رواد الأعمال وهدفهم من المفاوضات

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

أتيحت لي مؤخرا فرصة المشاركة في فعاليات اللقاء القطري العماني المشترك لرواد الأعمال بدولة قطر الشقيقة للتحدث حول موضوع يهم هذه الفئة من الرواد فيما يتعلق بمفاوضاتهم مع الجهات التي تعنيهم من أصحاب المؤسسات التجارية والتمويل والإدارة وغيرها من الجهات التي تتعامل معهم. وكما هو معروف فإن رائد الأعمال هو المالك أو مدير لمشروع هدفه إنشاء مؤسسة تدر عليه المال وذلك بالخوض في المخاطرة والابتكار، أي أن عليه القيام بإنشاء مشروع جديد مع ضرورة أن يرضى بتحمل جميع المخاطر التي يحتملها هذا المشروع وعواقبها.
ويرى البعض أن توجه الشباب نحو مشاريع ريادة الأعمال يأتي بسبب رغبتهم في التخلص من خلافات مكان العمل، ورؤيتهم بأن يتم استغلال أنفسهم بأنفسهم وليس من قبل أرباب عملهم، أي رغبتهم بأن يصبحوا أسياد أنفسهم. وهؤلاء الأشخاص يبحثون دائما عن الابتكار واستخدام التقنيات الجديدة في أعمالهم، غير تلك التي يستخدمها التجار التقليديون، وهدفهم الزيادة في الكفاءة والإنتاجية، والتوجه نحو تصنيع منتجات جديدة، أوتقديم خدمات جديدة للمجتمع .
فمفهوم ريادة الأعمال يعني التوجه إلى عملية إنشاء المشروعات الجديدة والمستقلة من قبل فرد أو مجموعة من الأفراد وإدارتها بشكل كامل، مع العمل على اتباع العديد من الخطوات المنتظمة والمتسلسلة تتمثّل في تحديد الأهداف، وتوفير الموارد اللازمة للعمل سواء أكانت موارد مادية أو بشرية من مصادرها الرئيسية، بالإضافة إلى تحديد آلية وخطوات العمل، والتنبؤ بالمخاطر المتوقعة خلال تنفيذ الأعمال المختلفة.
إن ريادة الأعمال ليست بالمهمة السهلة، لذلك يتوقع من القائمين عليها أن يتصفوا بالعديد من الخصائص والمهارات اللازمة لتحقيق هذا الجانب بكل نجاح. فهناك العديد من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في رائد الأعمال الناجح كما أوردها الخبراء أهمها الإرادة والعزيمة، والإصرار على بلوغ الغايات المنشودة وتحقيق الأهداف الموضوعة بكل دقة. كما يتطلب منه الابتعاد عن مشاعر الضعف والاستسلام واليأس، بحيث يتخطى الفشل، وينطلق منه نحو التطور والنجاح، ويستفيد من كافة تجاربه السابقة، ويجعلها بمثابة دروس لتفادي تكرار الأخطاء. ومن الصفات الأخرى التي يجب أن يتحلى به رائد الأعمال الناجح هي حُب التعلم، وضرورة مواكبته لكافة التطورات التي توصل إليها العقل البشري، سواء على الصعيد النظري أو التطبيقي الذي يتمثل في التقنيات الحديثة والتكنولوجية، وأن يثق بنفسه ويؤمن بذاته وأن لديه القدرات والمهارات، ويعتمد اعتمادا كاملا على النفس في تحقيق النجاحات المختلفة، أي الابتعاد عن تحقير الذات والندم على التجارب الماضية وضعف الشخصية، بالإضافة إلى العمل على التغلب على قوة المنافسين في الأعمال المُشابهة. كما من الضروري أن ينسجم ويتأقلم مع أعماله ويتصف بالمرونة في التعامل مع التغيرات والتقلبات المختلفة، وفي حالات الطوارئ المختلفة التي تؤثر في عمله من خلال ضبط الأعصاب والحكمة، والهدوء، والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. ولا بد أن يتسم بالانفتاح على الآخرين من خلال إنشاء العلاقات الواسعة، ويحيط نفسه بشبكة من الأشخاص الإيجابيين القادرين على التغيير نحو الأفضل والتفاعل مع الشخصيات لاقتناص الفرص الجديدة، بجانب قدرته على البحث، وجمع المعلومات المناسبة حول العمل، والتعرف عليه بعمق، ودراسة الأسواق بشكل كامل، وتحديد الفئات المستهدفة والمنافسين، والقدرة على التحصيل، خاصة فيما يتعلق بالتمويل المادي المطلوب لإنجاز الأعمال المختلفة.
لقد أبدت السلطنة اهتماما كبيرا لرغبات الشباب العماني وتشجيعهم بالتوجه نحو العمل الحر وإنشاء مشاريع تجارية خاصة بهم، فيما تم حث المصارف العمانية على دعم توجهات أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال وذلك بتقديم تمويل مالي لهم بنسبة 5% من الائتمان المصرفي. كما تم إنشاء عدد من المؤسسات لدعم وتمويل مشاريع الشباب منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي من خلال بنك التنمية العماني الذي تم إنشاؤه عام 1977م. كما يتم دعم هذه المشاريع من قبل الهيئة العامة للصناعات الحرفية التي أنشئت عام 2003م، والهيئة العامة لترويج الاستثمار وتنمية الصادرات (إثراء) التي تم تأسيسها في مارس عام2011م، بالإضافة إلى صندوق الرفد الذي يقدّم القروض لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة منذ عام2013م، والهيئة العامة لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) التي أنشئت عام2013م. وجميع هذه المؤسسات تعمل على رعاية مصالح الشباب العماني من رواد الأعمال واحتضانهم وتقديم التوعية لهم، وكذلك إعداد دراسات الجدوى لمشاريعهم والترويج والتسويق لمنتجاتهم على المستويين الداخلي والخارجي. ومن هنا نرى أن عدد المؤسسات الصغيرة التي تم إنشاؤها في البلاد حتى نهاية شهر يناير من العام الحالي 2018 بلغ أكثر من 32441 مؤسسة تتركز معظمها بمحافظة مسقط، حيث الفرص التجارية والتطوير والاحتكاك مع الوفود الأجنبية أكبر بكثير من المحافظات الأخرى بينما كان عددها في نهاية عام 2016 قد بلغ 25692 مؤسسة.
ومن هنا تأتي أهمية التفاوض الناجح لأصحاب المؤسسات الصغيرة ورواد الأعمال مع الآخرين داخل المؤسسة أوخارجها لتحقيق المزيد من النجاحات في المستقبل. والمفاوضات يعني لهؤلاء الشباب بأن يتم الوصول إلى الاتفاق بصورة إيجابية تؤثر على إنتاجيتهم في المستقبل، الأمر الذي يساعدهم لاحقا على إنهاء جميع الخلافات القائمة مع الآخرين. وهذا الأمر يتطلب من رائد الأعمال بأن يمتلك مهارات تفاوضية، وأن يحضر نفسه لأية عملية تفاوضية ويجريها وينهيها في الوقت المناسب، مع ضرورة حفاظه على علاقته التفاوضية الجيدة بالأطراف الأخرى، وأن يتجنب الأخطاء الشائعة والتغلب على العوائق أمام إتمام أي اتفاق يهم مؤسسته، بحيث يسعى لإنجار أفضل صفقة بالنسبة إليه، والخروج بأكبر ربح من أي اتفاق سواء أكان ذلك من أجل تحقيق صفقة تجارية، أو الحصول على الوكالة، أوتقديم الخدمة ما بعد البيع،… إلخ.
وهناك بعض من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المفاوض لدعم توجهاته كضرورة التعرف على أسلوب التواصل والتفاوض عند الفريق الآخر، وضرورة بناء الثقة من البداية بحيث يقوم بتنفيذ كل الاتفاقات والوعود لكي يرى الفريق الآخر أنه جدير بالثقة والتعاون. كما يتطلب منه أيضا مراقبة الفريق الآخر ليضمن أنه ينفذّ الاتفاقات والوعود وخاصة في المرحلة المبكرة للاتفاق، وأن يحافظ على حل الأمور الصعبة عند مناقشته للقضايا الإدارية والمالية الصعبة.
إن جميع رواد الأعمال وخاصة الجدد منهم يتطلب منهم أن يتقنوا مهارة التفاوض سواء في مجال عملهم أو في مناقشاتهم في عمليات البيع أو الشراء أو التسويق، أو في حل أيه مسألة أو مشكلة قائمة، أو تحقيق أي مبادرة جديدة. فلا بد للمفاوض أن يقوم بالتحضير للموضوع قبل دخوله المفاوضات بحيث يكون لديه معلومات كافية عن المسألة التي يرغب الدخول فيها. كما عليه أن يستمع جيدا للطرف الآخر، ويطرح المزيد من الأسئلة ليحصل على المعلومات الكافية التي تساعدها في عملية التفاوض، ويكون مرنا وصادقا في أقواله وأفعاله، مع التركيز على الأولويات وإعطاء مساحة للمناورة والمساومة وعدم مقاطعة الطرف الآخر، مع إنجاز ما يتم الاتفاق عليه بعد إعداد خطة العمل والتنفيذ.
إن ثقافة ريادة الأعمال مهمة جدا للذين يريدون التوجه نحو العمل الحر. ومن هذا المنطلق اقترح بإنشاء كلية خاصة لرواد الأعمال في السلطنة يكون هدفها تأسيس قاعدة للتجار الجدد من الشباب العماني بحيث تكون المناهج نظرية لمدة سنتين وعملية لمدة سنتين أخريين. كما يمكن للطلاب المنتمين لهذه الكلية ممارسة التجارة خلال السنتين الأخيرتين من خلال تأسيسهم للمشاريع الخاصة بهم في المجالات التي يودون العمل بها، وأن يتم تخصيص تمويل خاص لهم بحيث يتم دفع المستحقات عليهم لمشاريعهم الصغيرة خلال 10 سنوات بعد التخرج.