الانتخابات كآلية ديمقراطية وتنموية في البلدان العربية

بشير عبد الفتاح –

,, إجراء الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية المرتقبة في بلدان عربية شتى، برغم التحديات والمعوقات،ووسط أجواء من الديمقراطية والنزاهة،من شأنه أن يعرج بمنطقتنا إلى مرحلة جديدة من تاريخها ,,
برغم ما يحيط بها من أهوال ومآس،وما يعتريها من أزمات وملمات منذ انفجار ما عرف إعلاميا بثورات «الربيع العربي» مطلع عام 2011، أبت دول عربية عديدة إلا أن تتحدى ذلك الواقع الأليم وتخوض غمار عملية سياسية شاقة ومضنية على درب التحول الديمقراطي المتعثر،عبر إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية دورية ونزيهة قدر المستطاع،وسط ظروف صعبة وأوضاع قاسية،توخيا من قياداتها وشعوبها لتجديد دمائها وبث الحيوية في شرايين أنظمتها ومؤسساتها،بما يعينها ،في نهاية المطاف على تجاوز المحنة واستعادة الدولة والإفلات من براثن المخططات والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تحاك ضد دولها المرتبكة.
فبينما تستعد العراق لإجراء استحقاقها البرلماني المصيري في الثاني عشر من شهر مايو المقبل، في تحد لافت للأزمات والمشكلات التي تلقي بظلالها على البلاد والعباد منذ عام 1991 على شاكلة الإرهاب والتدخلات الخارجية والصراعات الطائفية والمذهبية، وصولا إلى التهديد المتجدد من جانب تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي ما لبث أن هزم وتلاشى،حتى عاود الظهور وتهديد أمن مدن عراقية عديدة، بدأت ليبيا هي الأخرى استعداداتها لإجراء استحقاقين مهمين،أحدهما رئاسي والآخر برلماني قبل نهاية العام الجاري، وذلك بعد الاتفاق الذي تم في عام 2015 ودعمته الأمم المتحدة، وبعدما تعثرت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في تنفيذ المهام المنوطة بها ، كما تواصلت الانقسامات ، فيما أفضى انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر الماضي، إلى تصاعد الحديث عن ضرورة إجراء الانتخابات هذا العام، كبديل للمفاوضات التي فشلت في إيجاد تسوية شاملة. كذلك، تعد موريتانيا العدة لإجراء الانتخابات الرئاسية المقرر الإعلان عن فتح باب الترشح لخوضها في أبريل من عام 2019، فيما تتهيأ السودان لإجراء استحقاقها الرئاسي المزمع في عام 2020 ،على رغم التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية الطاحنة.
وبناء عليه، يمكن القول إن إجراء الانتخابات، بشتى صورها ومستوياتها، على نحو دوري ومنتظم ولا تنقصه الشفافية والنزاهة، إنما يعد علامة مهمة على جدية الممارسة الديمقراطية، ومؤشرا لصحة وسلامة المجتمع من الناحية السياسية والدستورية،كما يعتبر،بغير جدال ،ملمحا للتعافي والصمود والتحدي والإصرار على استعادة الدولة ومواصلة مسيرة البناء والتنمية, علاوة على ذلك، تعد الانتخابات بمثابة تدريب للمواطنين على الممارسة السياسية الديمقراطية.فإلى جانب كونها واجب وطني وحق دستوري،تمثل المشاركة التصويتية للناخبين تفعيلا لدور المواطن في إرساء دعائم الديمقراطية وما تنطوى عليه من تداول سلمى للسلطة بين القوى السياسية الوطنية المختلفة بما يعود على البلاد والعباد بالنفع العميم.
ولعلنا لا نغالي إذا ما زعمنا بأن تحقيق حلم العبور ببلادنا العربية نحو مستقبل أفضل لشعوبها، إنما يستوجب تضافر الجهود وحشد الطاقات من أجل الوصول بأية استحقاقات انتخابية إلى أفضل مستوى ممكن من النزاهة والشفافية والتنافسية،بما يساعد على دحض الاتهامات الغربية المغرضة للعرب بأنهم عاجزون عن اللحاق بركب التحول الديمقراطي حتى باتوا يشكلون ظاهرة تعرف في أدبيات النظم السياسية في أروقة البحث والدراسة لدى الغرب بـ «الاستثناء العربي»، والتي طالما دأبت على وصف وتفسير ممانعة الدول العربية للسير في ركاب موجات التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم طيلة ما يناهز قرنا خلا من الزمن،وتعلقت بتلابيبها دول شرق أوروبا ،إضافة إلى دول عالم ثالثة عديدة في آسيا وإفريقيا، بينما عزفت الدول العربية عن الانضواء تحت لوائها، مما جعلها تصنف عالميا على أنها دول غير ديمقراطية، وهو الأمر الذي شجع إسرائيل على انتهاز الفرصة والترويج لفرية أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة أدمنت التسلط واستمرأت القمع،على حد زعمها .
من منظور آخر، تعكس المشاركة التصويتية الكثيفة فى الانتخابات العربية، بمختلف أنواعها، مدى جاهزية المواطن العربي للإسهام الفاعل والبناء فى عملية التنمية الشاملة والمستدامة ببلاده، ذلك أن المواطن باختياره لمن يحكمه أو من يمثله فى البرلمان للإضطلاع بعملية التشريع ، إضافة إلى مباشرة مهام الرقابة على السلطة التنفيذية التى سبق وأن اختارها من خلال الانتخابات الحرة أيضا، يكون قد شارك بالفعل، وإن على نحو غير مباشر، فى إعداد خطط وبرامج التنمية المختلفة، لأنه اختار من يقوم بالتخطيط لها ثم بتنفيذها لاحقا عبر ترجمتها إلى إجراءات ومشاريع على أرض الواقع. وبذلك، تكون المشاركة الفاعلة والواسعة في الانتخابات قد أعادت الحيوية والزخم للدور التنموي للجماهير بوصفهم شركاء أساسيين في صنع هذه التنمية وليس فقط في جنى ثمارها، وذلك من خلال وضعهم في صدارة المشهد السياسي والتنموي.
أضف إلى ذلك معركة البناء والتنمية واستعادة الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وسيادتها ومكتسباتها وتطلعات شعوبها المشروعة نحو الاستقرار والتنمية، ففي تجسيد واضح للعلاقة العضوية الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة ، وشأنها في ذلك شأن العديد من القيادات العربية، تحتاج القيادة المصرية الحالية إلى تفويض شعبي جديد يمنحها المظلة الشرعية لمواصلة خططها ومشاريعها وبرامجها التنموية، التي تتطلب قرارات مصيرية وإجراءات صعبة، لا يمكن لها أن تؤتي أكلها لولا تقبل المواطنين لها وتفهمهم لضرورتها.
حري بنا فى هذا المقام التأكيد على أن ما ذكر آنفا لا يمكن أن يعني بالضرورة أن إجراء الانتخابات وإن على نحو دوري وديمقراطي، قد أضحى بالنسبة للعديد من الدول العربية غاية بحد ذاتها ، وإنما هو مجرد وسيلة ملحة لبلوغ غايات ضرورية ومحددة تتمثل في إسناد أمر إدارة البلاد وتسيير شؤون العباد إلى قيادات تمتلك من الرشد والحكمة والكفاءة والوطنية ما يؤهلها للاضطلاع بالمهام الوطنية الجسام المنوطة بها والمتمثلة في تحقيق الاستقرار والتنمية في مناخ من الحرية والديمقراطية، وهنالك، برأسها تطل مسؤولية القيادات والبرلمانات المنتخبة عن الارتقاء بمستوى أدائها كيما ترتفع إلى مستوى تطلعات ناخبيها، وتقود دفة بلادها إلى بر الأمان وسط هذه اللجج المتلاطمة من الأزمات والتحديات والمؤامرات، التي تتربص بأوطاننا في هذا الزمن الصعب.
وبناء عليه، وفي مصر على سبيل المثال، وحتى موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستعقب انتهاء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السيسي في عام 2022، يبقى كاهل الرئيس المصري، شأنه شأن باقي القادة العرب المنتخبين أو الذين سيتم انتخابهم في قادم الأيام، مثقلا بمهمة وطنية ملحة وتاريخية في آن، إذ سيكون حريا به ألا يتردد، خلال فترته الرئاسية الجديدة، في تطعيم مجهوداته ومشاريعه التنموية العملاقة بإنجاز لا يقل أهمية وإلحاحا على صعيد التحول الديمقراطي واستنهاض الحيوية السياسية المتيبسة الكامنة في المجتمع عبر تبنى إجراءات تاريخية واتخاذ خطوات جادة وملموسة على طريق تبديد سحب الجفاف والتصحر السياسيين، وهو ما لن يتأتى إلا من خلال طي صفحة الجفاء المزمن بين المصريين والسياسة، وإزالة كافة القيود التي تحول بينهم وبين تعاطيها بشتى الصور وعلى مختلف المستويات،بشكل آمن،ودونما معوقات، وفى ظل مناخ من التسامح والثقة المتبادلة.
وتأسيسا على كل ما سبق، تجدر الإشارة أخيرا إلى أن إجراء الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية المرتقبة فى بلدان عربية شتى، برغم التحديات والمعوقات، ووسط أجواء من الديمقراطية والنزاهة، من شأنه أن يعرج بمنطقتنا إلى مرحلة جديدة من تاريخها ،تتعانق خلالها آمال وتطلعات شعوبها مع مجهودات وتضحيات قياداتها،كما تتسم بالاستقرار والإعلاء من قيمة الدولة الوطنية والحفاظ على وحدتها وتماسكها،كما ترسي دعائم الديمقراطية والوحدة الوطنية ،التي تشكل حائط الصد المنيع في مواجهة سيناريو الفوضى، مثلما توصد الأبواب أمام مخططات ومشاريع تفتيت دول المنطقة وتفكيك جيوشها النظامية ،كما تقف بالمرصاد لتهديدات الحركات الراديكالية والتنظيمات الإرهابية المتأسلمة، والتي لا تتورع أطراف دولية وإقليمية عن توظيف أنشطتها المشينة وجرائمها الخسيسة من أجل إجهاض مسيرة التحول الديمقراطي والبناء المؤسسي في عالمنا العربي، فضلا عن تقويض أسس ودعائم الدولة الوطنية العربية.