلحة الأداء الوظيفي ، ولا في مصلحة الموظفين أنفسهم، فلا يجب أن نساوي بين النشط والدؤوب والحريص على العمل وبين غير القادر على أي من ذلك ، وعدم تمييز المجتهدين ومكافأتهم على جهودهم ومثابرتهم، فالموظف الجيد والقادر على العطاء يجب أن يكافأ ويحصل على الترقية دون غيره، وهذا نظام معمول به دوليا، لا بد أن يعلم الجميع أن الترقيات بالدور لم يعد يناسب المرحلة المقبلة، وعلى الجميع أن يتنافسوا بقدراتهم وإمكانياتهم وإبداعاتهم وعدم الاعتماد على الدور، وبالتالي سيحصلون على التميز في الترقيات، فقال لي هذا على الورق لكن الواقع الوضع مختلف، فالمحسوبية والمبالغة في التقارير لا تراعي هذا التميز الذي تتحدث عنه. لذلك أرى أنه من المناسب مواصلة هذا الموضوع لعلي أصل إلى توافق حول هذا الموضوع ، لما من شأنه خدمة المؤسسات وكفاءتها وكذلك الرقي بأداء الموظفين، ولذلك لا بد من الوقوف على كيفية تقييم الموظفين في أدائهم لأعمالهم ومهامهم ، والذي يبنى عليه مستقبل السلم الوظيفي ومكافأة المبدعين والمجتهدين. الكثير من المسؤولين يشكون من الرتابة في التقارير السنوية للموظفين حيث يغلب عليها طابع المجاملة الذي يوهم الموظف بأنه فعلا مجتهد ولا حاجة له لبذل المزيد حتى يصل إلى أفضل المراتب بما يحقق له الترقية والتقدم، فكما ذكرت بأن الاعتراف بوجود مشكلة وتحديد عناصرها يعتبر 50% من الحل، و50% الأخرى معالجة تلك المشكلة، فتفعيل دور الجودة الإدارية للتقليل من حدة البيروقراطية في الإنجاز المؤسسي أصبح ضرورة ملحة يجب التركيز عليها، ولا ينبغي أن تكون المجاملات على حساب الأداء الوظيفي الذي لا يخدم المؤسسة والموظف على حد سواء، فالمجاملة في كتابة تقارير الموظفين يضر بالدرجة الأولى بالموظف نفسه ، حيث يعتقد بأنه قد وصل إلى درجة عالية من الكفاءة والحكمة، وبالتالي يفترض أن يتعلم منه باقي الموظفين ولا يتعلم هو منهم.
في إحدى الدورات التي التحقت بها خارج السلطنة، في المجال الإداري، كنا نتعلم كيف نقوم بتقييم الموظفين في أدائهم، وإحدى الطرق التي اتبعتها إدارة التدريس عمل تمرين داخلي على تقييم الموظفين والذي هو عبارة عن تقييم بعضنا البعض، كما يرى كل واحد منا الآخر على حقيقته، ليس لرابط الصداقة أو العلاقة دخل في ذلك، بكل المصداقية والعدالة في التقييم، وكان كل واحد منا يواجه الآخر أمام الجميع ويقول له أنت نقاط قوتك كذا وكذا، ونقاط ضعفك كذا وكذا، وعليك أن تقوم بالخطوات التالي حتى تحسن من أدائك وقدرتك المهنية في المستقبل، وكان الجميع يتقبل ذلك برحابة صدر ويستفيد من تقييم الآخرين له، لأن الإنسان بطبعه يرى نفسه أفضل من الآخرين. وفي هذا النوع من التقييم يعرف الموظف نفسه من خلال تلك الآراء، وهذا من شأنه أن يحسن من مستواه وأدائه بشكل أفضل، وما الذي يتوجب عليه فعله حتى يحسن من أدائه ومستوى سلوكه وتعامله مع الآخرين كفريق عمل متناغم ومنتج ، ربما يقول البعض ، هذا مقبول لدى الدول المتقدمة، لكنه غير واقعي في مجتمعنا، ربما يكون ذلك صحيا، والسبب في ذلك تعودنا على المجاملات والهروب من الواقع الذي أصبح جزءا من حياتنا اليومية، ولكن إلى متى سنستمر في ذلك؟ في نفس الدورة، طلبنا الموجه كل على حدة، وقال لكل واحد منا بشكل واضح ودون أي مجاملة أو بدافع أمور شخصية ووضح لكل دارس منا رأيه فيه، ونقاط الضعف التي يتوجب على الدارس تفاديها والعمل على تحسينها، سواء كان في بناء علاقات قوية كفريق عمل منتج، ثم وضح نقاط القوة التي يتوجب البناء عليها في تطوير شخصيته، لكن الأهم من ذلك كله، هو أن يطلب الموجه منا جميعا تقييمه بشكل انتقادي، قائلا كيف تراني كموجه بكل شفافية، وصدقوني البعض منا كان ينتقده بالأمثلة الحية دون تجريح، بل يصف ما يقوم به بكل دقة، وفي نهاية التمرين، شكر الموجه الذين كانوا صريحين وصادقين معه أكثر من الآخرين، وفي الأخير يقول لقد استفدت من تقييم البعض منكم وسوف أعمل على تحسين تلك النقاط التي أشرتم إليها، وكان بالفعل قد أنعكس ذلك على مستوى أدائه وتعاطيه مع الدارسين، هكذا يستفاد من التقييم المنصف والعادل، وهكذا يتم تقبل الانتقاد الهادف التي يراد منه تحسين وتطوير الأداء، سواء كان للموظف أم للمؤسسة. السؤال الذي يجب أن يسأله كل مسؤول وموظف، لماذا أقيم الموظف غير المستحق على أنه موظف جيد ، وهو يعرف في داخله بأنه خلاف ذلك ، ما الفائدة من تقارير لا تعكس حقيقة وواقع الموظف ، وبالتالي إذا كانت كل التقارير متشابهة ، كيف يمكن التمييز فيما بين الموظفين المجيدين على أساس الأفضل فالأفضل، الترقيات في الغالب تبنى على أساس تقارير الموظفين، ويجب أن تكون للمقتدرين، فليس بالضرورة معرفة الموظف معرفة شخصية، على الرغم من أن ذلك يساعد على اتخاذ القرار، لكن يفترض أن يكون التقرير كاف لاتخاذ القرار بشأن الترقيات للمناصب التالية، ففي كثير من الدول، يتم وضع مواصفات الوظيفة المراد شغلها، وتقدم تقارير بالموظفين المتنافسين عليها، دون وجود ما يشير إلى شخصيتهم، وبالتالي يتخذ القرار على أساس أفضل الكفاءات المناسبة لتلك الوظيفة التي تعكسها تلك التقارير.
إذا كيف يمكن أن كتابة تقارير الموظفين بشكل عادل، ومنصف، ويحقق مصلحة المؤسسة التي يعمل بها، وكذلك الموظف ذاته: – على المسؤول أن يحتفظ بمدونة يكتب فيها أسماء جميع الموظفين الذين تحت إمرته، ويسجل إنجازاتهم التي حققوها للمؤسسة بالتاريخ، وكذلك إخفاقاتهم، لا أقصد بذلك أن يكون هو مسؤول مراقبة الموظفين دون أن يراقب هو نفسه، ولكن يدون ذلك فيما لو احتاج لتلك المعلومات عند كتابة التقارير السنوية عن موظفيه، لكن المسؤول الناجح، يجب أن يكون متفاعلا مع فريق عمله، ويكون موجها، لا مراقبا. – أفضل طريقة لكتابة تقارير الموظفين الذين دائما يتوجسون من تقاريرهم، وتكون جدلية، هو أن تطلب من ذلك الموظف أن يكتب لك إنجازاته خلال الفترة التي يغطيها التقرير، في كثير منهم إما سيستند إلى أعمال قام بها غيره، أو أن يسرد لك أعمالا إنشائية، وعلى المسؤول أن يحكم بنفسه في ذلك وطبعا دون تحيز لأي سبب شخصي كان، بل يكون الهدف المنشود هو تحسين الأداء في العمل، وتطوير قدرة الموظف بالدرجة الأولى، قد يكون الموظف لا يجيد المجاملات والعلاقات الشخصية لكنه مجيد ونشيط في عمله، فالتقرير الذي يثير الجدل ضرره أكثر من فائدته.
– أعطي الموظف مهاما محددة، تأكد أنه لا يستعين بأي شخص آخر للقيام بها، وراقب كيف سيقوم بها، هنا ستعلم إن كان هذا الموظف يمكن الاعتماد عليه من عدمه، وعند كتابة نقاط ضعفه في التقرير لن تجد منه أي تذمر. – لا تصغي للموظف كثير الكلام والمجاملات، بل راقب إنجازاته ومواظبته في أداء عمله، فللأسف الشديد الموظفون كثيرو الكلام يكونون أكثر قدرة للوصول إلى قلب المسؤول وهذا بالطبع مضر للمنتجين بصمت. – عند كتابة التقارير أكتب حقائق، إنجازات موثقة مهما كانت قصيرة، التقارير الإنشائية لا فائدة منها، العلاقات الشخصية لا يجب أن يكون لها تأثير على التقارير سواء بالسلب أم الإيجاب وبالتالي ستجد الموظفين يتقبلون هذا المعيار الذي يساوي بين الجميع في التقييم ويعطي كل ذي حق حقه.