المسـؤولون الاقتصـاديـون متفائلـون بشـأن النـمـو العـالمـي

رغم التوترات التجارية –
التقى صانعو السياسة الاقتصادية بواشنطن في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مصرحين بتوقعات متفائلة للنمو العالمي على الرغم من أن التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم قد أزعجت أسواق الأسهم العالمية.

ومن المتوقع أن ينمو الناتج الاقتصادي العالمي بنسبة 3.9 في المائة في عام 2018، وهو أفضل عام منذ عام 2011، مع استعداد كل اقتصاد رئيسي للنمو للعام الثاني على التوالي، وذلك وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي الصادرة أخيرا.
وقال موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي للصحفيين مؤخرًا: «إن فكرة أن تلك الاقتصادات الكبرى تتعرض لحرب تجارية في وقت يشهد توسعًا اقتصاديًا واسع النطاق تبدو متناقضة، خاصة عندما يعتمد التوسع على الاستثمار والتجارة». وفي أحدث التوقعات المنشورة، ظل المجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي متفائلين أيضًا. في مارس الماضي، حيث رفعت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة توقعات النمو في عامي 2018 و2019، على الرغم من أن محاضر ذلك الاجتماع، الذي تم الإعلان عنه مؤخرًا، كشف أن «معظم المشاركين أشاروا أيضًا إلى أن السياسة التجارية هي سبب إما عدم اليقين أو الخطر السلبي».

النمو العالمي

نما الاقتصاد العالمي بنسبة 3.8 في المائة في عام 2017، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع إلى 3.9 في المائة هذا العام. وكان البنك المركزي الأوروبي قد صرح في مارس أن «المؤشرات الإيجابية للغاية تشير إلى مزيد من النمو الحقيقي القوي [للمخرجات على المدى القصير». ويتوقع البنك المركزي الأوروبي نموًا قويًا بنسبة 2.4 في المائة هذا العام، بما يكفي لدفع معدل البطالة في منطقة اليورو إلى أقل من 8 في المائة. ومنذ مطلع الألفية، كانت معدلات البطالة في منطقة اليورو منخفضة للغاية لفترة وجيزة قبل الأزمة المالية العالمية.
وتصاعد تفاؤل رسمي على الرغم من أن أسواق الأسهم نمت بشكل مضطرب. حيث سجل مؤشر ستاندارد آند بورز 500 S&P 500 أول خسارة ربع سنوية له على مدار ثلاث سنوات، ليبدأ بها عام 2018. وقد انخفض المؤشر بنسبة 7 في المائة عن ذروته في شهر يناير، وفي نقاط قليلة في الأشهر الأخيرة، كان تداوله أعلى من 10 في المائة لكن أقل من ذروته أيضًا. وانخفض مؤشر داو العالمي Global Dow، وهو مؤشر قياسي يتتبع 150 شركة رائدة حول العالم، بنسبة 8 في المائة تقريبًا منذ ذروته في شهر يناير.
وبين أوائل يناير وفبراير، سجل مؤشر «تشوب فولاتيليتي» Cboe Volatility، المعروف أكثر باسم «فيكس» Vix أو «مؤشر الخوف»، أكثر من أربعة أضعاف، وارتفعت قراءته عن 30، وهو المستوى الذي تم اختراقه مرة واحدة فقط منذ آخر اندلاع كبير في أزمة اليورو في عام 2011. وعلى الرغم من أن الـ«فيكس» Vix قد استقر منذ فبراير، فإنه لا يزال يضاعف قراءاته في بداية العام.
وقال سيرجي لانو، نائب كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي: «يعكس رد فعل السوق احتمال تصاعد التوترات التجارية، وقد تصبح شيئًا مؤثرًا على النمو. خطنا الأساسي هو أن نظل متحكمين في التوترات التجارية، الأمر الذي يمنحك نموًا عالميًا قويًا، ولكن ستكون هناك حالة من عدم التزامن شيئًا ما لأن يبدو أن بعض البلدان أكثر عرضة للخطر من غيرها».

بداية متقلبة

وعلى الرغم من تراجع تقلبات السوق المالي عن مستواه في فبراير، فإنها لا تزال أعلى من أي نقطة في عام 2017. لقد تحولت المؤشرات العالمية إلى نتائج متضاربة في الآونة الأخيرة.
فقد كان التوظيف الأمريكي وأرباح الشركات قويًا في الربع السنوي الأول. لكن مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة تراجعت لمدة ثلاثة أشهر متتالية قبل الارتداد في مارس. ويقدر البنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا أن الناتج الاقتصادي الأمريكي نما بمعدل سنوي 1.9 في المائة في الربع السنوي الأول، أي أقل من معدل 3 في المائة الذي سجله في الأشهر التسعة الأخيرة من عام 2017. ويتوقع العديد من المحللين نموًا أقوى في الأشهر المقبلة؛ حيث يرجع أحد الأسباب إلى أن التخفيضات الضريبية الأمريكية من المتوقع أن تحفز المزيد من الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في المدى القريب. ونما اقتصاد منطقة اليورو بأسرع وتيرة على مدار عقد من الزمان خلال عام 2017، لكنه بدا بطيئًا في الربع السنوي الأول من عام 2018. وتراجع الإنتاج الصناعي للشهر الثالث على التوالي في شهر فبراير، وهو أطول تراجع له منذ عام 2012، وكانت هناك أيضًا مؤشرات ضعف غير متوقع في استطلاعات مديري المشتريات لدى المصنعين ومزودي الخدمات، ومقاييس مبيعات التجزئة، ومقاييس الثقة بين الأسر المعيشية والأعمال التجارية. وسجل أكبر اقتصاد في المنطقة، في ألمانيا، انخفاضًا مفاجئًا في الإنتاج الصناعي بنسبة 1.6 في المائة في شهر فبراير مقارنة بشهر يناير.

استطلاع

وارتفعت توقعات النمو الاقتصادي في عام 2018 في معظم الاقتصادات الكبرى، وتبدو بعض العوامل التي تسهم في التباطؤ مؤقتة، بما في ذلك موجة من الطقس البارد غير المعتاد، والإضرابات بين عمال المعادن والكهرباء الألمان.
أما المملكة المتحدة، الاقتصاد الرئيسي الآخر في أوروبا، فتبدو مهيأة لسنة أخرى من النمو الضعيف في الوقت الذي تستعد فيه لمغادرة الاتحاد الأوروبي في مارس 2019.
ويقدر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة نما بمعدل سنوي يبلغ 0.8 في المائة فقط في الربع السنوي الأول، على الرغم من أن سوء الأحوال الجوية لعب أيضًا دورًا في هذا التباطؤ ومن المتوقع حدوث بعض الارتفاعات خلال بقية العام. وأكبر خطر على اقتصاد المملكة المتحدة هو الفشل في تأمين اتفاقية الانسحاب مع بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، ومن ثم مغادرة الاتحاد بطريقة مخلة.
وبالنسبة لواضعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي وقطاع الأعمال في منطقة اليورو، فإن أكبر خطر على الانتعاش في منطقة اليورو هو الحرب التجارية. فقد كانت الزيادة في الصادرات هي العامل الرئيسي الذي أدى إلى ارتفاع معدل النمو خلال النصف الثاني من العام الماضي، على الرغم من ارتفاع قيمة اليورو مقابل الدولار الأمريكي والعملات الأخرى، مما جعل الصادرات أكثر تكلفة.
وعلى الرغم من المخاوف، لا تزال التجارة العالمية قوية ولم تتأثر العديد من البلدان والصناعات إلى حد كبير.
قال كارلوس فيرنانديز فالدوفينوس، رئيس البنك المركزي في باراجواي، مشيرًا إلى كمية السلع التي تم تهديدها بالجمارك أو تطبيقها عليها بالفعل حديثًا هذا العام: «إنهم يتحدثون الآن عن حروب تجارية، لكنك تتحقق من الأرقام، وستجد أن جميع الجمارك قد بلغت أقل من 1 في المائة من التجارة العالمية. يجب أن نكون حذرين حتى لا نبالغ في حجم المخاطر».
وقد عززت التجارة التعافي على مستوى العالم أيضًا، حيث ارتفعت أحجام التجارة بنسبة 4.9 في المائة في عام 2017، وهو تحسن عن نسبة 2.3 في المائة في عام 2016، وذلك وفقًا لصندوق النقد الدولي. وهو ما يزيد من توقعات تعزيزها إلى نسبة 5.1 في المائة في عام 2018.
وتزيد مخاطر تصاعد النزاع التجاري الذي نشب مؤخرًا – حتى لو كانت تقتصر على حرب تجارية واسعة النطاق – من المخاوف التي تغذي الأضرار الجانبية للاقتصادات الآسيوية. ولكن حتى الآن، ومع وجود الكثير من التهديدات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين التي ما زالت قيد التفاوض، يبقى الأثر محدودًا.
وقال تشي لو، كبير الاقتصاديين لدى مجموعة بي إن بي باريبا البنكية BNP Paribas لإدارة الأصول في هونج كونج: «إنها ليست حربًا تجارية، ولكن القوات بالتأكيد في الخنادق، مقفل عليها وتمت تعبئتها». وأفادت الصين أن الإنتاج الاقتصادي قد ارتفع بمعدل سنوي بلغ 6.8 في المائة في الربع السنوي الأول، متجاوزًا التوقعات، وذلك على الرغم من تباطؤ نمو الصادرات في شهر مارس الماضي. وفي مؤشر محتمل من الهشاشة المالية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أعلن بنك الشعب الصيني مؤخرًا أنه سيخفض كمية من الاحتياطي المطلوب من البنوك التجارية أن تتحفظ عليها. ويهدف ذلك إلى ضخ القروض المصرفية ومساعدة الشركات المالية على سداد القروض قصيرة الأجل.
وبالنسبة لبعض الصناعات الآسيوية، تحولت الإجراءات التجارية التخريبية من الاحتمالية إلى الواقع. فقد فرضت الولايات المتحدة 25 في المائة من الرسوم الجمركية الشهر الماضي على واردات الصلب. وقال هوى جون، رئيس مجموعة شاندونج للحديد والصلب، وهي واحدة من أكبر شركات صناعة الصلب في الصين، إن المصانع الصينية قد تخفض الأسعار استجابة لهذه الخطوة الجمركية. وانخفضت أسعار الصلب في الصين، التي تتعرض بالفعل لضغوط من سياسات الإنتاج المرتفع ومكافحة التلوث، بنسبة 10 في المائة عن شهر ديسمبر الماضي. وتقول المصانع الفيتنامية، وهي مركز تجاري رئيسي للفولاذ الصيني، إن المخزونات المحلية يمكن أن تزدهر مع بحث الصلب عن مشترين جدد، بدلّا من ارتباطها مسبقًا بالولايات المتحدة.
وقال نجوين تانه ترونج، رئيس مجلس مصنع الصلب الفيتنامي مؤسسة تون دونج إيه Ton Dong A: «سنواجه اضطرابًا كبيرًا في مبيعاتنا للصادرات، ويجب أن نحول هذا الحجم إلى فيتنام أولًا، ومن ثم نحاول تصديره تدريجيًا إلى أسواق عالمية جديدة».

• وول ستريت جورنال