آداب الطعام والشرب

القاهرة: أماني أحمد –
من مقاصد الإسلام هداية الناس إلى تهذيب سلوكهم، والسمو بكل أحوالهم عن مستوى الحيوان، لذلك جعل غاية وجودهم أشرف من أن تحصر في الانغماس في الشهوات المادية ونزوات الجسد. فالإسلام ارتقى بسلوك الإنسان في كل مناحي حياته ولم يستثن من ذلك طريقة مأكله ومشربه وهكذا شرع لنا آدابا للطعام والشراب نحافظ بها على صحة أنفسنا وأبداننا، إذا نحن طبقناها وتأدبنا بها.

يقول المؤلف حامد أحمد الطاهر في كتابه «وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للأطفال»: عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» متفق عليه.
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك مجالا إلا ويعلم المسلمين فيه أدبا من الآداب، أو أمرا من الأمور التي ينتفعون بها، وكثيرا ما يجتمع الناس على الطعام، وهنا لابد من مراعاة آداب الطعام، وقد وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وهو أن نقول قبل البدء في الطعام: «بسم الله الرحمن الرحيم». وقبل الطعام أيضا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم دعاء آخر وهو: «بسم الله.. اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار». أو بسم الله.
ويخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من نسي أن يذكر اسم الله تعالى قبل الطعام فعليه أن يقول: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره». فنقول: بسم الله أوله وآخره. والسر أننا نقول: بسم الله قبل الطعام هو أننا نريد إبعاد الشيطان عن الطعام حتى تكون البركة في الطعام، ويشبع منه كل من أكل منه.
ومن آداب الطعام أن يكون الأكل باليد اليمين وبثلاثة أصابع فقط ومن حافة الطعام، وليس من وسطه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه». وأن يأكل الإنسان مما يليه، يعني أمامه، فلا يمد يده إلى ما هو أمام غيره من الطعام، حتى لا يحرج صاحبه، أو يجعله يتقزز منه. وأيضا لا يعيب الإنسان في الطعام، فيقول: هذا الطعام غير جيد، أو نيئ أو يقول: أنا لا أحب هذا الطعام. فإذا وجد طعاما لا يحبه يتركه، ويأكل من غيره. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وضع الطعام أمامه أكل منه، فإذا كرهه لم يأكل منه، ولم يذكر عيبا للطعام أبدا.
وكذلك لا يأكل المسلم متكئا، يعني وهو نائم على جنبه، فهذا ضار بصحة الإنسان أولا، ثم هذه من صفات المتكبرين. ويستحب للإنسان أن يأكل في جماعة، ولا يبخل بطعامه، فقد ذهب رجل يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نحن نأكل ولا نشبع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلعلكم تفترقون؟»-يعني يأكل كل واحد منكم منفردا- فقال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارك لكم فيه». فالاجتماع على الطعام يشبع، ويبارك الله تعالى فيه، خاصة إذا ذكر اسم الله تعالى عليه.
وأخيرا حمد الله تعالى بعد الطعام فنقول: «الحمد لله». أو نقول: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وبذلك يبارك الله تعالى لنا في الطعام، ويرضى عنا. ونضيف إلى هذه الآداب: غسل اليد قبل الطعام وبعده.
أما عن آداب الشرب يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا واحدا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث واحمدوا إذا أنتم رفعتم» رواه الترمذي.
ومن الآداب التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إياها، آداب الشرب أيضا حرصا منه صلى الله عليه وسلم على المسلم وصحته، ورغبة منه في الثواب والخير للمسلم ولو كان في الطعام أو الشراب. فلابد من تسمية الله عز وجل فنقول: «بسم الله» أو «بسم الله الرحمن الرحيم». والشرب على مرتين أو ثلاثة، فيكون الشرب هكذا: نمسك الإناء ونرفعه ونقول «بسم الله» ثم ننزله ونقول «الحمد لله» ونفعل هكذا مرتين أو ثلاثة، ويكون الشرب أول مرة كمية بسيطة ثم نزيدها في المرة الثانية، ثم نزيدها في المرة الثالثة. وذلك أن الإنسان إذا شرب مرة واحدة أصابه ذلك بألم في بطنه، وما لبث أن عطش مرة أخرى، ولكن إذا شرب على مرتين أو ثلاثة تكون المرة الأولى هي التي تروي ظمأه، وتجهز معدته وحلقه لاستقبال الماء، ويبرد المعدة والحلق، وبذلك يرتوى الإنسان ولا يعطش سريعا.
وأيضا لا يتنفس الإنسان داخل الكوب، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء، حتى لا يتقزز الإنسان من الشرب من موضع أخيه، وقد يكون الإنسان حاملا لمرض فإذا تنفس في الإناء تسبب في نقل هذا المرض. وكذلك عدم النفخ في الكوب أو إناء الشرب. ولقد وصل الأمر بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يراق الماء ـ يصب- في الأرض لما نفخ فيه أحد الصحابة لأنه رأى فيه قشة.
ويستحب الشرب قاعدا، وفي ذلك صحة للبدن، وارتواء للظمأ. وإذا سقطت حشرة في الماء أو الشراب فيغطسها ثم يرفعها ويلقيها خارج الإناء. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يشرب من القربة- وهي إناء الماء من الجلد- فكان الماء يصب في أكواب ثم يشرب النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الإناء يشرب منه أكثر من فرد، فيجب أن يبدأ باليمين ثم اليمين. وإذا كان هناك ساق للناس- يعني من يعطي لهم كوب الماء- أو يصب لهم الماء، وأراد أن يشرب هو فليكن آخر الناس شربا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ساقي القوم آخرهم». ونحمد الله عز وجل على هذه النعمة فنقول: «الحمد لله». ومن جهة أخرى يقول الدكتور رمضان المحلاوي في كتابه «من أخلاق الإسلام»: إن من حكم الصوم في رمضان فهم الصوم على حقيقته بألا نضع عند الإفطار ألوانا من الطعام والشراب، نسرف فيها كما، وننوع فيها كيفا، ونجمع ما فاتنا من وجبات نزحم بها موائدنا، ونرهق بها مواردنا. إن المعدة سبب الشر، ومصدر البلاء للإنسان، ومبعث الأسقام والأمراض لذلك فرض الله الصوم علاجا لها من هذه الآفات المهلكة. إن الإسراف في الطعام والشراب يؤدي إلى التخمة، ويضر بالصحة، ويدعو إلى الخمول والركود، عن المقدام بن معدى كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» ، هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، فلقد أجمع الأطباء أن ملء المعدة مهلك مضعف، وسبب الأوجاع المختلفة، ومزيل لقوة الشباب ومضر به ويوصف العلاج الآن بالإقلال من الطعام ما استطاع الإنسان، إن اكتساب الصحة جاء من عدم الشبع، قال لقمان الحكيم لابنه: «يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة».