البوسعيدي: إسراء الإنسان بجسده إلى ما افترضه الله عليه.. سبيل لعروج روحه إلى ما يقربه إليه

دلالات الإسراء والمعراج .. بين سير وسمو –
حاوره: سالم بن حمدان الحسيني –
الإنسان الذي يترك العناية بالروح وينسلخ من الآيات والتوجيهات الربانية التي تكون سببا لرقيه ورفعته، سيكون مقيدا بشهوات جسده، منغمسا في ملذات الدنيا لاهثا وراءها، وإن توفر لديه متاعها وأسباب الراحة فيها، وإن أخذ بما يغذي هذه الروح فإنه سيعرج بجسده إلى ما فيه رقيه وسموه، وينتشله ذلك من التعلق بحطام الدنيا ومتاعها الزائل، فيبصر الحق الذي يقوده إلى الله ويهديه إلى صراطه المستقيم، وينير له الدرب في ظلمات الدنيا المدلهمة .. ذلك ما أوضحه السيد د.أحمد بن سعيد بن خليفة البوسعيدي المدير المختص بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية ونائب رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للعناية بالقرآن الكريم في هذا الحوار الذي أجريناه معه بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج على صاحبهما أفضل الصلاة والسلام. ويؤكد البوسعيدي أن المسلم عليه أن يستفيد من هذه الذكرى العطرة بأن يربأ بنفسه عن التعلق بحطام الدنيا وزينتها، وعليه أن يسمو بنفسه بالتزام الأوامر الإلهية، وتطبيق الوحي الرباني في مختلف مناحي حياته .. مؤكدا أن السير بالجسد نحو مطلوب الرب سبيل لسمو الروح إلى أعلى الرتب، وإن إسراء هذا الإنسان بجسده وسيره بجوارحه إلى أداء ما افترضه الله عليه من عبادات سبيل لعروجه بروحه إلى ما يقربه من الله، ويسمو بنفسه عن القبائح والرذائل، وينعكس ذلك إيجابه في سلوكياته وتصرفاته ويرتقي بنفسه إلى ما يليق بمكانته السامقة التي يريدها الله له .. نقرأ المزيد مما أفاض به د.أحمد البوسعيدي في الحوار التالي:

ما هي تجليات ذكرى الإسراء والمعراج في فكر وروح المسلم؟

إن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وكرمه على سائر المخلوقات بما وهبه الله من خصائص ومزايا، وهو مكون من جسد وروح، وهذا الجسد يجذبه إلى الطين الذي هو أصله، وإلى الأرض وما فيها من شهوات وملذات، وهي التي يعود إليها هذا الطين، يقول تعالى: (ولقدْ خلقْنا الْإِنْسان مِنْ سُلالةٍ مِنْ طِينٍ).. «المؤمنون: 12»، وأما الروح فإنها من عند الله؛ لذا فإنها تسمو بالإنسان وترتقي به إلى الله، يقول تعالى: (الذِي أحْسن كُل شيْءٍ خلقهُ وبدأ خلْق الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُم جعل نسْلهُ مِنْ سُلالةٍ مِنْ ماءٍ مهِينٍ ثُم سواهُ ونفخ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وجعل لكُمُ السمْع والْأبْصار والْأفْئِدة قلِيلًا ما تشْكُرُون).. «السجدة: 7-9»، ويقول أيضا: (ويسْألُونك عنِ الرُوحِ قُلِ الرُوحُ مِنْ أمْرِ ربِي وما أُوتِيتُمْ مِن الْعِلْمِ إِلا قلِيلًا).
وقال: وهذا الإنسان كلما أسرف على نفسه بإشباع رغبات الجسد وشهواته وملذاته، فإنه سوف يخلد إلى هذه الأرض، وتنحط همته وفكره في متاع الدنيا وزخرفها، وبالتالي فإن روحه ستضعف وعلاقته بالله الذي جاءت من عنده هذه الروح ستكون هزيلة كذلك، يقول الله تعالى: (واتْلُ عليْهِمْ نبأ الذِي آتيْناهُ آياتِنا فانْسلخ مِنْها فأتْبعهُ الشيْطانُ فكان مِن الْغاوِين ولوْ شِئْنا لرفعْناهُ بِها ولكِنهُ أخْلد إِلى الْأرْضِ واتبع هواهُ فمثلُهُ كمثلِ الْكلْبِ إِنْ تحْمِلْ عليْهِ يلْهثْ أوْ تتْرُكْهُ يلْهثْ ذلِك مثلُ الْقوْمِ الذِين كذبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ الْقصص لعلهُمْ يتفكرُون).. «الأعراف:»، فهذه الصورة الماثلة بين أيدينا توضح حال هذا الإنسان الذي انغمس في الطين مثل حال ذلك الكلب، الذي دأبه اللهفة واللهث، حتى وإن توفر لديه الطعام ومتاع الدنيا وأسباب الراحة، فهو مستمر في اللهث، وهكذا يكون هذا الإنسان الذي يترك العناية بالروح وينسلخ من الآيات والتوجيهات الربانية التي تكون سببا لرقيه ورفعته، ويتخلى عن توجيه هذا الجسد وفق مراد الله، فإنه سيكون مقيدا بشهوات جسده، منغمسا في ملذات الدنيا لاهثا وراءها، حتى وإن توفر لديه متاعها وأسباب الراحة فيها، إلا أنه يظل لاهثا منهكا من الجري وراء حطامها، ولكنه إذا أخذ بما يغذي هذه الروح فإنه سيعرج بجسده إلى ما فيه رقيه وسموه، وينتشله ذلك من التعلق بحطام الدنيا ومتاعها الزائل إلى ما عند الله من نعيم أخروي وطمأنينة نفسية، فيبصر الحق الذي يقوده إلى الله ويهديه إلى صراطه المستقيم، وينير له الدرب في ظلمات الدنيا المدلهمة، يقول تعالى: (وكذلِك أوْحيْنا إِليْك رُوحًا مِنْ أمْرِنا ما كُنْت تدْرِي ما الْكِتابُ ولا الْإِيمانُ ولكِنْ جعلْناهُ نُورًا نهْدِي بِهِ منْ نشاءُ مِنْ عِبادِنا وإِنك لتهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتقِيمٍ، صِراطِ اللهِ الذِي لهُ ما فِي السماواتِ وما فِي الْأرْضِ ألا إِلى اللهِ تصِيرُ الْأُمُورُ) «الشورى:52-53».
وأشار إلى أن كل ما جاء من عند الله مما يسمو بهذا الإنسان ويرتقي به يسمى روحا، فالرسل والكتب التي جاءت من عند الله تسمى روحا، فجبريل -عليه السلام- الذي هو من الملائكة سمي روحا لأنه يحمل النور الإلهي الذي يغذي الروح البشرية. يقول تعالى: (تنزلُ الْملائِكةُ والرُوحُ فِيها بِإِذْنِ ربِهِمْ مِنْ كُلِ أمْرٍ) «القدر:4»، والآيات والكتب السماوية والوحي عموما يسمى روحا كذلك؛ لأنه يحمل الهداية الربانية إلى البشرية، يقول تعالى: (رفِيعُ الدرجاتِ ذُو الْعرْشِ يُلْقِي الرُوح مِنْ أمْرِهِ على منْ يشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِر يوْم التلاقِ).. «غافر:».
وأضاف: إن من رحمة لله بالبشرية أن أنزل إليهم الكتب وأرسل إليهم الرسل لتوضيح المقصد العظيم الذي خلقوا من أجله، ألا وهو عبادة الله تعالى، يقول تعالى: (وما خلقْتُ الْجِن والْإِنْس إِلا لِيعْبُدُونِ) «الذاريات:56»، وليبينوا لهم المنهج المتكامل لحياة الإنسان في شتى مجالاته وصروفه، ليحيا عبدا لله تعالى، ويرتقي بنفسه إلى ما يليق بمكانته السامقة التي يريدها الله له، ويسير إلى مدارج الكمال والرقي، ويسمو بجسده ويعلو بروحه إلى أعلى المراتب، ومن هنا فإن الله تعالى أنزل القرآن الكريم على نبينا ورسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – لهذا الهدف السامي. ولقد أيد الله نبيه محمدا – صلى الله عليه وسلم – بمعجزات عديدة، كان لها عظيم الأثر في سير دعوته، ولتعينه على تحقيق الأهداف التي أرسل من أجلها، وحملت هذه المؤيدات والمعجزات في طياتها الكثير من الدروس والعبر، ومن أبرز هذه المعجزات معجزة الإسراء والمعراج التي نحاول خلال هذه السطور أن نبرز جانبا من جوانبها المشرقة التي نستلهم من خلالها بعض المعاني والدلالات التي نستوحيها من خلال تدبر أحداثها ومواقفها، ونربطها بما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، لتحدث في نفسه الأثر المرتجى من تدارس هذه الحادثة الجليلة، وتنعكس إيجابا في حياته العملية وتوجه سلوكياته وتصرفاته نحو الكمال البشري الذي يريده الله له.
وأكد أن من أبرز هذه الدروس المستفادة من هذه الذكرى العطرة من حياته -صلى الله عليه وسلم- أن السير بالجسد نحو مطلوب الرب سبيل لسمو الروح إلى أعلى الرتب، فإسراء الجسد سبب لعروج الروح، بمعنى أن الإنسان إذا ما تمازجت روحه بما جاء به الوحي الإلهي الذي هو روح من أمره -جل وعلا- فإنه سيوجه عقله وفكره وأحاسيسه ومشاعره ويسير جسده وفقا للهدي الإلهي، ويكون هواه تبعا لما أنزل من عنده، وبذلك تسمو روحه وتعرج في درجات الرقي الإنساني. يقول الله تعالى: (سُبْحان الذِي أسْرى بِعبْدِهِ ليْلاً مِنْ الْمسْجِدِ الْحرامِ إِلى الْمسْجِدِ الأقْصى الذِي باركْنا حوْلهُ لِنُرِيهُ مِنْ آياتِنا إِنه هُو السمِيعُ الْبصِيرُ) «الإسراء:1»، فالنبي – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – اجتهد في إيصال الوحي الإلهي ونشر رسالة الإسلام إلى البشرية كافة، ولاقى ما لاقى من المشقة والعنت، وتعرض للأذى المادي والمعنوي، وبذل قصارى ما يستطيع ليسمو بالناس إلى ما فيه رقي أرواحهم وسموها، فأكرمه الله سبحانه وتعالى بالرفعة المادية والمعنوية، بمعجزة ترفع من شأنه وتقوي حجته وتسري عنه ما لاقاه من عذاب وأذى، فأكرمه برحلة أرضية انتقل فيها من مقام مقدس إلى مقام مقدس آخر، من طهر إلى طهر، من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف، وأكرمه بعدها برحلة سماوية يرقى فيها لأعلى المنازل إلى سدرة المنتهى، يقول الله تعالى: (وهُو بِالأُفُقِ الأعْلى ثُم دنا فتدلى فكان قاب قوْسيْنِ أوْ أدْنى فأوْحى إِلى عبْدِهِ ما أوْحى ما كذب الْفُؤادُ ما رأى أفتُمارُونهُ على ما يرى ولقدْ رآهُ نزْلةً أُخْرى عِنْد سِدْرةِ الْمُنْتهى عِنْدها جنةُ الْمأْوى إِذْ يغْشى السِدْرة ما يغْشى ما زاغ الْبصرُ وما طغى لقدْ رأى مِنْ آياتِ ربِهِ الْكُبْرى).. «النجم:7-18».

ما الأدلة العقلية والنقلية الدالة على أن هذه الحادثة المباركة كانت بالروح والجسد معا؟

إن الله – جل جلاله- أكرم النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعجزة الإسراء والمعراج التي تخرج عن نطاق الإمكان البشري، فكيف ينتقل من مكة المكرمة إلى القدس في الشام ثم يعرج إلى السماء ويرى المشاهد العظام ويرجع وكل ذلك في ليلة واحدة، وإسراؤه ومعراجه كان بروحه وجسده، وذلك لأدلة كثيرة منها: أولا: إن التسبيح والتعجُب في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) إنما يكون في الأمور العظام، ولو كان ذلك مناماً لذكره الله تعالى، كما ذكره عن إبراهيم وولده إسماعيل في قصة الذبح المعروفة، ولما كان له كبير شأن، ولما كان دليلاً على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولا حجة له على صدقه في رسالته.. وثانيا: إن قوله تعالى: (بعبده) يدلُ على مجموع الروح والجسد. وثالثا: إن عملية الإسراء بهذه السرعة ممكنة في نفسها، بدليل أن الرياح كانت تسير بسليمان -عليه السلام-إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة، قال تعالى: (ولِسليمان الرِيح عاصفةً تجري بأمره إلى الأرضِ التي باركْنا فيها وكُنا بكلِ شيء عالمين). ورابعا: ما حدث بعد هذه الحادثة من صدى واسع بتصديق المؤمنين وإرجاف الشاكين وتكذيب الجاحدين دليل كبير على أن هذه الرحلة كانت بروحه وجسده؛ لأنها لو كانت مجرد رؤيا منامية أو عروج بالروح دون الجسد لما لاقت ما لاقت من التكذيب والجحود.
وأوضح البوسعيدي قائلا: ومن هنا فإن المسلم يستفيد من هذه الذكرى العطرة أن يربأ بنفسه عن التعلق بحطام الدنيا وزينتها، بل عليه أن يسمو بنفسه بالتزام الأوامر الإلهية، وتطبيق الوحي الرباني في مختلف مناحي حياته، كما يسعى جاهدا إلى أن يدعو الناس إليه، مع صبره وثباته على ما يلاقيه من مشقة وعنت؛ وذلك ليتحصل على الجوائز الربانية من نزول السكينة وحصول الطمأنينة، وسمو الروح وعروجها إلى أعلى المراتب، فالتزام الطاعات طريق للقربات؛ لذا جاءت فرضية الصلاة في أثناء عروجه -صلى الله عليه وسلم- في السماء، لكونها تسمو بهذا الإنسان من علائق الدنيا إلى التوجه إلى الله والدار الآخرة قائلا: (إِنِي وجهْتُ وجْهِي لِلذِي فطر السماواتِ والْأرْض حنِيفًا وما أنا مِن الْمُشْرِكِين) .. «الأنعام:79»، كما أنه دائما يكون معلقا بالله، خائفا مما يسبب سخطه، راجيا عفوه وما يقربه من رضاه، فالقرب منه بذكره وطاعته سبب للسمو والسعادة والطمأنينة والأمن النفسي، يقول تعالى: (الذِين آمنُوا وتطْمئِنُ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ألا بِذِكْرِ اللهِ تطْمئِنُ الْقُلُوبُ الذِين آمنُوا وعمِلُوا الصالِحاتِ طُوبى لهُمْ وحُسْنُ مآبٍ).. «الرعد:28-29»، وفي المقابل فإن الإعراض عن ذكره ومخالفة أمره سبب لحصول الانحطاط والضيق والنكد والتعاسة، يقول تعالى: (ومنْ أعْرض عنْ ذِكْرِي فإِن لهُ معِيشةً ضنْكًا ونحْشُرُهُ يوْم الْقِيامةِ أعْمى).

ما تأثير الالتزام بالأوامر والنواهي الربانية على سلوكيات الفرد؟

إن قيام هذا الإنسان بهذه العبادات والأوامر الإلهية بإخلاص وخشوع فإنه يكون له الأثر الفعال في سلوكياته وتصرفاته، فتقربه من الله زلفى يبعده عما يحط بنفسه مما لا يليق من أخلاق، فإسراء هذا الإنسان بجسده وسيره بجوارحه إلى أداء ما افترضه الله عليه من عبادات وغيرها سبيل لعروج الإنسان بروحه إلى ما يقربه من الله، ويسمو بنفسه عن القبائح والرذائل، وينعكس ذلك إيجابا في سلوكياته وتصرفاته، فالصلاة تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر يقول الله تعالى: (قدْ أفْلح الْمُؤْمِنُون الذِين هُمْ فِي صلاتِهِمْ خاشِعُون). «المؤمنون:1-»، ويقول: (وأقِمِ الصلاة إِن الصلاة تنْهى عنِ الْفحْشاءِ والْمُنْكرِ ولذِكْرُ اللهِ أكْبرُ واللهُ يعْلمُ ما تصْنعُون)، «العنكبوت:45»، وكذا في شأن الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الله، فإنها تطهر النفس البشرية من الشح والبخل، وتزكيه بالرحمة والشفقة على عباد الله، يقول تعالى: (خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صدقةً تُطهِرُهُمْ وتُزكِيهِمْ بِها) «التوبة:103»، ونجد أن من متطلبات الحج البعد عن الرفث والفسوق والجدال، يقول تعالى: (الْحجُ أشْهُرٌ معْلُوماتٌ فمنْ فرض فِيهِن الْحج فلا رفث ولا فُسُوق ولا جِدال فِي الْحجِ وما تفْعلُوا مِنْ خيْرٍ يعْلمْهُ اللهُ وتزودُوا فإِن خيْر الزادِ التقْوى واتقُونِ يا أُولِي الْألْبابِ).. «البقرة:» ، وبالنسبة للصوم فإنه كذلك يسمو بالنفس ويعرج بالروح إلى قمة في الرقي الإنساني، فيبعد الإنسان عن الرفث والصخب، بل يدعوه إلى أن يترفع عن مواجهة اعتداء الآخرين عليه، يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (وإِذا كان يوْمُ صوْمِ أحدِكُمْ فلا يرْفُثْ ولا يصْخبْ، فإِنْ سابهُ أحدٌ أوْ قاتلهُ فلْيقُلْ إِنِي امْرُؤٌ صائمٌ).. «متفق عليه».
وأضاف قائلا: كما أن اختيار الأوقات المناسبة للخلوة مع الله بالصلاة والذكر والدعاء له بالغ الأثر في السمو الإنساني؛ لذا اختار الله سبحانه وتعالى لنبيه –عليه الصلاة والسلام- وقت الإسراء والمعراج أن يكون في وقت الليل، يقول الله تعالى: (سُبْحان الذِي أسْرى بِعبْدِهِ ليْلاً) «الإسراء:1»، فوقت الليل وقت للسكون والهجوع والراحة، يقول -جل جلاله-: (وجعل الليْل سكنًا).. «الأنعام:96»، فالاجتهاد في قيام الليل بالصلاة والذكر والدعاء في هدأة الليل له دور كبير في عروج الإنسان بروحه إلى الله يبث حزنه وشكواه إلى خالقه ومدبر أمره، ويسأله من خير الدنيا والآخرة، لذا ورد الحث على قيام الليل، ومن ذلك قول الله تعالى: (يا أيُها الْمُزمِلُ، قُمِ الليْل إِلا قلِيلًا، نِصْفهُ أوِ انْقُصْ مِنْهُ قلِيلًا ،أوْ زِدْ عليْهِ ورتِلِ الْقُرْآن ترْتِيلًا، إِنا سنُلْقِي عليْك قوْلًا ثقِيلًا، إِن ناشِئة الليْلِ هِي أشدُ وطْئًا وأقْومُ قِيلًا).. «المزمل:1-6».

ما الدروس والعبر المستفادة من هذه الذكرى؟

الدروس والعبر التي يستفيدها المسلم من هذه الذكرى العطرة كثيرة متشعبة، ومن أبرزها -حسبما بيناه في هذه السطور- : أن يجتهد المسلم في إسراء جسده نحو ما يقربه إلى ربه، فيُسيِرُ جسده وجميع جوارحه في هذه الحياة وفق المنهج الإلهي، في كل شأن من شؤون حياته، ليضحي في سيره عبدا تقيا ربانيا، وليكون ذلك منطلقا لعروج روحه نحو أسمى مراتب الرقي الإنساني، وبهذا يصبح المؤمن بين إسراء وعروج في كل يوم وفي كل ساعة من ساعات حياته.