ترجمـات .. ما لا يفهمه الغرب عن شي جينبينج

كيفن رود-
نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

صدم الغرب من قرار مؤتمر الشعب الوطني في الصين مؤخرا بإلغاء تحديد فترة بقاء الرئيس في منصبه. وصار الرئيس الحالي شي جينبينج (في نظره) المستبد الكونفوشيوسي الجديد الذي يشرف على دولة لا يزال يحكمها حزب ماركسي لينيني يقود اقتصادا رأسماليا بطريقة انتقائية ويطمح إلى جعل بلده قوة عظمى عالمية. لكن ما يقوله هذا الإحساس بالصدمة عن الغرب أكثر مما يقوله عن الصين. ففي الأعوام الخمسة الأخيرة غالبا ما يسقط القادة والمحللون الغربيون على الصين صورة تعكس تخيلاتهم المفضلة بدلا عن التصريحات الفعلية لقادة الصين أو الأسلوب الصيني لإدارة دولاب الدولة. لم يتغير الرئيس شي بغتة. فهو منذ وقت مبكر كشف عن مستوى لا يبارى في المهارة السياسية بتعزيز نفوذه بسرعة. لقد كان عليه كي يصل إلى القمة التفوق على كل خصومه السياسيين بالالتفاف والمناورة ثم تهميشهم وإبعادهم. ومن المؤكد أن صعوده اللافت لا يلائم من ينأون بأنفسهم عن ركوب المخاطر. لقد كانت حملته ضد الفساد درسَ معلمٍ في الحرب السياسية. فهو قد وظفها منذ عام 2013 لتنظيف الحزب والتخلص من كل المنافسين المحتملين وإدراج الموالين له في أجزاء واسعة من الحكومة مع رئاسته لها. ولم ينته من هذه المهمة بعد. إذ يجري الآن تأسيس « لجنة إشرافية قومية» للانتقال بهذه الحملة إلى أبعد من صفوف الحزب كي تشمل الصين بكاملها. ويتولى شيء رئاسة «ست مجموعات صغيرة قائدة» إلى جانب عدد من اللجان والمفوضيات المركزية التي تغطي كل مجال من المجالات الكبرى للسياسات. كما يجري إدراج ما يسمى « فكر شي جينبينج» في الدستور. وهذا ترتيب فريد لرئيس حالي (بعكس أسلافه الذين لزمهم الانتظار حتى يترجلوا عن الرئاسة لتضمين «فكرهم» في الدستور.) وعلى ضوء كل هذا فإن إلغاء القيد الزمني لرئاسته ليس سوى تتويج لذلك. وحتى بدون هذا التعديل كان شي سيظل في الغالب القائد الأعلى للصين طوال العقد القادم. لقد تم التركيز بقدر كبير على ما وصف في الغرب «باستبداد شي الجديد.» لكن مكمن الخطورة يتمثل في عدم انتباه المحللين حين يفعلون ذلك إلى التحولات الأوسع نطاقا في الاتجاه القومي العام لبلده. فخلال السنوات القليلة الماضية كانت الصين تعود إلى بعض أرثوذكسيتها (سلفيتها) الماركسية اللينينية بعد أربعة عقود من براجماتية سياساتها. وإلى جانب هذا التحول يستعيد الحزب الشيوعي الصيني نفوذه المؤسسي على جهاز وضع السياسات وعلى الدولة الصينية. ففي السابق كان الحزب يركز على الأيديولوجيا في حين تولى المهنيون في مختلف الدوائر الإدارية تصريف مسائل الحكم والسياسات المعقدة. لقد انتقل اليوم موضع تقرير السياسات من مجلس الدولة إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسي بما في ذلك موضوع الاقتصاد الجوهري. وهذا تحول بالغ الأهمية قياسا بأيام رئيس الوزراء السابق زو رونجي. إن شي يعتقد بوجوب قيام الحزب بدور حيوي في إدارة الاقتصاد مع المحافظة في الأثناء على تماسك الصين فيما هي تواصل تحولها إلى قوة عالمية عظمى. ثمة خطر يكمن هنا. فشي ليس رجل اقتصاد ورئيس وزرائه لي كيه تشيانغ المسؤول فَنِّيا عن الاقتصاد ضعيف سياسيا. هذا الوضع يؤسس لتوتر محتمل بين رغبة الحزب والرئيس في السيطرة على الاقتصاد وخطط الحزب السابقة لتحقيق المزيد من الإصلاح الاقتصادي. في عام 2013 نشر الحزب مسودة للمرحلة التالية من التغيير الاقتصادي وهي تحويل الصين من نموذج قديم للنمو الكبير المرتكز على الصناعة القائمة على الأجور المنخفضة والعمالة الكثيفة والموجهة للتصدير والمكمّلة بمستويات مرتفعة من الاستثمار الحكومي في البنيات الاقتصادية الأساسية إلى نموذج جديد يقبل بمعدلات نمو أقل وقابل للاستدامة ارتكازا على التوسع في الاستهلاك الداخلي وقطاع الخدمات واستبدال الشركات المملوكة للدولة بمرور الوقت بجيل جديد من الشركات الخاصة مثل شركة على بابا. لكن خلال الأعوام الخمسة الماضية تباطأ إيقاع الإصلاح ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى أن الحزب خشي من فقدان السيطرة. لقد وعد مؤتمر الشعب الوطني الثالث عشر بتسريع برنامج الإصلاح مرة أخرى مع تجديد الالتزام بوضع «السوق» في مركز الاقتصاد. وسنعلم (إذا ما تحقق الوفاء بهذا الوعد.) ربما أن أعظم خطأ تحليلي في الغرب كان الاعتقاد بأن شي جينبينج سيرغب في استدامة النظام الليبرالي العالمي «المرتكز على قواعد» حين تبدأ القوة الاقتصادية لبلاده في منافسة الولايات المتحدة. مرة أخرى يخالف هذا الأمل الحقائق المعروفة جيدا. لقد ذكرت الصين منذ فترة طويلة أنها تعتبر النظام الحالي من اختراع المنتصرين في الحرب العالمية الأخيرة ولا يوجد فيه للصين مقعد عند الطاولة. ولم تشاطر الصين أبدا نظرة الغرب لحقوق الإنسان. لقد سعت منذ مدة لإضعاف سلطات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وموقفها في أفضل الأحوال متردد حيال التجارة الحرة. علينا فقط أن ننظر إلى تأييدها المشروط لمنظمة تجارة العالمية ومعارضتها لشراكة عبر المحيط الهادي وتاريخها المركنتالي المديد الخاص بها هي نفسها. أما فيما يخص النظام الأمني العالمي فالصين لم تغير أبدا من عدائها لنظام التحالفات العسكرية الأمريكية الدولي خصوصا في آسيا الباسيفيكية والذي ظلت تهاجمه منذ فترة وتعتبره من موروثات الحرب الباردة. هذا إلى جانب تأكيد الصين على مطالبها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. لهذه الأسباب نادى شي بوضوح بنوع جديد من «علاقات القوى العظمى» ينبع من «النضال الحالي من أجل نظام عالمي» ومن نوع جديد من الدبلوماسية الصينية الناشطة التي تنهي القول المأثور لدينج هسياو بينج « أخفي قوتك وتحيَّن فرصتك ولا تقود أبدا» ومن هنا تجيء جهودها لرعاية نظامٍ بديل متعدد الأطراف من خلال بنك تنمية البنيات الأساسية ومنظمة شنغهاي للتعاون ومبادرة الحزام والطريق. وسيرغب شي بمرور الوقت في قلب الصفحة على النظام الغربي الليبرالي وكتابة فصل جديد في تاريخ العالم. وإذا صارت الصين في العقد القادم أكبر اقتصاد في العالم مع بقاء شي في سدة الرئاسة كما يُرَجَّح فسيرتكز نجاحها على شكل من رأسمالية الدولة يرفض الفكرة التي ترى أن تصاعد الدخل يتوازى (يمضي جنبا إلى جنب) مع اتساع الحرية الاقتصادية والديمقراطية السياسية. لا أحد منا يعرف إلى أي حد سيذهب شي في مساعيه لتطبيق مبادئ « نموذج الصين» هذا على النظام العالمي الأرحب. ستكون ثمة توترات هنا. لكن علينا أن نكون على معرفة واضحة جدا بما يريده شي للصين نفسها بدلا عن النظر إليها عبر نظارات الغرب الوردية والتي لا تزال ملوَّنة بصور الصين في عهد (الرئيس) دينج هسياو بنج قبل ربع قرن. فالصين في عهد شي جينبينج مختلفة اختلافا جذريا.

• الكاتب رئيس وزراء سابق لأستراليا ورئيس معهد سياسات المجتمع الآسيوي.