أمريكا وكوريا الشمالية .. الأسئلة الشائكة أكثر من الإجابات العاجلة

رشا عبد الوهاب –
,, من الصعب التكهن بمستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية،خصوصا في ظل لقاء القمة الأول المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون،لكن هناك احتمالات وسيناريوهات متوقعة في حالة إتمام هذا اللقاء التاريخي ,,

أمريكا دائما ما تلوح بأن لديها خيارات للتعامل مع بيونج يانج، في مقدمتها العقوبات والحصار الاقتصادي، ولم تتوان عن التلويح بالخيار العسكري في وجه التهديدات الكورية الشمالية واستمرار التجارب النووية والصاروخية. وتراوحت أساليب الدبلوماسية الأمريكية في التعامل مع ملف كوريا الشمالية حسب استراتيجية الجالس في البيت الأبيض بداية من سياسات «العصا والجزرة»، إلى تصنيفها بأنها من بين دول محور الشر إلى جانب إيران وسوريا في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن ، أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد اتبع معها سياسات «الصمت الاستراتيجي» و« دبلوماسية كرة القدم».. وهي سياسات فشلت جميعها في تحقيق أي عائد، بل ان بيونج يانج ردت على هذه السياسات جميعها بالإصرار على التحدي ومواصلة تطوير الترسانة النووية وإجراء المزيد من التجارب الصاروخية ورفض القرارات الدولية. وأثبتت الثقافة الاستراتيجية الأمريكية المتمركزة في الحصار الاقتصادي، والتي تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، فشلها بعدما قادت إلى إشعال حرب عالمية بعد حظر الصادرات الرئيسية عن اليابان، وهو ما قاد إلى الحرب. وفي أوقات أخرى، على الرغم من ذلك،اضطرت واشنطن إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات مثلا في صربيا مع مجرم الحرب السابق سلوبودان ميلوسيفيتش ، أو مع الحكومة العنصرية في جنوب إفريقيا. العقوبات لم ولن تجبر كيم جونج اون على التخلي عن برنامج الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، وذلك على الرغم من أن نظامه لا يمتلك مناعة كاملة ضد الضغط الاقتصادي، سواء عبر تصدير المواد الخام وبعض البضائع.
ومنذ اليوم الأول لترشح ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية في 2016، أعلن عن نيته إجراء محادثات مباشرة مع بيونج يانج، مشيدا بحكمة كيم جونج اون وبقدرته على الحكم، وهو ما ردت عليه كوريا الشمالية بإطراء مماثل . ومع وصول ترامب للحكم، اختلف الأمر قليلا حيث تراوحت مقاربته بين التهديد والوعيد وبين الدعوة إلى الحل الدبلوماسي بمساعدة حلفاء كوريا الشمالية الرئيسيين: روسيا والصين. وحول احتمالات عقد القمة نفسها، فتتراوح التوقعات بين امكانية عقدها واستحالة ذلك، حيث وافق ترامب وكيم على المبدأ ، إلا أنهما لم يتوافقا على مكان وزمان عقدها، ومازال غياب قناة اتصال مباشرة بين واشنطن وبيونج يانج يعطي ضوءا أصفر للتشكيك في إمكانية انعقاد اللقاء، خصوصا أن الاتصالات بين الدولتين تتم عبر قنوات مستقلة، واحدة منهم «قناة نيويورك» عبر بعثة كوريا الشمالية في الأمم المتحدة. وخلال الشهور الأخيرة، استخدمت واشنطن هذه القنوات للمطالبة بإطلاق سراح الأمريكيين المختطفين في كوريا الشمالية، ومن بينهم الطالب أوتو وارمبير، لكن، في الوقت نفسه، فإنه من المتوقع أن يتم استخدام هذه القنوات نفسها لتحديد تفاصيل اللقاء بين كيم وترامب. وحاول ترامب جعل هذا اللقاء ممكنا عبر إلغاء المناورات المشتركة بين أمريكا وكوريا الجنوبية التي كانت مقررة الشهر القادم، وكانت تسبب استفزازا لبيونج يانج حيث تدفعها إلى استعراض ترسانتها النووية، وهذه خطوة مهمة قد تساعد في إتمام القمة.
وفي حالة انعقاد قمة ترامب – كيم، فإنه عادة ما تترجم مثل هذه القمم بين «الدول الأعداء» إلى اتفاقات تتطور إلى مفاوضات شاقة يعقدها دبلوماسيون وخبراء على صلة بالقضية. وهناك أطراف دولية كثيرة متداخلة تدفع إلى انعقاد القمة، منها الصين وروسيا بل والعدو اللدود كوريا الجنوبية، حيث كانت الأخيرة المبشرة بانعقاد القمة، بل تدخلت السويد على خط الأزمة عبر محادثات استمرت ثلاثة أيام بين«ري يونج هو» وزير الخارجية الكوري الشمالي مع نظيرته السويدية «مارجو والستروم» وسط ترجيحات أن تكون السويد مكانا للقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي والزعيم الكوري الشمالي . وكل دولة من الدول المشاركة في هذه الوساطة لديها مصالحها في التوصل إلى حل سلمى للأزمة الكورية، فكوريا الجنوبية ربما تكون المستفيد الأكبر. وعلى الرغم من أن سول حليف وثيق لواشنطن منذ الحرب الباردة وحتى نشوب الحرب بين الكوريتين بين عامي 1950 و1953 وحتى الآن، إلا أن الجنوب لن يسمح بحرب أمريكية شاملة ضد جارته الشمالية لأنه سيكون في هذه الحالة المتضرر الأكبر من هذه الحرب، ولا يمكن للولايات المتحدة شن حرب ضد الشمال بدون مساعدة كوريا الجنوبية. وهذا يعني أن يسود السلام في شبه الجزيرة الكورية، خصوصا في إطار سعى الرئيس الكوري الجنوبي «مون جيه إن» منذ وصوله إلى السلطة إلى إتباع نهج دبلوماسي مختلف مع الشمال، وإشارته إلى وجود «رؤية وهدف واضح لديه لسلام دائم بدلا من وقف النار الموقع في نهاية الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي»، حيث يهدف إلى إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار بين الكوريتين، والذي ترك شبه الجزيرة الكورية في حالة حرب على أرض الواقع.
وتسعى سول إلى إجراء مفاوضات مكوكية وزيارات لمسؤولين رفيعي المستوى تجرى للمرة الأولى منذ 68 عاما، ووصف المبعوثون الجنوبيون كيم جونج أون بأنه «دبلوماسي يتحلى بالصراحة والجرأة». وفي المقابل، زارت كيم يو يونج شقيقة زعيم كوريا الشمالية الشطر الكوري الجنوبي لحضور دورة ألعاب بيونج تشانج الأوليمبية. كما تم فتح قناة اتصال بين الكوريتين. سول طرف أساسي وأصيل في التحضير للقمة الأمريكية الكورية، وربما تصبح طرفا ثالثا في المفاوضات. بالإضافة إلى أنها سوف تستفيد هذه المفاوضات لحل أزمة العائلات التي فرقتها الحرب، وهو أحد الملفات المهمة على الطاولة بين الكوريتيين. وعلى الرغم من ذلك ، إلا أن حلفاء واشنطن الآسيويين خصوصا ممن يجمعهم علاقات متوترة مع بيونج يانج، أصيبوا بعامل المفاجأة، خصوصا اليابان التي أصرت على استمرار العقوبات والضغوط على كوريا الشمالية ، إلا أنها وجدت نفسها في نهاية المطاف تلجأ إلى سول من أجل عقد محادثات مباشرة هي الأخرى مع زعيم كوريا الشمالية، على خطى ترامب. أما الصين، الحليف الاستراتيجي لكوريا الشمالية، والتي دائما ما تقف إلى جوار نظامها، فقد اقترحت استراتيجية للتعامل مع بيونج يانج تقضى بالالتزام بنزع السلاح النووي وفي الوقت نفسه إنشاء آلية للسلام. كما اقترحت خطة تقضي «بتعليق مقابل تعليق» تقوم بموجبها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان بتجميد التدريبات العسكرية مقابل وقف كوريا الشمالية تجاربها النووية والصاروخية. ويرى الرئيس الصيني شي جين بينج أن القمة فرصة عظيمة لتهدئة التوتر، ودعا الأطراف المعنية إلى الصبر والحذر. وأحد السيناريوهات المتوقعة من هذه القمة، أن يتم استبعاد أطراف رئيسية حاولت حل الأزمة خصوصا روسيا والصين، فإن أمريكا لن تكرر تجربة المحادثات السداسية التي ضمت أيضا كل من الكوريتين واليابان والولايات المتحدة وروسيا واليابان، والتي تم عقدها بعد انسحاب بيونج يانج من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في 2003. أما سيناريو الحرب مع كوريا الشمالية سيكون لها آثار كارثية ضخمة على آسيا وعلى العالم بأسره، فانها قد تتسبب في حرب نووية مجنونة لن ترحم، وانزلاق واشنطن في حرب جديدة في وقت ما زالت تدفع فيه فاتورة غزوها لأفغانستان والعراق. وعلى أقل تقدير سوف تتسبب في انهيار الاقتصاد العالمي، وهذه نتائج لن يرغب ترامب في تجربتها خصوصا في ظل سعيه لإعادة انتخابه لفترة ولاية ثانية في 2020، وبالتأكيد فانه يريد أن يظهر بأنه مفاوض نجح في إنقاذ أمريكا والعالم من الصواريخ والقنابل الكورية الشمالية .
وربما تقود المحادثات المباشرة في أحد سيناريوهاتها الاكثر تفاؤلا إلى تطبيع العلاقات بين كوريا الشمالية من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى بل وإقامة تعاون اقتصادي بين واشنطن وبيونج يانج، وهو ما يقود مباشرة إلى إنهاء عزلة كوريا الشمالية على الساحة الدولية. هذه القمة المقررة في مايو القادم تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، وهناك أسئلة في حالة نجاح القمة وأخرى في حالة الفشل، ففي حالة النجاح: فهل يمكن أن يتكرر سيناريو الاتفاق النووي الإيراني، بحيث تعقد العشرات من الاجتماعات، وتضطر كوريا الشمالية ، حليف طهران، إلى تقديم تنازلات على ورق مقابل امتيازات تحت ضغط الحصار الاقتصادي. أما السؤال الثاني فهو ما هي الشروط والامتيازات الأمريكية التي ستقدمها لزعيم كوريا الشمالية، وما هي حجم التنازلات التي سيقدمها الشمال لواشنطن ؟. وفي حالة الفشل: هل يستمر الوضع الحالي من التهديدات المتبادلة، والحرب الكلامية واستمرار التجارب النووية والصاروخية الكورية الشمالية؟ أم تتخلى أيا من الدولتين عن صبرها وتدق طبول الحرب؟ إلا أن التفاؤل يظل سيد الموقف حيث إن ترامب، ملياردير العقارات والمعروف بمهاراته في عقد الصفقات، قادر على التوصل إلى اتفاق مع كيم جونج اون .